أرشيف دنيا

الاتحاد

«انتحار الغرب» يطرح سبل النجاة من أفول الحضارة الغربية

التفجيرات النووية أحد الاخفاقات الكبيرة للحضارة الغربية

التفجيرات النووية أحد الاخفاقات الكبيرة للحضارة الغربية

في هذا الكتاب المثير للجدل “انتحار الغرب” يحدد المؤلفان ريتشارد كوك وكريس سميث ستة أعمدة رئيسية للحضارة الغربية، وهي: المسيحية، والتفاؤل، والعلم، والنمو الاقتصادي، والليبرالية، والفردية. ويبين المؤلفان كيف أن هذه الأفكار قد عانت طوال قرن من هجوم مستمر من الداخل وكيف أنها لم تبق بعد ذلك ملهمة للغرب أو موحدة له، وهو ما يجعل الانتحار الجماعي يبدو حتمياً.


يلفت المؤلفان ريتشارد كوك وكريس سميث في كتابهما “انتحار الغرب”إلى أن الأمور لا تكون دائما موحشة كما تبدو، فالفحص المتبصر للعوامل الستة يظهر أنها تمتلك مرونة كبيرة ترجع بها إلى ما كانت عليه، والكثير من عداء اليوم الموجه لهذه الأفكار مستند إلى مفاهيم دارجة ولكنها غريبة، يدحضها الدليل العلمي، ومن الناحية النظرية، فإن تركيباً أكثر حنكة للأفكار الستة كفيل بتوفير طريق للغرب يستعيد بها شجاعته وكرامته، أما من الناحية العملية فإن صفحات هذا الكتاب تحاول سبر غور هذه الإجابة.

ثقة كبيرة
يقول المؤلفان في بداية الكتاب، إنه في العام 1900 كان معظم أهل الغرب ليشعرون بالاعتزاز الهائل والثقة الكبيرة بحضارتهم، إذ كان هناك إحساس قوي، مشترك لدى الأميركيين والبريطانيين، ولدى الأوروبيين والكنديين، ولدى الأستراليين والنيوزيلنديين، بالانتماء إلى حضارة قوية، ومتوسعة، وتقدمية ومثيرة، وأفضل حضارة في كل العهود أما اليوم، فإن ذلك المعنى قد تلاشي، فلماذا؟ يوضح المؤلفان أن ذلك ليس بسبب الاقتصاد أو الأحداث الخارجية أو الأعداء الخارجيين، وعلى الرغم من أهوال النصف الأول من القرن الماضي، ووفق أكثر المعايير موضوعية، فإن الحضارة الغربية قد صنعت منذ العام 1900، تقدماً مادياً وعسكرياً وطبياً وعلمياً عظيماً بل صنعت تقدماً سياسياً كذلك.
وتوقف الغربيون عن قتل بعضهم بعضاً وعن تعذيب بعضهم بعضاً، وودعت الحضارة الغربية أشد عدوين لها قتلاً وترويعاً وهما النازيون والشيوعيون، وكلاهما كان محضوناً في الغرب، فإذا كانت هناك أزمة للغرب، فهي أزمة تولدت داخلياً، إنها تكمن في انهيار الثقة في النفس لدى الغرب، إنها تكمن في الرؤوس الغربية، في الأفكار الموجودة بداخل تلك الرؤوس.

