صحيفة الاتحاد

تقارير

الأمن وسياسة «المياه الزرقاء»

في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» يوم الاثنين الماضي، قدم «والتر راسيل ميد»، حجة رهيبة حقاً في الدفاع عن استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة ترامب. وتستند حجة «ميد» إلى مقارنة تاريخية غير ملائمة بشكل مثير للدهشة. فهو يقول إن الاستراتيجية الأميركية الجديدة قد تبنت «نهجاً استراتيجياً قديماً» متمثلاً فيما يطلق عليه سياسة «المياه الزرقاء» التي كانت تتبعها الإمبراطورية البريطانية في ذروتها. (يُطلق لقب «المياه الزرقاء» على القوات البحرية التي بإمكانها إجراء عمليات عسكرية في المحيطات وبعيداً عن شواطئ دولتها).
وفي الصورة الكاريكاتيرية التي يرسمها «ميد»، كان دائماً لدى القادة الإمبرياليين البريطانيين، جدل بين مدرستين، واحدة يُطلق عليها الاستراتيجية القارية، والتي تعطي أولوية للتحالفات والتعاون السياسي الوثيق مع القوى الأوروبية الرئيسة. أما الأخرى، فيطلق عليها «ميد» سياسة المياه الزرقاء، والتي شجعت بريطانيا على الابتعاد عن أوروبا والاتجاه نحو المحيطات المفتوحة، «باستخدام موقعها العالمي الفريد لتعظيم قوتها وثروتها». ووفقاً لـ «ميد»، فإن الولايات المتحدة تبدو الآن وكأنها اختارت سياسة المياه الزرقاء التي يثني عليها «ميد» باعتبارها استحضاراً لحكمة بريطانيا الماضية.
وهذا غير صحيح على العديد من المستويات. أولاً، فإن رجال المياه الزرقاء كانوا هم الأفراد العالميون متعددو الجنسيات في وقتهم، وكانوا يؤكدون المحافظة على مجموعة مدهشة من الروابط السياسية والعسكرية والتحالفية. وبطريقة ما، استعرض «ميد» مقالاً كاملاً عن التناظر البريطاني دون استخدام كلمات «إمبراطورية» أو «إمبريالي» أو «الهند» ولا مرة واحدة. وهذه الإغفالات كان من شأنها أن تروع أي استراتيجي بريطاني في تلك الحقبة.ولم يعتقد أي من هؤلاء الاستراتيجيون أن ازدهار بلادهم يمكن إيجاده في البحر. فقد كان الماء فقط يربط عقد الشبكة الإمبراطورية. وفي تصورهم العالمي الذي كانوا أحياناً يقارنونه بشكل ساخر بأفكار «المعارضين لامتداد الإمبراطورية البريطانية» (المؤيدون لحزب أميركا أولاً)، كانت المحيطات تربط بريطانيا الصغرى بشركائها الاقتصاديين والعسكريين الحيويين الذين، قبل أي شيء، كانوا يتألفون من الهند (المستعمرة التي لا غنى عنها) والدومينيون البيض (الدول المستقلة من دول الكومنولث البريطاني) وهي أستراليا وكندا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا. وبعيداً عن هذه الشراكات الأساسية، كانت هناك تحالفات متلازمة لدعم الإمبراطورية العثمانية (بمساعدة المستعمرة في قبرص)، ورعاية مصر، ودعم التجارة الأرجنتينية، وإدارة قناة السويس، وتقوية عدن، وبناء سنغافورة، ومراقبة شنغهاي، وغير ذلك.
ثانياً، كان هؤلاء العالميون (رجال المياه الزرقاء)، يدركون تماماً البعد الآخر العظيم للنظام العالمي البريطاني. وكانت هذه هي القيادة العالمية البريطانية لقضية التجارة الحرة والتعاون المالي العالمي المشترك في شكل معيار الذهب. فقد كانت لندن هي المركز المالي والمركز المنظم لنظام هذا العالم، حيث كانت السلع تتدفق من جميع أنحاء العالم من وإلى مناطق الموانئ في إنجلترا. كانت هذه هي العولمة التي تحتاج إلى بذل الجهد. ثالثاً، إن سياق الحجج الفعلية للمياه الزرقاء البريطانية هو أيضاً سياق كاشف. لقد كان هذا جدلاً حول الدفاع الإمبريالي بعد إفشاءات في ثمانينيات القرن الـ 19 عن الحالة المؤسفة للقوات البحرية البريطانية. وكانت المشكلة الأساسية هي أن بريطانيا لم تستطع تغذية نفسها. فإذا فقدت السيطرة البحرية، فإنها ستتضور جوعاً.
كان هذا هو السياق الذي جادل فيه بحريون بريطانيون، مثل الأميرال «فيليب كولومب»، من أجل فوائد عقيدة المياه الزرقاء ضد ما أطلق عليهم المتشائمون أصحاب «المزاج الكئيب»، حيث إنه كان يدعو إلى القيام باستثمارات ضخمة في تحديث البحرية الملكية، بدلاً من الاستثمار في تحديث الجيش. وقد تم بالفعل تمرير قانون الدفاع البحري الطموح في عام 1889. لكنه لم يحل المشكلة. ولم يسهم التعزيز البحري السريع اللاحق في زيادة القوة البحرية النسبية. وبدلاً من ذلك، تراجعت الميزة البحرية النسبية البريطانية بالفعل، حيث بذلت بريطانيا جهداً لمواكبة سباق التسلح البحري، فيما سارعت فرنسا وروسيا وألمانيا والولايات المتحدة واليابان من جهودها أيضاً، وحصلت على موقع نسبي.
لكن، كما أشار استراتيجيون، مثل «هالفورد ماكيندر» في الرد على البحريين الآخرين، مثل «ألفريد ثاير ماهان»، لم تتجنب أي من هذه الحجج المتعلقة بالمياه الزرقاء معضلات الالتزامات الاستراتيجية البرية. وكانت بريطانيا تشارك باستمرار في السياسة الأوروبية القارية خلال النصف الأول من القرن الـ19. حتى في الخريف الإمبريالي المشمس في أواخر القرن الـ19، يتجاهل «ميد» الإشارة إلى المخاوف التي كانت موجودة في كل مكان بشأن احتواء التوسع الروسي في جنوب شرق أوروبا والبلقان وجنوب وشرق آسيا. ولم يشر أيضاً إلى أن هذه الفترة نفسها من التعزيز البحري، كانت مرتبطة بالتدافع على التوسع الاستعماري في أفريقيا والمحيط الهادئ، والذي كان يمثل أزمة خطيرة للغاية في الشرق الأقصى بشأن مستقبل الصين، وحرب كارثية في جنوب أفريقيا، وأخيراً ضرورة إعادة الانخراط بشكل أكثر كثافة في السياسة الأوروبية.

*أستاذ التاريخ بجامعة فيرجينيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»