صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

ألجيرداس كريماس ترسانة السيميائيّة

ولد ألجيرداس جوليان كريماس A J Greimas، رائد مدرسة باريس السيميائية، في مدينة تولا في ليتوانيا، إحدى دول الاتحاد السوفييتي السابق في التاسع من مارس 1917. وأتم دراسته الثانوية في هذه المدينة. وفي سنة 1934 سيرحل إلى فرنسا لمتابعة دراسته العليا، ولكنه سيستقر فيها وستصبح البلد الذي احتضنه واحتفى بكل تراثه العلمي. ففيها سيحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1948. وبعدها بسنة، أي سنة 1949 سيسافر إلى مصر ويُعين أستاذاً للأدب الفرنسي في جامعة الإسكندرية. وهناك سيلتقي برولان بارث وستنشأ بينهما صداقة قوية ظلت حية إلى أن رحل بارث عن عالمنا سنة 1980، وكان من ثمار هذه الصداقة تأسيسهما مجلة «لغات» الشهيرة سنة 1966. وابتداءً من سنة 1962 سيعين أستاذاً في جامعة بواتيي. سنتين بعد ذلك سينتقل إلى باريس ليصبح رئيساً للقسم الرابع في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، وسيظل في هذا المنصب إلى أن وافته المنية في السابع والعشرين من فبراير سنة 1992.

كانت بدايات كريماس العلمية في المعجميات عامة، وضمن حدودها المنهجية والتطبيقية كان موضوع رسالته التي حاول فيها تقديم وصف شامل لمعجم الموضة في القرن التاسع عشر (1). لقد كان مؤمناً حينها بإمكانية القيام بإحصاء دلالي استناداً إلى وحدات مستقلة تصف موضوعاً أو تُعد جزءاً من آلية للوصف تقود إلى الإمساك بجوهر دلالي ما للواقعة الموصوفة. ولكنه سرعان ما سيكتشف أن المعجميات محدودة ولا يمكن أن تقود إلى أي شيء، عدا تقديم وصف محدود للظاهر النصي لا يسعف على فهم حقيقي للوقائع، ذلك أن «الأمور في الحياة تتم في ما هو أبعد من العلامات المفردة» بتعبيره الخاص. لذلك سيتنكر لهذه الرسالة التي لن تنشر إلا بعد وفاته بسنوات عديدة (سنة 2000).
وبعد هذا الفشل سيعود إلى اللسانيات، ولكن من باب السيميائيات هذه المرة، وسيسعى بقوة وجهد نادرين إلى بلورة رؤية خاصة للسيميائيات زاده الأساسي في ذلك هو التراث السوسيري (فاردناند دو سوسير) واجتهادات لويس يالمسليف، ومقترحات كلود ليفي شتراوس في دراسة الأسطورة. وسيؤسس استناداً إلى هذا التراث الضخم، رفقة مجموعة من طلبته وأتباعه في فرنسا وخارجها، «مدرسة باريس» الشهيرة التي ظلت معيناً خصباً لكل الباحثين في السيميائيات البنيوية على امتداد ثلاثة عقود، وقد ساهمت بقسطٍ كبيرٍ في مَدِّ الدارسين في ميدان السرديات بصور جديدة عن النصوص السردية وعن طرق بنائها، لتتجه، مع نهاية الثمانينات، إلى دراسة ما سيسميه كريماس «سيميائيات الأهواء»، وستصبح «الغيرة» و«الحسد» و«التحدي» و«البخل» و«الاستفزاز» و«الحب» وكل الطاقات الانفعالية المصنفة ثقافياً واجتماعياً خارج «العقل»، موضوعاً من موضوعات السيميائيات.
تيار نقدي جديد
وانطلاقاً من هذا الإرث الفكري، ستتشكل نواة صلبة للسيميائيات السردية وسيلتف حوله مجموعة من الباحثين الذين عملوا بحماس قل نظيره على بلورة تيار نقدي جديد في السرديات حاول أن يقطع مع الممارسات التحليلية الحدسية والانطباعية، ومع مخلفات مقترحات بروب، خاصة ما يتعلق بالنموذج الذي قدمه لدراسة الحكاية الشعبية. وكانت آخر محطة في حياته هي سنة 1991 حين أصدر، بالتعاون مع جاك فونتنيي، أشهراً قليلة قبل وفاته، كتابه الهام «سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس». وهو الكتاب الذي قمنا بترجمته إلى العربية وصدر عن دار الكتاب الجديد سنة 2010.
