الاتحاد

تقارير

موجابي... تاريخ من الاستبداد

 روبرت موجابي ··· أفصح مبكراً عن نواياه

روبرت موجابي ··· أفصح مبكراً عن نواياه

في الوقت الذي يشرف فيه الرئيس الزيمبابوي ''روبرت موجابي'' على ما قد يبدو أنه الاضمحلال الأكثر سرعة وهرولة لإحدى الدول الحديثة في القارة الأفريقية، أصبح من دأب المعلقين الصحفيين والساسة والأكاديميين ترديد ما يشبه التحليل العام المتفق عليه، والقائل إن ''موجابي'' الذي ظل يحكم بلاده بلا انقطاع طوال السبعة والعشرين عاماً الماضية، كان قائداً أفريقياً واعداً، إلا أنه فسد بفعل تأثير السلطة عليه عبر الزمن·
ساد هذا التحليل بصفة خاصة بعد مصادرة ''موجابي'' للمزارع المملوكة للبيض في بلاده في عام ،2000 وفي استجابة منها لهذه الخطوة، نشرت صحيفة ''نيويورك تايمز'' مقالاً افتتاحياً لها قبل أربع سنوات من الآن، جاء فيه أن ''موجابي'' الذي ظل رئيساً لبلاده على مدى السبعة والعشرين عاماً الماضية، تحول من أحد أبطال الحرية والاستقلال إلى طاغية· وفي مطلع هذا الأسبوع علق الأسقف ''ديزموند توتو'' بالقول إنه قد صدم صدمة كبيرة لما يراه في شخصية ''موجابي''، مما يتعذر عليه فهمه وتفسيره· ووصف مــا حــدث للرجــل بأنه انقــلاب درامي مفاجئ في شخصيته·
غير أن الوقت قد حان للقول بخطأ هذه الصورة التي طالما روجها الليبراليون الذين صعدوا بنجمه عالياً إلى سماء السياسة الأفريقية في عقدي السبعينيات والثمانينيات· فمنذ بدء حياته السياسية لم يكن ''موجابي'' ماركسياً فحسب، وإنما أفصح منذ وقت مبكر عن نواياه وعزمه على إدارة بلاده وفق رؤية شمولية تقوم على هيمنة الحزب الواحد؛ ولعل من أهم المراجعات التاريخية اللافتة للنظر في هذا الخصوص بالذات، ما كتبه المواطن جنوب أفريقي ''جوشوا هامر'' - المراسل السابق لمجلة ''نيوزويك'' ونشرته مؤخراً مجلة ''واشنطن مونثلي''- بأنه ''على امتداد ما يزيد على ربع القرن، أي عقب قيادته لجيش حرب العصابات الذي حقق به النصر الساحق على نظام ''إيان سميث'' العنصري الحاكم في جمهورية روديسيا، التي كانت تسيطر عليها الأقلية البيضاء، اتخذ ''موجابي'' لنفسه صورة كاريكاتير ''رجل أفريقيا الكبير''· ولكن الأكثر صحة أن ''موجابي'' لم تمسخ شخصيته مؤخراً إلى الصورة الكاريكاتيرية الأخيرة التي وصفها ''جوشوا هامر''، إنما الصحيح أنه كان هذه الشخصية المستبدة منذ لحظة صعوده إلى سدة الحكم في عام ،1980 وأنه عبّر عن خصائص شخصيته هذه قبل مدة بعيدة من ذلك التاريخ· وعلى الذين كانوا يراقبون تطورات الأوضاع حينها في زيمبابوي معرفة حقيقة أي نوع من القادة كان هو· أما الذين لا يزالون يصرون على أنه كان نموذجاً لقائد أفريقي خيّر استحال فجأة إلى طاغية مستبد، فهم إنما يتحدثون عن أوهامهم وتصوراتهم لما ينبغي أن يكون عليه قادة الحركة الوطنية الأفريقية، أكثر مما يعكسون الواقع الفعلي·
كان التعليم النظامي لموجابي قد بدأ في عام ،1964 وخلال عقد كامل أمضاه في السجن بعد إدانته بممارسة ''النشاط الهدام'' ضد الأقلية البيضاء المهيمنة على وطنه روديسيا -كما كانت تعرف حينئذ- تمكن من الحصول على درجات علمية في الاقتصاد والقانون عن طريق الدراسة بالمراسلة مع جامعة لندن، وخلال فترة السجن نفسها تحول ''موجابي'' إلى ثوري ماركسي، وما أن أطلق سراحه حتى ساعد في قيادة حرب أهلية ضد حكومة الأقلية البيضاء·
يذكر أن موجابي كان قد سئل قبل عدة سنوات من توليه المنصب الرئاسي، عن رؤيته السياسية الخاصة بمستقبل بلاده عقب تحررها من هيمنة الأقلية البيضاء، فجاءت إجابته بالقول: ''في اعتقادي أن النظام السياسي التعددي، يعد بذخاً ورفاهية لا معنى لها· وفيما لو لم ترق الماركسية للزمبابويين، فإن من واجبنا أن نثقفهم ونعلمهم سياسياً''· ومع ما آلت إليه زمبابوي اليوم من معدلات تضخم اقتصادي هي الأعلى عالمياً، مقترنة باحتلالها لأدنى معدلات الإعمار والحياة عالمياً، فإنه قد حق لبعضهم نعت ''موجابي'' بأنه أصبح رمزاً لـ''كاريكاتير الطاغية الأفريقي''·
ولكن تلك هي الصورة الفعلية التي كان عليها ''موجابي'' منذ لحظة توليه لمهامه الرئاسية؛ فقد عاجل إلى مصادرة ما يزيد على عشر من الشركات ذات الصلة بحزب ''زابو'' المنافس له سياسياً، بينما وضع يده على مزارع كانت مملوكة لأفراد لهم صلة بحزب ''نوكومو'' الذي كان حليفاً رئيسياً له في حرب التحرير، وكانت تلك نسخة مبكرة لما أقدم عليه من مصادرة ممتلكات ومزارع الفلاحين البيض بعد عشرين عاماً لاحقة· وفي عام ،1982 كان ''موجابي'' قد أعلن على الملأ في تظاهرة سياسية حاشدة، أن حزبه ''حزب زانو بي· إف'' سوف يحكم البلاد إلى الأبد· وفي عام 1984 اعتقل ''موجابي'' كبير الأساقفة ''أبيل موزوريوا'' الذي كان قد فاز بانتخابات عام 1979 المتعددة الأعراق وأبقى عليه تحت الاعتقال التحفظي دون إدانته قضائياً، بعد أن لفق ضده تهماً بالتأمر ضد زيمبابوي· وإلى عقد الثمانينيات نفسه تعود أسوأ الفظائع والجرائم الجماعية التي ارتكبها بحق مواطنيه، وهكذا فالمؤشرات كثيرة على أصالة شخصية هذا الطاغية المستبد·

مراسل صحيفة لوس أنجلوس تايمز في زيمبابوي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا