صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

تفعيل المواطَنة

يملي الموضوع الذي نحن بصدد معالجته ضبطاً أوّلياً لمفهوم المشاركة في الحياة العامة، خصوصاً أن فحواه لا تتعلق بمشاركة من جنس محدّد: سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو ما شابه ذلك؛ ولكن يعالج المسألة في عمومها، في صلتها بالفضاء العام، بتعبير سوسيولوجي. فما دواعي فتور هذه المشاركة في المجال العربي؟ وما آليات تنشيطها؟ فلا ريب أن المشاركة على النحو المطروح هي عملية شاملة وجامعة، تتجاوز محدودية المشاركة السياسية، أو المشاركة النقابية، أو المشاركة الجمعياتية، أو المشاركة الثقافية. وصحيح أن المرء بوصفه مواطناً، فهو مدعو إلى تفعيل مشاركته وتكثيفها بما ينجرّ عنه نفع لعموم الناس وترسيخ للصالح العام.

ولكون هذه الممارسة، عملية المشاركة، تفترض - جدلاً - انتماءً إلى كلٍّ مجتمعي، يلتزم ضمنه الفرد بواجبات معينة تترتّب عليها سلسلة من الحقوق. وبالتالي يلوح ارتباط عملية توسيع نطاق دائرة المشاركة أشدّ الارتباط بإعادة الدور لمفهوم المواطَنة المصادَرة. ولإكساب المواطن ثقةً في فعله، ودفعه نحو القيام بدور حقيقي في عملية الفعل الاجتماعي يقتضي الحال إخراجه من دائرة الهشاشة المواطَنة، التي تتضارب مع فحوى اللوائح الدستورية ودلالاتها. فالمشاركة في الحياة العامة هي نوع من الإلزام الخلقي يقتضيه الضمير المدني، وبدونه يبدو إرساء المجتمع ديمقراطي، الذي يتساوى فيه الجميع على القدر نفسه من الحظوظ مستبعَداً.

ترهّل النسيج الاجتماعي
إذ كلّما اتّسع حيز اللامشاركة في المجتمع، ودبّ الفتور والوهن في الالتزام الاجتماعي، إلاّ وأُصيب النسيج الاجتماعي بنوع من الترهّل، تبقى تداعياته جلية الأثر في زعزعة التماسك المجتمعي، والمجتمعات العربية تعاني في ظرفها الراهن من أزمة عويصة في التماسك الاجتماعي. ينجرّ عن ذلك أن يواجِه المجتمع من داخله سلبيةً اجتماعيةً تتمثّل في تفشّي داء اللامبالاة وهو ردّ فعل صامت، وعفوي أحيانا، على أوضاع تشكو خللاً واضطراباً، وتتطلّب إصلاحاً عاجلاً حتى يعود الترابط بين المواطِن والمواطَنَة إلى سالف عهده. وتحتاج عملية بناء الثقة المواطَنة بين المُواطن والدولة، وبين مختلف الفئات الاجتماعية إلى إعادة نظر في شروط هذا العقد الاجتماعي ومتطلباته؛ من هذا الباب يكون تفعيل القوانين، وتنفيذ الإجراءات، وإضفاء مصداقية على دور المؤسسات، سُبلاً للقطعِ مع حالتيْ الشكلانية والصورية اللذيْن غالباً ما يسدّان منافذ المشاركة ويعطلان آلياتها، فتتحول إلى مشاركة ديكورية لا غير.
عند هذه النقطة يُطرح التساؤل حول نوعية الإجراءات، التي يمكن تبنّيها من أجل تصحيح المشاركة وإتاحة فُرصة أرحب لها؟ فلا شكّ في أن الوضع السائد في البلاد العربية لتدنّي مستويات المشاركة، هو عائد إلى أوضاع صورية القيم وهشاشة المؤسسات.
فالركون إلى الحثّ على المشاركة والدعوة إلى القيام بدورٍ في المجتمع، ضمن فهم خُلقي مفارق، من شأنه أن يصيب العملية بالعطل، ويُبقي المشاركة الاجتماعية محدودة الأثر. فما لم يلاحِظ المرء تغيّراً فعلياً وصدقية في تطبيق القرارات السياسية، فإن كافة عمليات الحث على المشاركة تبقى مفتقِرة إلى شروطها العملية.
من جانب آخر، تعني مصادَرة المشاركة من الحياة العامة وتعطيلها، سواء ما تعلّق منها بالأفراد أو بالفئات المجتمعية، استفراداً من قِبل قِلّة أوليغارشية تتحكّم بالمصير المجتمعي، وهو ما يتناقض مع الفهم التشاركي للبناء المجتمعي. لا تدرِك بموجبه تلك القلة المتربصة بعموم الناس، أن الاستئثار بذلك الفعل من شأنه أن يغيّب شرائح واسعة ويثبط عزائمها في القيام بدور فاعل في المجتمع. وضمن هذا الإطار المستأثر بالقرار، مثّل العزوف عن المشاركة في الحياة المجتمعية، لا سيما منها السياسية، ردة فعل وسمة من سمات المجتمعات التي تعاني تشويهاً لإرادتها يبلغ حد الاغتراب.
والواقع أن ثمة مثبّطات ثقيلة تفلّ من عزم المواطن، وتحُول دون مشاركته في الحياة العامة، حين يدرك عمق الفساد الاجتماعي المستشري فيُصاب باليأس من تغييره أو حتى الحدّ منه. وفي الراهن العربي الحالي، ثمة يأسٌ مستشرٍ من التغيير بوساطة السياسي ألجأ المواطن، قسراً أحياناً، إلى التوجه نحو المشاركة في العمل الأهلي، وإن كان هذا العمل لا يزال محدوداً ومتعثراً، خصوصاً منه العمل الجمعياتي والتطوّعي باعتبارهما الأقرب والأجدى والأوضح.