معنى “الانتحار”
يعمد الكاتبان إلى تحليل معنى “الانتحار” الذي يقصدانه، فيوضحان أن الانتحار الفردي هو النهاية الطوعية الذاتية التي يفرضها الإنسان بنفسه على حياته، وانتحار حضارة هو النهاية الطوعية الذاتية التي تفرضها تلك الحضارة بنفسها على نفسها، ويستندان في ذلك إلى أحد التعريفات التي يعطيها معجم تشابرز حول الانتحار بوصفه “تسبب الإنسان بسقوطه الخاص، بشكل غير عمدي في الغالب” ذلك هو المقصود بالانتحار المحتمل للغرب: النهاية العرضية غير المقصودة لحضارة عظيمة، نهاية لم يضعها الأعداء الخارجيون، ولكن صنعها الغربيون بما يفعلون، وبما يخفقون في أن يفعلوه، ويقصد الكاتبان الإخفاق في حل التناقضات في المجتمع الغربي بطريقة تحفظ معها المثل العليا الغربية.
ثم يدلف واضعاً الكتاب إلى تناول مفهوم “هوية الغرب”، لافتين إلى أن أروع القضايا التي تواجه كل غربي اليوم وأخطرها شأناً وأصعبها ليست قضية البقاء الاقتصادي ولكنها قضية الهوية: “من أنا؟” والتناقض هنا كائن في أننا نسأل السؤال بوصفنا أفراداً ومع ذلك، فنحن لا نستطيع أن نحدد وجودنا، ومعنى وجودنا إلا وراء دورنا بوصفنا أفراداً، وإلا بالإشارة فقط إلى مجموعة أو مجموعات، وبعد استعراض رؤى عديدة للهوية الغربية.

خيارات عدة
يخلص المؤلفان إلى أنه على مدى العقود القليلة القادمة يحتمل أن يختار الغربيون اختياراً جماعياً واحداً من أشكال الهوية المهينة الآتية:
- تراجع إلى العديد من الأشكال المحلية المحضة والأشكال الشخصية من الهوية دونما أي إحساس أوسع من المجتمع.
- إحساس من الهوية الشخصية والمحلية، مقرون مع إحياء الهوية القومية، مثل الأميركيين، الألمان، الأستراليين، وهكذا.
- كما في أعلاه ما عدا أن “الأوروبيين” يماهون أنفسهم بشكل رئيس على تلك الصفة الأوروبية، أكثر مما يماهون أنفسهم بحسب قومياتهم الجزئية، ونتيجة لذلك، فإن الهوية الغربية تتشعب بشكل رئيسي إلى ولائي “أميركيين” و”أوروبيين”.
- إحساس من الهوية المحلية والشخصية، مقروناً مع رأي يرى أننا كلنا دوليون “كوزمو بوليتانيون” مواطنون للعالم.
- إحساس من الهوية المحلية، والشخصية والقومية، مع إدراك عام بأننا مواطنو الغرب بهوية ومصالح مشتركة مهمة.

علاقات السماء والأرض
من الهوية ينطلق المؤلفان إلى أول الأعمدة الرئيسية للحضارة الغربية “المسيحية” بوصفها أكثر الأشياء أهمية وأساسية لنجاحات الغرب وطغيانه، وكذا إخفاقاته، ومع ذلك فالمسيحيون والكافرون بالمسيحية قد يفاجؤون بشكل متساو لدى اكتشافهم كيف قلبت المسيحية العالم القديم بشكل كامل، وحولت علاقات السماء والأرض، ومازالت تحدد طريقتنا في الحياة وتحدد شخصياتنا (نفسدها).
ويوضح الكاتبان أنه على الرغم من أن رجال الكنيسة والحكام عبر العصور قد كافحوا من أجل إنكار الحقيقة الواقعية، فقد كانت المسيحية - ولاتزال - بعيدة عن الدين المعتاد.
وباختصار فإن النسخة الأصلية من المسيحية، كانت كفرية وثورية وفردية ومفتوحة من دون حدود ثابتة، وتدعو للمساواة وداعية للنشاط ومتفائلة ومتعصبة وشاملة وكانت مع ذلك مقسمة، وفوق كل ذلك مشتبكة اشتباكاً ضخماً ومتحدية لكل شخص يقع في دوامة إعصارها.