وفي رحلة البحث هاته ستكون 1966 حدثاً مركزياً في حياته، ففي هذه السنة سينشر كتابه «علم الدلالة البنيوي» Sémantique structurale الذي سيصبح نصاً مرجعياً رئيساً في التقليد السيميائي الفرنسي عامة، وعند أتباع مدرسة باريس خاصة. وستكون هذه السيميائيات جزءاً من الدراسات الدلالة وجزءاً من الدراسات السردية في الوقت ذاته. فكل ما سيكتبه بعد ذلك لن يكون سوى تفصيل أو نماذج تطبيقية مستوحاة من الأفكار التي يضمها «علم الدلالة البنيوي». بل إن قاموسه، كما سنرى في فقرات هذا المقال، ليس في واقع الأمر سوى شرح للمفاهيم التي تسند في مجموعها تصوره النظري، وهي التي تعتمدها الخطاطات التحليلية التي قدمها في الوقت ذاته.
لذلك ليس غريباً أن تتميز نظريته بالتعقيد، وأن يشتهر هو نفسه بميله الشديد إلى الشكلنة والابتعاد عما يُسميه الأحكام الحدسية التي لا مردودية لها في تحليل الوقائع الدلالة، لفظية كانت أم غير لفظية. ذلك أن السيميائيات (السردية) في تصوره هي تساؤل حول السيرورات المنتجة للمعنى عبر توسط سردي هو الفاصل والرابط بين القيم المجردة وبين بعدها المشخص في وضعيات إنسانية بعينها. فبؤرة السردية لا توجد في ما هو سابق على النص، بل مودعة في صيغ مجردة قابلة للتشخيص في فضاءات قادرة على احتضان الفعل الإنساني كما يتحقق في حياة الناس.
لذلك لا يمكن للباحث أن يعرف عن هذا المعنى أي شيء إذا كان يشكو «خصاص» في مصطلحات خاصة تجلو سمكه وأشكال تجليه. فدربة الباحث وذكاؤه لا قيمة لهما أمام ما يمكن أن تقدمه الخطاطات التحليلية من أدوات تمكنه من «الكشف» عن أسرار النص. ذلك أن «الحديث عن المعنى يقتضي بناء لغة بلا معنى»، فذاك هو شرط «الموضوعية» (1)، وهو ما يمكن المحلل من الانفصال عن موضوع تحليله. إن غايته هي الوصول من جديد إلى «اليقين» المفهومي الذي يعبر عنه الوجه المشخص النص، فهذا النص يفيض عن قصد أول هو قصد المؤلف ولا شيء سواه.
كيفية إنتاج المعنى؟
لقد انطلق من مسلمة بسيطة مفادها أن عالمنا إنسانيٌ في حدود كونه مستودعاً للمعنى، فخارج هذا المعنى ليس هناك سوى السديم أو الحسي الذي لا يكشف سوى عن حسيته ذاتها. فالإنسان وحده من يفعل ويعي معنى فعله، وهو وحده الذي يرى الشيء في علاقته بآخر. استناداً إلى ذلك، ستكون المهمة الأساسية في عمل الباحث السيميائي (وربما كل الباحثين في العلوم الإنسانية) هو التعرف إلى الطريقة التي ينتج من خلالها الإنسان معانيه، وكيف يسرب هذه المعاني إلى محيطه، وكيف تصبح الأشياء والظواهر مستودعا لهذه المعاني؟
كانت هذه الأسئلة هي منطلقه نحو بلورة صيغ شكلية تساعد الباحث على وضع اليد على ما يشكل اللحظات الأولى في بروز المعنى، ما يشير إلى الأشكال الأولية لكل سيرورة دلالية. وكل شيء يبدأ في تصوره من بنية دلالية بسيطة هي المحدد اللاحق للأكوان الدلالة المركبة التي تنتشر في النصوص وفي الوقائع الإبلاغية الإنسانية. تحتضن هذه البنية أشكال التمفصل الأولى للدلالة، وهي التي تمكننا من الحديث عن «معنى قادر على التدليل»، أي قادر على الانتشار خارج نواته الأولى. ولن تكون هذه البنية سوى محور دلالي يجمع ضمن علاقة تقابلية بين حدين متضايفين لا يمكن لمعنى أحدهما أن يستقيم دون استحضار معنى ضده، كما هو الشأن مع قصير - طويل أو شر - خير مثلاً. يتعلق الأمر بوحدات دلالية صغرى هي ما يشكل تعريفا إيجابيا للواقعة قابلاً لأن ينتشر في وحدات أكبر نسميها «النصوص» استناداً إلى سقف دلالي عام يطلق عليه كريماس «التناظر»، ما يشكل الجذع المشترك الذي يضمن تماسك النص وانسجامه.
