الاتحاد

رمضان

أطفال الشوارع ظاهرة عالمية.. والعلاج الأمني لا يكفي

ظاهرة أطفال الشوارع واحدة من أهم الظواهر الاجتماعية الآخذة في النمو، ليس فقط على مستوى البلدان النامية، وإنما أيضا في البلدان الصناعية والمتقدمة، ويرجع وجود هذه الظاهرة عالمياً إلى العديد من المشكلات والأسباب الاقتصادية والسياسية والأسرية والبيئية والتي تعمل بشكل متفاعل لتهيئة المناخ العام لنمو الظاهرة وتطورها·· حيث أصبحت تشكل خطورة حقيقية في ظل الازدياد المطرد في عدد السكان والتدهور الاقتصادي وانتشار الفقر في الكثير من بلدان العالم، حتى إنه أصبح يطلق عليها ''كرة الثلج'' أو ''القنبلة الموقوتة''·· فكيف يعالج الفكر الإسلامي هذه المشكلة؟
الأرقام مفزعة
يقول الدكتور أحمد المجدوب أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة إن أطفال الشوارع ظاهرة عالمية للأسف الشديد؛ فقد أكدت الإحصاءات العالمية أن هناك من 100 إلى 150 مليون طفل يهيمون في الشوارع، بينما أكدت إحصائية صدرت عن المجلس العربي للطفولة والتنمية العام الماضي أن عدد أطفال الشوارع في العالم العربي يتراوح بين 7 و10 ملايين طفل عربي؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أطفال الشوارع في مصر وحدها يزيدون على مليون طفل مشرد·
أسباب الظاهرة
ويذكر د· المجدوب أنه على الرغم من عدم وجود فروق حقيقية في نشأة أطفال الشوارع من منظور الجنس، حيث الأسرة المفككة، والبيئة العشوائية المتهالكة، والظروف الاقتصادية الصعبة التي تدفعهم للخروج إلى الشارع، فإن الإحصائيات تؤكد أن ظاهرة أطفال الشوارع تتمثل غالبيتها (92%) في الذكور أكثر من الإناث (8%)، خصوصا في المناطق الحضرية، إلا أن الظروف الأسرية السيئة نتيجة الطلاق أو الهجر والعيش في كنف زوج الأم أو زوجة الأب والفقر والأمية والانحطاط الأخلاقي وغياب الوعي الديني للوالدين كثيرًا ما تدفع الفتاة إلى الهروب وخروجها إلى الشارع·
مشكلات سلوكية وأمراض نفسية
الدكتور يسري عبد المحسن، أستاذ الطب النفسي يقول: هذه الفئة تكون مصابة بالقلق والتبول اللاإرادي إلى جانب الحقد على المجتمع والعصبية والحرمان من أبسط حقوقهم مثل اللعب، مع الشعور بعدم الأمان والظلم·· وأيضاً نلاحظ على هؤلاء الأطفال مشكلات سلوكية كالكذب والسرقة لعدم توافر الرقابة الأسرية· كما أن شعورهم بالنقص والحرمان قد يولّد رغبة الانتقام لديهم· فيجب أن يتحرك الأفراد في المجتمع الإسلامي القائم على التكافل والتضامن الاجتماعي للاهتمام بهذه الفئة، وكذلك لابد من توافر جهات مختصة تدرس هذه الحالات، وتقوم بإشباع حاجاتهم الأساسية ومساعدتهم·
حقوق الطفل
يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق: اهتم الإسلام اهتماما بالغا بالطفل، حتى إنه أولاه رعاية وهو ما زال في عالم الغيب، فأوصى الشاب المقبل على الزواج بأن يتخير ذات الخلق والدين؛ لأن العرق دسّاس، ثم أمره أن يتخير له اسما حسنا، ويربيه تربية إسلامية، أساسها القرآن الكريم·· وجعل للطفل حقوقًا، منها: تعليمه أمور الدين قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا··)· وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ''مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع''·· ومنها أيضا: تكوين شخصية الطفل الإسلامية·· فقد قص الله علينا في القرآن الكريم موعظة لقمان لابنه على وجه الرضا والاستحسان لهذه الموعظة، فينبغي للآباء أن يأخذوا بها ويعظوا أولادهم بما جاء فيها من معان، وهي معان أمر بها الإسلام لأنها من معالم الشخصية الإسلامية·
حلول عاجلة
ترى الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس أن المدخل الصحيح للتعامل مع ظاهرة أطفال الشوارع يقتضي الاعتراف أولاً بحقوق الطفل، والعمل على كفالة هذه الحقوق لجميع الأطفال خصوصا الذين يعيشون في ظروف صعبة، لأن الوضع الحالي لأطفال الشوارع يُعدّ انتهاكًا صريحًا لجميع الحقوق المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل، على الرغم من الجهود العديدة المبذولة للتعامل مع هذه الظاهرة، إلا أن المشكلة متشعبة، وتتطلب جهودًا متكاملة ذات رؤية طويلة المدى، وتحديد أدوار ومسئوليات مختلف الأطراف، لذلك نحن نطالب أولاً بالتعامل مع ظاهرة أطفال الشوارع من منظور اجتماعي إصلاحي وديني وليس أمنيًا وعقابيًا·· وإنشاء نظام اجتماعي يقوم على تفعيل آلية لرصد الأطفال المعرضين للخطر، والتدخل المبكر لحمايتهم وأسرهم من جميع أشكال العنف والاستغلال، وكذلك حماية الأطفال المتسربين من التعليم، والذين يتعرضون لعنف داخل الأسر أو المدارس، وضحايا الأسر المفككة والعاملين في سن مبكرة، وفي بيئة عمل غير آمنة·· والذين ينتمون إلى أسر ذات وضع اقتصادي متدن؛ لأن كل هذه العوامل تؤدي بدورها إلى نزوح الطفل إلى الشارع·· بالإضافة إلى ضرورة تطوير البرامج في بلادنا العربية مثل: مكافحة الفقر، وتفعيل نظام الضمان الاجتماعي، وإنشاء مراكز تأهيل مهني ونفسي واجتماعي للأطفال·· وتؤكد أنه يجب تفعيل دور الإعلام لرفع الوعي وإثارة الرأي العام بأهمية التصدي للمشكلة في مرحلة مبكرة وعدم عدّ هؤلاء الأطفال مجرمين، بل ضحايا يستحقون الرعاية أكثر مما يستحقون الإدانة·

اقرأ أيضا