مراعاة التنوع
الملاحظ أن العزوفَ عن المشاركة في الحياة العامة عائدٌ بالأساس إلى عوامل اضطراب تشهدها جملة من المجتمعات، تتوزع على فاعِليْن أساسييْن: ديني وسياسي. على مستوى أول، غالبا ما استبطنت المجتمعات العربية رؤية دينية عقدية (دغمائية)، تزعم الوصاية على الضمير الديني الجمْعي، وتمعِنُ في طمس سائر التنوعات الأخرى، باسم منطق الأكثرية والأقلية، وهو في الواقع تبرير واهٍ يتستر على فداحة انسداد قنوات المشاركة في المجال العام، الذي يقتضي مراعاة للجميع بعيداً عن منطق الكثرة والقلّة، إذ لا يجوز مصادَرة حق الجماعات الإثنية والتنوعات الأنثروبولوجية مهما تضاءل حجمها؛ وعلى مستوى ثانٍ، أي على نطاق ما هو سياسي، فإن الاضطراب في بُعده السياسي داخل المجتمعات العربية، في الراهن الحالي، هو وليد احتكار للمصائر السياسية، يزعم فيه القابضون على زمام السلطة قدرةً على التعبير عمّا هو أفضل والترجمة الصائبة لما هو أجدى. والحال أننا أمّة شاء لها القدر أن تستبطن تنوعات دينية ومذهبية ولسانية وعرقية، من العسف أن تتحكم بقدرها فئة دون غيرها تحت مزاعم تقرير مصير الجميع. لذا لزم أن تُنتِج هذه التنوعات ثقافة تعايش، تقطع مع منطق القلة والكثرة، وبالمثل تدرك السلطة السياسية أنها أداة تفعيل لهذا المنشود اجتماعياً.
فالمجال العام، أو ما نطلق عليه الحياة العامة، حين يتحول إلى مجال تحتكره قلّة، يكون ذلك مدعاة لحصول خلل في الفعل الاجتماعي العام لا بد من التنبه إلى مآلاته والتعجيل بإصلاحه. ومن الطبيعي لمّا يتهدد المجال العام من قِبل فئة معيّنة تزمع احتكاره أو توجيهه، وِفق مرادها، يحصل نوع من الارتباك يظهَر بموجبه الاضطراب الاجتماعي الذي هو تعبير عن قلق اجتماعي حاد. وفي المجتمعات العربية الحديثة غالباً ما شكّلَ هذا المدخلُ مدعاةً لاستدعاء قوى سياسية أو عسكرية أو إيديولوجية لتصحيح العملية وإعادة التوازن في المجال الاجتماعي، ولكن هذا الدور، وإن يكن صائباً في منطلقه، فهو غالباً ما يتحول إلى دوّامة لنفي إرادة المواطن يصعب الخروج منها. وبالتالي ينبغي ألا يكون مبرر التصويب والتصحيح، في هذه الحالة، مدعاةً أيضا لأي شكل من أشكال الهيمنة المستجدة، أو الاحتكار اللامشروط، فالأمور تُقدّر بقدرها.
لا تقتضي المشاركة في الحياة العامة تملّصاً من الهوية الذاتية أو طمساً لها، ولا سيما الهوية في أبعادها الدينية أو العرقية أو اللسانية، بدعوى تيسير التعايش والتفاهم؛ ولكن يمكن مراعاة هذه الأبعاد للهوية، مع إنتاج حسّ مدني جامع تُراعى فيه خصوصيات الجميع. فالمجال العام تتساوى حظوظ الجميع فيه، ومن العسف أن نجعل شروطاً للإسهام فيه، غير شرط احترام حقوق الآخرين فيه ومراعاته. والوعي المدني الذي يراعي التنوع لا تنتجه الضوابط التشريعية وحدها، بل تصوغه الثقافة الاجتماعية المنفتحة، عبر أشكال رمزية ومعنوية غالبا ما تكون هي الأكثر نفاذا والأبلغ تأثيراً. وصحيح أن الوعي الاجتماعي العربي فيه خلفية دينية عميقة، لا سبيل إلى نكرانها أو التغاضي عنها، بيْد أن هذه المرجعية الهامة التي يستمد منها الوعي الاجتماعي مقوماته ينبغي ألا تَحُول دون مشاركة الجميع، أو تقف حجر عثرة أمام تساوي الفرص.