استنادا إلى ذلك، لن يكون النقد الأدبي، في تصوره، ترفا يمارسه هواة بلا «عُدة»، فالإمساك بدلالات النصوص يقتضي بلورة نظرية علمية تُسندها معرفة «تقنية». ومن أجل ذلك نَحَت ترسانة من المفاهيم والمقولات والخطاطات ما اضطره في النهاية إلى إصدار قاموس خاص من جزأين يشرح فيه تصوراته التي حدد لها مداخل جديدة والتي لا يمكن أن يدرك شيئا من مضامينها إلا المتخصص الصنديد في السيميائيات السردية (مدرسة باريس). وكان يحلو له أحيانا أن يقول لأصدقائه وأتباعه «بأنه مبدع أفكار، لذلك فهو ليس في حاجة إلى الإحالة على الآخرين»* (رواه جاك فونتنيي أحد تلامذته).
إن السيميائي عنده لا يختلف في عمله عن كل الذين يقدمون أدوات تساعد على تركيب محرك أو تشغيل آلة أو شرح نظريات في الفيزياء أو الرياضيات (وليس غريبا أن يستعير من الفيزياء الكثير من مفاهيمها من قبيل «التناظر» و«النظير» «والتوتير» وغيرها...). فالمحلل لا يستثير معنى من داخله، بل يبحث عما وضعه المؤلف في النص بوعي منه أو بدونه. لذلك كان من أشد المناهضين لنظريات التأويل وجماليات التلقي. فالمعنى متعدد في الاحتمال، وقابل للانتشار في كل الاتجاهات، ولكن المؤلف قادر على التحكم في صبيبه وتوجيهه بما يخدم غاية معنوية مسبقة.
لذلك لم يكن للتأويل في تصوره أي سند علمي، «فالقول بتعددية القراءة ليس سوى ذريعة للتخلي عن التحليل، أما اعتبار النص مصدراً لدلالات لا حصر لها ولا عَد، فمعناه أن الذات التي تنتجه إما وحش كاسر، وإما كائن يفتقر إلى الوحدة في ذاته»(2). فليس هناك سوى «مركز» واحد للنص على المحلل أن يصل إليه عبر سلسلة من التبسيطات ستنتهي عند نقطة لا شيء بعدها. إن الوجه المُشَخَّص لا يحيل على مُشَخَّص آخر، بل يجب أن يقود إلى العودة إلى الأصل، أي التعرف على ما كان مُثَبَّتا من قبل في وحدات قيمية من طبيعة مجردة.
المربع السيميائي
وقد اختصر تصوره هذا للدلالة ولبناء النص في صيغة شكلية بالغة التجريد أطلق عليها المربع السيميائي. وهو ليس سوى التنظيم الأولي للدلالة قبل أن يصبح نصا أو واقعة قابلة للتداول من خلال سياق خاص. وهو المربع الذي تداوله الباحثون في السيميائيات السردية كما يتداولون سراً كبيراً شبيها بأسرار المتصوفة وأصحاب الكرامات. فأن يكون المحلل عارفا بـ«المربع»، معناه أنه يملك القدرة على فك أسرار النص وقول كل شيء عنه، أي يستطيع وضع اليد على ما سُرِّب إليه من دلالات أو وُضِعت فيه قصداً. فيكفي أن نتمكن من ملء خاناته لكي يصبح مضمون الواقعة مرئيا، وينجلي الغشاء الرمزي ويُسَلم النص كامل محتوياته.
