الاتحاد

رمضان

ستر عورات المسلمين وحفظ أسرارهـــم

أحمد الجعفري

أحمد الجعفري

من الأشياء التي غفل عنها كثير من الناس، وتهاون البعض فيها، وجهل الكثير فضلها، بل وضيعها آخرون، برغم ما لها من فضل كبير عند الله تبارك وتعالى، ستر عورات المسلمين وحفظ أسرارهم، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بالستر وعدم التجسس فيقول: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم)·
حرمة المؤمن
فهذه آية كريمة تقرر مبادئ مهمة من أصول الأخلاق الاجتماعية، وتنهي عباد الله المؤمنين عن أخلاق لازمة ولاصقة بكثير من المجتمعات، وقد ابتلي بها كثير من الناس، فظنوا بالآخرين سوءاً، فوقعوا في الآثام، ولو اهتدوا بهدي الله عز وجل لما ظنوا سوءاً ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا اغتابوا، وقد روى ابن ماجة عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ''ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خيراً''·
هذا مقام المؤمن عند الله سبحانه وتعالى، ومنزلته الرفيعة عند الخالق الأعظم· فليس لأحد من الخلق أن يحطّ من قدر هذا المؤمن، فيظن به شراً أو سوءاً، أو يتجسس عليه ويغتابه· فللمؤمن حرمة، فإياك أن تهتكها، فمن عرف بالصلاح وأونست فيه الأمانة والإخلاص وشُوهد منه التستر والعمل الخالص، فلا يجوز قطعاً أن تظن به سوءاً لمجرد شبهة لا يقوم معها دليل وليس معها تعليل، وإن كان في المقابل يجب على المسلم ألا يضع نفسه في مكان الشبهات·
ستر المسلم
ولنعلم جميعاً أن ستر المسلم يوجب ستر الله لعبده يوم القيامة، وفي ذلك روى الإمام مسلم في صحيحه عن أَبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ''لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة''·
وكما نهى الله عز وجل في هذه الآية الكريمة عن سوء الظن، فقد نهى عن التجسس وتتبع عورات المسلمين· ومن حق المسلم على المسلم، ستر عوراته، ومن ستر مسلماً ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة· وورد عن سفيان الثوري عن راشد بن سعد عن معاوية -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ''إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم''·
فقال أبو الدرداء -رضي الله تعالى عنه: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها· وقال أبوبكر الصديق -رضي الله تعالى عنه: لو رأيت أحداً على حد من حدود الله تعالى لما أخذته، ولا دعوت إليه أحداً حتى يكون معي غيري·
وفي الحديث الشريف عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ونادى بصوت رفيع حتى أسمع العواتق في خدورهن: ''يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض -يصل- الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين- وروي لا تغتابوا المسلمين- ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يوشك أن يفضحه ولو في جوف رحله''·
وقوله تعالى: (ولا تجسسوا)، أي: على بعضكم بعضاً، لأن التجسس غالباً يطلق في الشر· وأما التحسس فيكون غالباً في الخير كما قال عز وجل إخباراً عن يعقوب عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من رَوْح الله إنه لا ييأس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون)·
وجزاء من أراد التجسس على المسلمين وفضح عوراتهم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديثه: ''من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه''·
وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ''من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه الآنك''· والآنك هو الرصاص المذاب·
وتضمنت الآية الكريمة التي صدرنا بها كلامنا أيضا نهي الله عز وجل عن الغيبة، وهي: أن يذكر الإنسان أخاه المسلم في غيبته بما يكره، سواء كان الذكر صراحة أو كتابة أو إشارة أو رمزاً· وسواء كان ما اغتابه به متعلقاً بدينه أو بدنياه، بخلقه أو خلقه، وسواء أكان متصلاً به أو بمن له به رابطة أو صلة، من ولد أو زوجة أو أب وأم·
هذه خلاصة تفسير قول الحق تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم)· ولابد أن يدرك الانسان أن الكمال لله، وأن كل إنسان به عيوب، وأن من يحفظ أسرار وعورات الناس يحفظه الله ويمنع أعين الناس عنه·
من كل هذا ندرك أن من حق المسلم على أخيه ألا يتتبع عورته، ومن واجبه عليه أن يستره ويحافظ عليه لاسيما إن كان جارا أو صديقا أو قريبا؛ لأن هؤلاء أعطوه الأمان ولم يحذروه، فلنأخذ من هذا الحق طريقاً إلى الجنة·
ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

اقرأ أيضا