تهديد من الداخل
بعد استعراض طويل لتاريخ المسيحية في الغرب، يخلص كوك، وسميث إلى أن الروح المحررة للمسيحية الأولى، واختراعها للنفس الداخلية وتشديدها على التفرد ورفض السلطة والحب في العلاقات الشخصية، وطلباتها للرحمة والمساواة من أجل المظلومين وترويجها لضبط النفس ولتحسين الذات، كان لها تأثير حاسم على كل الغرب جاعلاً منه أنجح من الحضارات الأخرى، وأكثرها إسعاداً لشعوب الأرض، وفقاً للرؤية الغربية.
غير أن المؤلفين يشيران بأصبع الاتهام إلى وجود عنصر فرعي شديد الإظلام في المسيحية الأوروبية، وهو الذي يكمن في الحماسة التبشيرية والتطرف الثوري الموَّرث للغرب، والعالم من المسيحيين الأوائل، المدعومة بالعلم والتقنية وأقوى النظم الاقتصادية والعسكرية التي شوهدت في أي وقت، قد قوّت الغرب بقوة شديدة، وأدت في القرن التاسع عشر إلى الهيمنة على العالم، وفي النصف الأول من القرن العشرين، مزقت هذه المورثات المنحرفة - المفصولة عن الدين، ولكنها المحافظة على قسوة الألف عام - الغرب تقريباً من ورائه العالم إلى أجزاء، وحين يعاد توحيد مورثات التعصب المفرَّق مع الأصولية الدينية، فإن هذه الموروثات تبقى تهديداً قوياً للغرب، لا من الخارج فقط، بل من الداخل الذي يعتبر أكثر تهديداً.

جذور التفاؤل
يرجع الكاتبان ثاني أعمدة الحضارة الغربية جذور “التفاؤل” إلى ثلاثة معتقدات متضافرة معاً وهي:
- أسطورة الحكم الذاتي؛ أي مقدرة الأفراد على تولي مسؤولية مصيرهم.
- أسطورة الخيرية؛ بمعنى أن البشر بوصفهم جزءاً من خلق الله، هم خيرون في الأساس.
- أسطورة التقدم؛ أي أن التاريخ يسير نحو الأمام، والحاضر أفضل من الماضي، ولابد أن يكون المستقبل أفضل من الحاضر.
ويتابع المؤلفان التطورات التي لحقت بالتفاؤل أثناء مسيرة الحياة الغربية، ما بين انبعاث وأوج وموت، وأهم ما رصداه خلال عملية المتابعة تلك، هو وجود تطورين نهائيين يجب أن نسلط الضوء عليهما، وهما في الوقت الذي لا يوفران فيه بالضرورة تبريراً للتشاؤم المتزايد مؤخراً في الحضارة الغربية، إلا أنهما يساعدان بالتأكيد على تفسيره، أحدهما وهو ملحوظ ومفهوم على نحو جيد، وهو “التدمير الخلاّق” الذي صنعه تفكيك الرأسمالية المسيطر عليها، وذلك بإزالة الأنظمة والخصخصة، وتخفيض حواجز الاستيراد، وتزايد الثروة العامة مع وجود تباينات في الدخل وعدم الأمان الشخصي.
أما التطور الثاني الذي يحدده كلاً من كوك، وسميث، وهو أقل وضوحاً من سابقه وهو تبعاً لما قالته جيرترود ستاين “في القرن العشرين لاشيء متفق مع شيء آخر”. وفي نهاية هذا الاستعراض لعملية التفاؤل يخلصان إلى أن أعظم تحد للتفاؤل في آخر 100 أو 150 من السنوات الماضية وهو وجود رؤية جديدة منحدرة متشامخة للإنسانية، فالميل الموروث لدى الحضارة الغربية الحديثة هو ميل إلى اللامركزية، وإلى التشظي وحل الروابط التي كان من عادتها إيجاد مجتمعات أكثر تجانساً.
ومع ذلك فإن “التفاؤل الواقعي” يجعلنا أسعد وهو شرط لتقدم الحضارة الغربية، والغرب يواجه تحدٍ خاص ويتمثل في أن تدوير الغرب ليعود إلى التفاؤل سوف يستغرق حركة فكرية وعملية جديدة وكاملة، وليس هناك أي علامة على مثل هذا التحول في الأفق، وعلى الرغم من أنه لا توجد أسباب قاهرة تجبر على الكآبة، وهناك أسباب عملية تمد يده تدفع إلى النظر إلى الجانب المضيء، فإن من العسير أن نكون متفائلين بشأن مستقبل التفاؤل.