لا يمكننا بالتأكيد إنكار أن كريماس، وهو العالم الجليل، قد استند في بلورته لمربعه هذا إلى الكثير من الخطاطات السابقة، وإلى الكثير من التصورات الخاصة بالمعنى، وكان ينطلق أيضاً من طبيعة الشرط الإنساني في الأرض. فكل سلوك، كبيراً كان أو صغيراً، هو في واقع الأمر مصدر لمعنى أو معانٍ يمكن أن تنتشر في جميع الاتجاهات، وحدها السياقات يمكن أن تحدد مضمونها في الهنا والآن النصيين. لذلك كانت «مقولة الانسجام عنده من المعايير النادرة التي تقاس عليها الحقيقة كما تصورها الإنسان» (كريماس). فخارج النص، بمعناه الواسع، أي خارج ما يكون مرتبطا بمقام، لا يمكن الاستقرار على معنى بعينه. ونحاول في هذا العرض المختصر تقديم بعض العناصر الأساسية التي قد تساعد على فهم نمط بناء الدلالة.
يبدو هذا المربع في الظاهر أداة بسيطة جداً تُستعمل من أجل تقديم صيغة شكلية (بصرية) تشمل مجمل العلاقات الممكنة بين العلامات السيميائية، ويُعد، بذلك، سبيلاً إلى الكشف عن الطريقة التي تنبثق الدلالة من خلالها وتتجسد ضمن بنية بعينها. ومنطلق ذلك واضح: هناك في الأصل مجموعة من المبادئ الأولية التي تتحكم في التفكير الإنساني وتمنحه قدراً من المعقولية، ومنها العمليات الذهنية البسيطة التي يمارسها الإنسان من أجل تَبَيُّن ما يعرفه عن الأشياء والأبعاد والظواهر والمفاهيم. فنحن نُمسك بالمضمون العام للكون من خلال سلسلة من العمليات البديهية كالنفي والإثبات والتضاد والتقابل والاقتضاء، ودون ذلك ستختلط علينا الأشياء، وسنَتيه وسط مادة دلالية بلا ضفاف ولا حدود.
سيرورة الدلالة
بعبارة أخرى، هناك في الوجود تقابلات تُبنى على مستوى الظواهر والأبعاد والمظاهر، وهناك أخرى تُبنى على مستوى البناء الفسيولوجي أو الجسدي (رجل- امرأة، مذكر - مؤنث، طفل - راشد)، وهناك تقابلات تُبنى على مستوى الثقافة والقيم، الخير والشر والصدق والكذب... ففي جميع هذه الحالات، يكون التفكير مرتبطاً بسلسلة من الأحكام والعلاقات التي تصل بين الكائنات والأشياء وتفصل بينها في الوقت ذاته. فأن يعرف المرء شيئاً معناه أن ينفي آخر بالضرورة. ففي كل إثبات نفي، وفي كل انتقاء إقصاء، وفي كل جذب نبذ. فالقول بالطويل نفي للقصير، والقول بالصدق استبعاد للكذب، وتمجيد الأمانة ذم للخيانة. فلا وجود في هذه الحالات مجتمعة لمضمون إيجابي مطلق، فجزء من معنى الشيء مصدره ما ليس هو. فدعوة الناس إلى الاعتدال معناه تحذيرهم من التشدد، ونهيهم عن التبذير معناه دعوتهم إلى الاعتدال في الإنفاق. وهذه المحددات هي الشرط الأولي لظهور الدلالة، وهو ما يتحكم في انتشارها لاحقاً في وقائع من كل الطبائع.
وتُعد هذه العمليات جزءاً من السيرورة التي تقود إلى بناء دلالات تكون أساس التفكير في الشأن الحياتي البسيط أو في تصور البناءات المعرفية المركبة. فبناء النصوص بكل أنواعها ليس سوى محاولة للخروج من هذه التقابلات المجردة لبناء صرح حياتي في التخييل يتجسد في أفعال الناس وسلوكهم ومواقفهم وفرحهم وحزنهم. إننا «نبعث» الحياة، من خلال هذا التشخيص، في ما استبطناه ونحن نتعلم كيف ننتمي إلى مجموعة ثقافية ما عبر استيعاب قيم مجردة هي وسيلتنا لكي نخرج من «أنانا» وننصهر في «النحن» العامة. وهي السبيل أيضاً نحو بلورة المجتمع أو الدولة لقوانين تحمي الصادق من الكاذب والخيّر من الشرير، وتُعِد فضاءات يسعد فيها الناس وتقيهم شر ما يتهددهم من أخطار.
يتعلق الأمر بطرق بسيطة في التفكير يمارسها الناس حدسا دون العودة إلى تأمل خارجي للواقعة. ومع ذلك، فإنها تشكل ما يسميه كريماس «البنية البسيطة للدلالة» التي تتحكم في الأكوان الدلالة في كليتها وتحولها إلى أنساق. فما يَمْثُل أمامنا في صيغة محور بسيط من قبيل الصدق والكذب يمكن أن يتحول إلى سُنة سلوكية مستوحاة من تعاليم دين أو معتقد ترى في الكذب خروجاً على سبيل رسمه الله يجب أن يكون مُعَبداً بالصدق وحده. بعبارة أخرى، إننا ننطلق دائماً من كم دلالي منظم في صيغة تقابلية من أجل نشر مجمل تصوراتنا عن الحياة والموت والسعادة والعمل والخير والشر في وضعيات مركبة هي ما تقدمه النصوص السردية: في مقابل مقولة دلالية تامة، هناك نص «يشرحها». إن الحد الواحد فارغ، فالخير مفصولاً عن الشر لا يمكن أن يحيل على مضمون ما، ولا يمكن أن يكون غطاء لسلوك إنساني، فنحن نتعرف إلى الخير بإسقاط عوالم ليس هو منها، أي الشر.
وقد مثل لذلك من خلال خطاطة بسيطة تتجسد في وجود محور دلالي من قبيل: غني (م) فقير. استناداً إليه يمكن أن نولد سلسلة لا متناهية من النصوص تتناول التقابل بين عوالم الفقر وما يعود إلى حياة الأغنياء. وهذا الأمر ممكن لأننا لا يمكن أن نتصور الغنى دون الإحالة على الفقر والعكس صحيح. لذلك وجب أن ينتمي الحدان إلى مقولة دلالية واحدة، فلا يمكن أن يكون هناك مثلاً تضاد بين فقير وأسود، أو بين غني وغبي. ذلك أن دلالة الفقير لا علاقة لها بالأسود، فهذا يمكن أن يكون لوناً لأي شيء، إنه يُدرك ضمن مقولة أخرى هي اللون، لذلك يستمد دلالاته من ضده، الأبيض مثلاً. وكذلك الأمر مع الغنى والغباء. فلا رابط بينهما، إلا إذا كان النص يُدرج التقابل الأصلي ضمن تنويعات سياسية تخضع لأحكام إيديولوجية مسبقة ترى في الأغنياء أغبياء. وفي هذه الحالة لا وجود لهذا التقابل خارج النص الذي وُلد في أحضانه.
نحن هنا أمام سلسلة من العلاقات التي تستند إلى تقابل أصلي هو الضدية وحدها، ولكنها ضرورية لتفجير بنية المحور في نصوص لا حصر لها تُشخص القيم وتتعامل مع الحياة من خلال حدود مُدرجة ضمن زمنية الفعل الإنساني. إن الذهن البشري لا ينتقي الضد بشكل أوتوماتيكي، كما تبدو عليه الأمور في الظاهر، بل يبدأ بإسقاط النقيض. فالغنى يحيل على الذي ليس غنياً، وهي الحالة التي تقودنا إلى استحضار صورة الفقر. والفقر أيضاً يسقط نقيضه لكي يتعرف إلى ضده. ويكفي لفهم ذلك استحضار الحالات التي لا تُصنف ضمن الفقر ولا ضمن الغنى. فهي قد تبدو غياباً مطلقاً للمعنى، أي غيابا لأي تصنيف، ولكنها مع ذلك يمكن أن تتحدد في حالات عيش يُسمى الكفاف والستر وفي العيش البسيط (ما تشير إليه العربية من خلال تمييزها مثلاً بين المسكين والفقير، وبين الإسراف والتبذير، أو بين الشح والتقتير استناداً إلى محور دلالي عام هو الملكية في الحالة الأولى، والإنفاق في الحالة الثانية).
