الاتحاد

رمضان

حكاية صائغ

حكي أن رجلاً كانت له يد جيدة في صناعة الصياغة، وكان أوحد أهل زمانه، فساء حاله وافتقر بعد غناه، فكره الإقامة في بلده، فانتقل الى بلد آخر، فسأل عن سوق الصاغة فوجد دكاناً لمعلم السلطنة وتحت يده صناع كثيرون يعملون الأشغال للسلطنة وله سعادة ظاهرة ما بين مماليك وخدم وقماش وغير ذلك، فتوصل الصائغ الغريب الى أن بقي مع أحد الصناع الذين في دكان هذا المعلم وأقام يعمل عنده مدة وكلما فرغ النهار دفع له درهمين من فضة وتكون أجرة عمله تساوي عشرة دراهم فيكسب عليه ثمانية دراهم في كل يوم· فحدث أن الملك طلب المعلم وناوله فردة سوار من ذهب مرصعة بفصوص في غاية الحسن قد عملت في غير بلاده، كانت في يد إحدى محاظيه فانكسرت فقال له: الحمها، فأخذها المعلم وقد اضطرب عليه في عملها، فلما أخذها وأراها للصناع الذين عنده وعند غيره فما قال له أحد إنه يقدر على عملها، فازداد المعلم لذلك غماً ومضت مدة وهي عنده لا يعلم ما يصنع· ثم إن الملك طلب إحضارها وقال: هذا المعلم نال من جهتنا النعمة العظيمة، ولا يحسن أن يلحم سواراً، فلما رأى الصانع الغريب شدة ما نال المعلم قال في نفسه: هذا وقت المروءة أعملها ولا أؤاخذه ببخله عليّ، وعدم إنصافه، ولعله يحسن اليّ بعد ذلك، فأدخل يده في درج المعلم وأخذها وفك جواهرها وسبكها ثم صاغها كما كانت ونظم عليها جواهرها فعادت أحسن ما كانت، فلما رآها المعلم فرح فرحاً شديداً ثم مضى بها الى الملك، فلما رآها الملك استحسنها وادعى المعلم أنها صنعته، فأحسن إليه، وخلع عليه خلعة سنية، فجاء وجلس مكانه، فبقي الصائغ يرجو مكافأته عما عامله به، فما التفت إليه المعلم، ولما كان النهار ما زاده على الدرهمين شيئاً، فما مضت إلا أيام قلائل وإذا الملك طلب من المعلم أن يعمل زوجين من الأساور على تلك الصورة، فطلب المعلم ورسم له كل ما يحتاج إليه، وأكد عليه في تحسين الصنعة وسرعة العمل، فجاء الى الصانع وأخبره بما قال الملك فامتثل مرسومه، ولم يزل منتصباً الى أن عمل الزوجين وهو لا يزيده شيئاً على الدرهمين في كل يوم ولا يشكره ولا يعده بخير، ولا يتجمل معه، فرأى الصانع الغريب أنه من المصلحة أن ينقش على زوج منها أبياتاً يشرح فيها حاله ليقف عليها الملك، فنقش في باطن إحداهما هذه الأبيات نقشاً خفيفاً يقول:
مصائـب الدهر كـفي إن لم تكفي فعفـــــي
خرجت أطلب رزقي وجدت رزقي توفي
فلا برزقي أحــــــظى ولا بصنعــــــــة كفي
كما جاهل في الثريا وعالـــــــــــم متخــــفي
قال: وعزم الصانع على أنه إن ظهرت الأبيات للمعلم شرح له ما عنده، وإن غم عليه ولم يرها كانت تلك الأبيات سبب توصله الى الملك، ثم لفهما في قطن وناولهما للمعلم، فرأى المعلم ظاهرهما ولم ير باطنهما لجهله بالصنعة، فأخذهما ومضى بهما فرحاً الى الملك وقدمهما إليه، فلم يشك الملك في أنهما صنعته، فخلع عليه وشكره، ثم جاء فجلس مكانه ولم يلتفت الى الصانع وما زاده في آخر النهار شيئاً على الدرهمين، فلما كان اليوم الثاني خلا خاطر الملك فاستحضر الحظية التي عمل لها سواري الذهب فحضرت وهما في يدها فأخدهما ليعيد نظره فيهما، وفي حسن صنعتهما فقرأ الأبيات فتعجب وقال: هذا شرح حال صانعهما والمعلم يكذب، فغضب عند ذلك وأمر بإحضار المعلم، فلما حضر قال له: من عمل هذين السوارين؟ قال: أنا أيها الملك· قال: فما سبب نقش هذه الأبيات؟ قال: لم يكن عليهما أبيات· قال: كذبت، ثم أراه النقش، وقال: إن لم تصدقني الحق لأضربن عنقك، فأصدقه الحق فأمر الملك بإحضار الصانع، فلما حضر سأله عن حاله، فحكى له قصته وما جرى له مع المعلم، فرسم الملك بعزل المعلم وأن تسلب نعمته وتعطى للصانع وأن يكون عوضاً عنه في الخدمة، ثم خلع عليه خلعة سنية وصار مقدماً سعيداً لما نال هذه الدرجة، وتمكن عند الملك وتلطف به حتى رضي عن المعلم الأول وصارا شريكين ومكثا على ذلك الى آخر العمر·

اقرأ أيضا