استضاف الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بمجلسه في البطين مساء أمس الأول محاضرة بعنوان ''بشروا ولا تنفروا'' ألقاها فضيلة الدكتورعائض بن عبدالله القرني الداعية الإسلامي السعودي، وتأتي هذه المحاضرة في إطار البرنامج الفكري ولقاءات الحوار لمجلس سموه في شهر رمضان المبارك· وتحدث القرني في بداية المحاضرة التي قدم له الدكتور نجيب عبد الوهاب الأستاذ بجامعة الإمارات عما أمرنا الله به تعالى من تبشير برسالة الإسلام والدعوة بالخير مصداقا لقوله تعالى ''فبشر عباد·· الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه''، ويتمثل في قول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا· وأكد المحاضر أن الصحابة رضوان الله عليهم من الرعيل الأول عملوا على هذا الأساس في دعوتهم إلى الله، ففرقة اتجهت شرقاً حتى وصلت إلى مشارف سور الصين العظيم، وفرقة أخرى اتجهت غرباً حتى وصلت إلى نهر الراين، وكلها تبشر بهذا الدين الذي بعث به صلى الله عليه وسلم· وأكد أنه لا بد أمام هذا التشويه المتعمد من بعض أبناء هذا الدين أن نعمل على نشر الصورة الحقيقية للإسلام للعالم وأن نخبر العالم أنه دين سلام ورحمة وتآلف· فئة الغلاة وشدد على ضرورة إعادة صورة الإسلام أمام فئتين، فئة خرجت عن الوسطية وهم الغلاة والمتشددون، وفئة دعاة التحلل من الدين بزعم أنه موروث قديم· وقال الدكتور القرني إن فئة الغلاة المتشددين شوهوا صورة الإسلام وأحدثوا شرخاً عظيماً بين القيادات الشعوب، ويسيؤون إلى هذا الدين بما يحملون من أفكار عقيمة، واصفا إياهم بأنهم يمارسون ''احتكار الدين''· وقال الداعية الإسلامي: ''الدين ليس له ناطق رسمي، وهو عالمي، ومن يتشرف بحمل رسالة الإسلام والدعوة إليه فهو لله، فبلال في الجنة وأبولهب في النار·'' ووصف فضيلته الذين يمارسون التشويه بحق الدين الإسلامي بأنهم من أصحاب ''مركب الحمق والغفلة'' ''ومركب الجفا والغلظة''، موضحا أنهم صوروا الإسلام بأبشع صورة، حتى أن الآن شهادات الغربيين المنصفين أحسن من شهادات أبناء الأمة المدعين المزعومين· وطالب بضرورة إعادة صورة الإسلام المشوه الآن من خلال المؤسسات السياسية والإعلامية والثقافية، حيث تم تصويرالإسلام عبر بعض القنوات بأنه دين ذبح ودين استيلاء على حق الآخر ودين انتهاك الحرمات وسلب أموال الآخر، والدين بريء من كل هذا كما أعلن عن ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام· الدين يسر ولفت القرني خلال المحاضرة إلى أن الله سبحانه وتعالى لم ينزل الدين على البشرية كي يشقوا وإنما كي ينعموا في راحة وطمأنينة حيث إنه سبحانه وتعالى قال: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، موضحاً أن الله تعالى سهّل على البشرية وأن يعيشوا حياة طيبة، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، مشيراً إلى أنه حتى في العبادات، فإن الدين يسر على المؤمن أداء فرائضه وتعاليم دينه· وأوضح الداعية الإسلامي أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الغلظة حتى في الخطاب، حيث يقول الله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)· وأشار إلى أنه بسبب ممارسات بعض أبناء المسلمين صار الغربيون يقولون بعد أن يقرأوا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أين هذه السيرة التي تتشدقون بها أنتم معشر المسلمين لا في كثير من دعاتكم أو من حملة دينكم· وقال: ''إن الرسالة التي أتى بها الرسول الكريم هي دعوة الناس بالرحمة والموعظة الحسنة والأخذ بأيديهم إلى الجنة، لا أن نعجل بهم إلى النار والعياذ بالله· وأوضح أن الرسول ذم التشدد على الناس، وهناك أمثلة في هديه صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً قصة معاذ بن جبل الذي أطال في صلاة الفجر فشكاه أحد الصحابة إلى رسول الله فاستدعاه وقال له مغضبا أفتان أنت يا معاذ؟ وكررها ثم قال له بعد الثالثة، من صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والمسافر والكبير والضعيف وذا الحاجة، مؤكدا أن منهجه صلى الله عليه وسلم هو منهج التخفيف والرفق بالبشر والرحمة بهم· وقال إن الرسول بُعث بالحنيفية السمحاء وكل من تشدد في الدين سواء في تكفير المؤمنين أو حمل السلاح عليهم أو تهديد أمنهم، فقد خرج من جماعة المؤمنين وليس بتابع للرسول صلى الله عليه وسلم· وأكد أن الإسلام دين حوار أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بيننا وبينهم مائدة الحوار حتى يقنعوا بالحجة· فئة التحلل وتحدث فضيلة الدكتور عائض القرني عن الفئة الثانية التي أضرت بالإسلام وهم دعاة التحلل من الدين الذين يعتبرون الإسلام موروثا قديما، وأن الواجب أن نعيش الانفتاح والتطور، مشددا على أن ''رسالة المسلمين هي الإسلام، الذي به نكون أو لا نكون، فقضيتنا العادلة أن نقدم الإسلام الوسطي السمح العادل إلى العالم كما أمر سبحانه وتعالى بذلك·'' الرفق بالآخر كما دعا أبناء الأمة من دعاة وكتاب وإعلاميين ومثقفين إلى الرفق على من هم في الصف الآخر الذين يخالفونهم، لافتاً إلى أننا كشعوب إسلامية نمارس على أنفسنا جلد الذات أو على بني جلدتنا ممن نخالفهم، مشيراً إلى ما يحصل في الصحافة والإعلام من تراشق صحفي يشن فيه الإسلاميون هجومهم على العلمانيين، والعلمانيون بدورهم يشحذون أقلامهم ويوجهونها في الرد والتهجم على الإسلاميين· وقال: ''لا ينبغي نشر هذا الغسيل أمام العالم، والذي يرسل رسالة مفادها أن هذه الأمة تعيش هزيمة وهامشية·'' وأضاف: ''العالم وصل إلى المريخ وعطارد ليكتشف الآيات في الكون ونحن لا زلنا نفسق ونبدع ونكفر الناس، فهذا فريق يصف الآخر بأنهم كفرة وزنادقة، وان الآخرين يردون بالقول بأن هؤلاء دعاة التشدد ويريدون تأخير الأمة عشرة قرون·'' واعتبر أن هذا الحرب والسجال صورة من صور الظلم والعدوان، داعياً إلى اتباع منهج الشفافية والمصارحة والحوار، وأن يعلم الجميع أنهم في سفينة واحدة يتعاونون فيما بينهم على هذا الأساس· وأشار القرني إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكد على الرفق في الأمور، حيث قال عليه الصلاة والسلام ''ما كان الرفق في شيء إلا زانة وما نزع من شيء إلا شانه''· مطالبا الحكام بالرفق بالدعاة وعموم الرعية، وعلى الرعية حسن الأدب والطاعة للحاكم· الولاء للوطن وشدد فضيلته على أهمية حب الوطن والولاء له، مستنكرا دعوة البعض إلى تهميش الوطنية أو الطاعة لولي الأمر، مؤكدا أنه من الواجب إطاعة الحاكم مالم يرتكب كفرا بواحا، وأن يتم نصحهم بالحسنى· وقال إن مكة كان الوطن المحبب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال باكيا ليلة هجرته وهو على مشارف مكة، ''والله إنك لأحب بقاع الأرض إلي·'' وأوضح الدكتور القرني أن العلماء تحدثوا في حب الوطن، وأن الدين أتى لتأكيد الوطن، لافتا إلى أنه يجب علينا أن نجمع بين الوطنية الحقة، والآخر من المواطنين، وأن نحترم النظام القائم سواء أكان من بلاد الإسلام، أو كان المسلم مقيماً أو مواطناً في غير بلاد المسلمين· الحضور حضر المحاضرة سمو الشيخ عبد الله بن راشد المعلا نائب حاكم أم القيوين وسعادة عبدالعزيز عبد الله الغرير رئيس المجلس الوطني الاتحادي والفريق سمو الشيـــخ ســـيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية والعميد الركن الدكتور الشيخ سعيد بن محمد آل نهيان نائب المفتش