ثقافة الإقصاء
لا شك في أن الاضطراب الهائل الذي تعيشه جملة من القطاعات الاجتماعية في بعض البلدان العربية، يجعل بعضها يُحجم عن المشاركة طوعاً أو يُقصى منها قسراً. بما ينعكس سلباً على الفعل الاجتماعي العام ويحدّ من قدرات تأثيره. ولو تأمّلنا العوائق الكبرى التي تقف حائلاً دون مشاركة أوسع في الحياة العامة لوجدنا عنصرين أساسيين في العملية: عدم توفر الحرية بالقدر الكافي داخل المجال العام، وانتشار ثقافة الإقصاء التي تحول دون استيعاب التنوع. ولا ريب أن ترسيخ مناخ الحرية ودعمه، فضلاً عن تنقية المناخ العام من ثقافة الإقصاء، أيا كان مأتاها، هما العنصران الأساسيان في صنع مشاركة فاعلة. نشير أن المشاركة في الحياة العامة، أو بلغة أوضح تحمل المسؤولية المعنوية في الفعل الاجتماعي والإسهام في تطويره وتوجيهه، ليست مسؤوليةً حصرية، بل هي مسؤولية مدنية عامة. يتساوى فيها الجميع ما داموا شركاء في عقد المواطَنة الجامع، دون أي شكل من أشكال التفريق بينهم في ذلك. وفي البلدان العربية، لا سيما منها المجتمعات التي تعرف تنوعاً دينياً ومذهبياً تفوق فيه غيرها، يبقى الجميع مدعوين إلى إنتاج ثقافة مدنية منفتحة تضع الجميع على قدم المساواة في تحمل المسؤولية. وإنتاج ثقافة مدنية على النحو المنشود يقتضي تطوير هرمنوطيقيا تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة، وتتخطى أي شكل من أشكال الإقصاء، أيا كان مأتاه، دينيا أو سياسياً، عرقياً أو مذهبياً.
لعلنا لا نجانب الصواب إذا لخّصنا فحوى كلمتنا، بوصية الإمام علي (كرم الله وجهه) لمالك بن الأشتر: «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخَلق»، ففي ضوء ذلك النظر للمجتمع يمكن أن نبني مشاركة مدنية فعلية تضع الجميع على قدم المساواة.