ثمرات العلم
يدلف الكاتبان إلى تناول واحد من أهم عوامل نجاح الحضارة الغربية ألا وهو “العلم” فيؤكدان على أن انتصار العلم، يشرح التقدم الحالي الضخم للغرب على الحضارات الأخرى في التقانة والتجديد، ومستويات المعيشة، والقوة العسكرية، ولقد كان الإنجاز العلمي منذ العام 1955 أكثر تأثيراً إلى مدى واسع من الناحيتين الفكرية والعملية منه في أي وقت آخر، متوجاً ستة قرون من الاكتشافات المذهلة عن الطبيعة وعن الكون، وكانت الإنجازات والاكتشافات ومازالت مستمرة غريبة على نحو كاسح.
بيد أن الغرب بدأ يفقد اهتمامه بالعلم، وفقاً لسميث وكوك، وذلك من خلال كثير من الدلائل ومنها ان انتصارات العلم بدأت في تسميم ماء الكوكب وهوائه وتربته، وعُرف أن أثر البيوت الزجاجية، ونضوب طبقة الأوزون وتخريب النظام البيئي للأرض، وتدمير غابة الأمطار الأمازونية، والانتشار المروع والمتزايد للأسلحة النووية والكيماوية والحيوية كلها ثمرات العلم.

سلطات أخلاقية
يعود المؤلفان ليؤكدا أنه ومع الظواهر العامة التي توحي ببدء فقدان الإيمان بالعلم، إلا أن العلم لايزال يحتفظ ببعض السلطات الأخلاقية، وهناك علماء مثاليون، ومواطنون متعلمون ومحبون للمعرفة، ولذا يحدد كوك وسميث ثلاث طرق لتعضيد الإيمان بأهمية العلم في مواجهة الهجمات التي توجه ضده وهي:
- إن العلم ليس معارضاً للدين في الأزمنة الحديثة، لأن أكثرية العلماء الأميركيين يصفون أنفسهم بأنهم متدينون.
- الرؤية العلمية الجديدة القائمة على العقل والتجريب والتحقيق والتكذيب، دون التبسيط الخطير وارجاع الظواهر للمصادفة العشوائية.
- الإيمان بأن الإنجازات الحضارية للبشرية، وقوة الفكر الإنساني وإنجازاته وأن المهمة تمثل داعماً رائعاً للعلم وأهميته في الكون.
ومع استعراض باقي الأعمدة الستة الرئيسة للحضارة الغربية التي وضعها كل من ريتشارد كوك وكريس سميث نجد أنهما يسعيان إلى تحديد سبل ينبغي على الغرب اتباعها، للخلاص من حالة الانتحار التي يشهدها الغرب حالياً، والتي لا يستطيع تحليلها وسبر أغوارها إلا كل متابع دقيق لظاهرة الحضارة الغربية المميزة، واللافتة للنظر إلى حد بعيد في مسيرة الحياة البشرية.




لعبة الإنسانية
“إن أعمال علماء من أمثال كبلر، وكوبرنيكوس، وجاليليو ونيوتن كانت في الوقت نفسه محفوزة بالتفاؤل ومعززة به إلى حد كبير، إذ كان العلم تجلياً لإمكانية الإنسان، ولتدبره العقلي وخياله، ولقد خدم العلمُ هدفاً، وهو رفع لعبة الإنسانية، وإعطاء الإنسان سيطرة على الطبيعة، وعلى الكون؛ لكي يستطيع أن يحسن موقفه، ويضيف كرامة ونبلاً إلى الحياة الإنسانية”.
المؤلفان

إمبراطورية في إنكار
أميركا “إمبراطورية في إنكار”، وهي “تميل إلى ارتكاب غلطتين، (الأولى)؛ تخصص موارد غير كافية للنواحي غير العسكرية لمشروع، والثانية وهي غلطة أخطر، أن أميركا تحاول إحداث التحول الاقتصادي والسياسي في إطار زمني قصير قصراً غير واقعي”.
فيرجسون

اقرأ أيضا