العام بوزارة الداخلية ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي ومعالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير الأشغال العامة ومعالي الشيخ أحمد بن سيف آل نهيان رئيس مجلس إدارة طيران الاتحاد والشيخ مروان بن راشد المعلا رئيس دائرة الأراضي والأملاك بأم القيوين والشيخ فيصل بن صقر القاسمي رئيس دائرة المالية ورئيس المنطقة الحرة برأس الخيمة وعدد من كبار المسؤولين وجمهور غفير اكتظ به المجلس· وام تحية إلى الإمارات ألقى الداعية الإسلامي عائض القرني في بداية المحاضرة أبياتا من الشعر قال فيها: من نواحي البيت والركن ألف سعد والمقام ومن روابي نجد وحـــايـــل والقصــــــيم التحــايا والوفــــــا مـــــــثل بـرق في غـمـام كلها في دار زايـــد ويا نعـــــم الزعــيم إسلمي يا دار وحــــدة وقـــــــــوة وانتظام حصنك بالله من كـل شــــــــيطان رجـــــيم الله يجعل زايد المجد في دار الســــلام في ضيافـة مــالك الملك رحــــمن رحـــيم يا محمد يا بن زايــــــــــد تجـــدد كل عـام للأدب والعـــلم والـــفــكـــــر والرأي الســـليم يكفي إن المجـد قلدك يا محمــــــــد وســـام وانتوا أهل الأوسمــة والنياشن من قـديم الترحم على زايد ترحم الدكتور القرني في بداية محاضرته على المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه سائلا الله عز وجل أن يجمعه في الفردوس الأعلى مع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم· وتوجه بالشكر للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على جهوده في دعم مسيرة العلم والعلماء والدعوة والتي وصلت الخاص والعام، من خلال ما يقدمه أو يدعمه سواء للعلماء وطلبة العلم والشعراء، مشيدا بالأثر الطيب الذي شهده العالم في برنامج أمير الشعراء وشاعر المليون وغيره من الجهود في دعم المبدعين والمفكرين· شروط دخول الجنة وصف الدكتور القرني ما يقوم به بعض المتشددين من وضع شروط على من يدخل الجنة وإذا أتيت لتحسبها ترى أنها لا تنطبق إلا على 13 شخصاً!''، مؤكدا أن الجنة التي عرضها السماوات والأرض بأبوابها الثمانية ستشهد ازدحاما شديدا بعد الحساب يوم القيامة· وتساءل: '' أين هذه الأمة التي ستدخل الجنة؟·· إن من يروج لمثل هذه الأفكار إنما هم فئة ممن يعيشون في الكهوف، لا يأبهون بالمؤمنين الذين يؤمنون بهذا الدين ويصلون الصلوات أين سيكون مصيرهم، فرحمة الله واسعة وسعت جميع الخلائق، ويحب أن ننقل للعالم رحمة الإسلام حتى نحببهم في الدين· وقال: ''لقد وصل بنا الأمر إلى أن صرنا نخاف من بعض أبناء الإسلام من الجهلة أكثر مما نخاف من أعداء الإسلام، لأن أعداء الإسلام كشفوا عن أنفسهم ونواياهم، ويعرف طريقة التعامل معهم، إلا أن من بين أبنائها من هم أشد خطرا على الإسلام من الآخر المعادي·'' احتكار الدين انتقد القرني خلال محاضرته فئة من أبناء المسلمين ممن يمارسون ''احتكار الدين''، وقال: ''بعض الشعوب في العالم الإسلامي تعتقد أن الإسلام قد أنزل فقط عليهم، وفي منطقتهم، وإذا تكلموا عن محرّم قالوا إن هذا لا يجوز عندنا، وكأنهم ناطقون باسم الدين·! واستنكر ما يقوم به البعض من تقنين الدين في قوالب معينة، ويعتبرون أن من يخرج عن هذه القوالب أو لا يتبعها وكأنه خرج من الدين، مؤكدا أنه لا احتكار في الإسلام· خصخصة الإسلام وصــــف فضيلته ما يقــــــوم به أتبــاع التشدد من قيامهم بـ ''خصخصة الإسلام'' حيث يضعون مواصفات معينة للدين يعتبرون من يتبعها أنهم من أهل السنة والجماعة، ومن لا يتبعها فقد خالف مبادئ أهل السنة وهو ضال في النار، وقال: ''كأن مبادئ أهل السنة والجماعة سلعة تباع في السوبرماركت أو كاتالوج·''