منطق المُصادَرَة
غالباً ما استبطنت المجتمعات العربية رؤية دينية عقدية «دغمائية»، تزعم الوصاية على الضمير الديني الجمْعي، وتمعِنُ في طمس سائر التنوعات الأخرى، باسم منطق الأكثرية والأقلية، وهو في الواقع تبرير واهٍ يتستر على فداحة انسداد قنوات المشاركة في المجال العام، الذي يقتضي مراعاة للجميع بعيداً عن منطق الكثرة والقلّة، إذ لا يجوز مصادَرة حق الجماعات الإثنية والتنوعات الأنثروبولوجية مهما تضاءل حجمها؛ وعلى مستوى ثانٍ، أي على نطاق ما هو سياسي، فإن الاضطراب في بُعده السياسي داخل المجتمعات العربية، في الراهن الحالي، هو وليد احتكار للمصائر السياسية، يزعم فيه القابضون على زمام السلطة قدرةً على التعبير عمّا هو أفضل والترجمة الصائبة لما هو أجدى.

أزمة تماسك «عويصة»
المجتمعات العربية تعاني في ظرفها الراهن أزمة عويصة في التماسك الاجتماعي. ينجرّ عن ذلك أن يواجِه المجتمع من داخله سلبيةً اجتماعيةً تتمثّل في تفشّي داء اللامبالاة وهو ردّ فعل صامت، وعفوي أحياناً، على أوضاع تشكو خللاً واضطراباً، وتتطلّب إصلاحاً عاجلاً حتى يعود الترابط بين المواطِن والمواطَنَة إلى سالف عهده.


ثقافة مدنية منفتحة
في البلدان العربية، لا سيما منها المجتمعات التي تعرف تنوعاً دينياً ومذهبياً تفوق فيه غيرها، يبقى الجميع مدعوين إلى إنتاج ثقافة مدنية منفتحة تضع الجميع على قدم المساواة في تحمل المسؤولية. وإنتاج ثقافة مدنية على النحو المنشود يقتضي تطوير هرمنوطيقيا تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة، وتتخطى أي شكل من أشكال الإقصاء، أياً كان مأتاه، دينياً أو سياسياً، عرقياً أو مذهبياً.

حتى لا تكون مشاركة ديكورية
تحتاج لعملية بناء الثقة المواطَنة بين المُواطن والدولة، وبين مختلف الفئات الاجتماعية إلى إعادة نظر في شروط هذا العقد الاجتماعي ومتطلباته؛ من هذا الباب يكون تفعيل القوانين، وتنفيذ الإجراءات، وإضفاء مصداقية على دور المؤسسات، سُبلاً للقطعِ مع حالتيْ الشكلانية والصورية اللذيْن غالباً ما يسدّان منافذ المشاركة ويعطلان آلياتها، فتتحول إلى مشاركة ديكورية لا غير.


............................................

مراجع الدراسة:
1- Partecipazione sociale e competenze. Il ruolo delle professioni nei Piani di Zona, L. Bifulco, C. Facchini, Editore Franco Angeli, Roma 2013.
2-Stile di vita e partecipazione sociale giovanile. Il circolo virtuoso teoria-ricerca-teoria, Maria Paola Faggiano, Editore Franco Angeli, Roma 2009.
3-Partecipazione, democrazia, comunicazione pubblica. Percorsi di innovazione della pubblica amministrazione digitale, Wanda D›Avanzo, Rubettino, Catanzaro 2009.
La cittadinanza attiva. Mannarini Terri, Il Mulino, Bologna 2009.- 4
5- الفكر الجمهوري، ماورِيتسيو فيرولي، ترجمة: ناصر إسماعيل، مراجعة: عزالدين عناية، مشروع كلمة، أبوظبي 2011.
........................................* نص المداخلة التي ألقيت في مؤتمر «الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل» الذي عقده الأزهر ومجلس حكماء المسلمين بالقاهرة بتاريخ 28 فبراير إلى 1 مارس 2017.