استناداً إلى ذلك، يتحدد المضمون الأصلي للمحور في وجود حدين متقابلين، ما يسميه هو «المستوى السيميائي» السابق على التجلي النصي، حيث لا يتداول الناس في أمر الحياة إلا من خلال قيم مجردة ليس هناك في السلوك الفعلي ما يمنحها مضموناً خاصاً. فلكي يصبح هذا المحور قابلاً للتداول، أي قادرا على الإحالة على وضعية إنسانية بعينها يجب أن يفجر نفسه من الداخل، أي تتحول العلاقات داخله إلى عمليات ممكنة، هي ما نسميه النفي أو الإثبات: إما أن نقوم بعمل ننفي من خلاله الفقر، أو نسقط أفعالا تقود رجلاً من حالة الغنى إلى حالة الفقر.
إن التناقض في هذه الحالة فضاء أولي مفترض وليس حقيقة موضوعية، ولكنه ضروري لبناء دلالة أولية هي الأساس الذي يمكننا من تصور مسار سردي يعمل على الربط بين الفقر والغنى ضمن ضدية مقبولة. فلا يمكن أن نتصور مثلاً تحولاً آنياً من فقر إلى غنى دون أن يكون هناك ما يبرر هذا الانتقال، نحن في حاجة إلى كم زمني تُستوعَب فيه عمليات التحول من حالة إلى أخرى. وقد تكون حالة المقامر الذي «يربح» في القمار حالة خاصة، ومع ذلك فإنها تفرض استحضار مسارات سردية من طبيعة خاصة لعل أهمها التركيز على نفسية المقامر نفسه.
وحالتا النفي والإثبات هما الفضاء الذي يقود إلى استحضار «ذات» تقوم بفعل يصبح التحول بواسطته من هذه الحالة إلى تلك أمراً مقبولاً، أي إننا نتصور وجود محكي يروي لنا قصة رجل قرر أن يصبح غنيا، وهو الفقير المعدم. فضمن فضاء التحول هذا نتصور حالات متنوعة بما فيها تقابلات فرعية تخص شخصيات مهمتها مساعدة هذا الرجل أو الوقوف في وجهه. بعبارة أخرى، إننا نفترض وجود برامج سردية متنوعة، بمصطلحية كريماس، تُعتمد من أجل الحديث عن شخص ليس بالفقير، ولكنه ليس بالغني. يتعلق الأمر بفضاء حكائي يقوم فيه الفعل السردي بنشر الضدية الأولى ضمن وضعيات مشخصة نتعرف فيها إلى كل أشكال الفقر والغنى، بما فيها الحالات المجازية التي تشير إلى الفقر والغنى في العقل أو الحب أو الحقد.
ويمكن الإحالة على رواية الأحمر والأسود لستاندال. ففي اللحظة التي سيتعرف فيها جوليان سوريل على مدام دو رينال ويدخل في صراع مع نفسه، بين رغبته في أن يصبح رجل دين زاهداً في متع الدنيا، وبين قوة الغريزة داخله، لم يعد كاهناً؛ لأنه خرق مبدأ العفة عند الراهب، ولكنه لم يتحول إلى رجل دنيوي، لأنه ظل مؤمنا بقدره الديني. فقطرات الدم التي ستسيل من جسد مدام دو رينال بعد أن أصابتها رصاصة جوليان سوريل، وهي تصلي في الكنيسة هي التجسيد الصريح للصراع بين الديني والدنيوي، ولكنه في الوقت ذاته يسقط حالة اللاديني واللادنيوي من خلال حالة سوريل نفسه الذي ضاع بين رغباته التي يستطع إسكاتها وبين تقواه التي لم يتشرب بعد كل أبعادها. وهو أمر يجسده التقابل بين الأحمر والأسود، حيث الأول دال على الاندفاع والرغبة، والثاني دال على عوالم الدين. ولن تكون الرواية في نهاية الأمر سوى تشخيص لهذه التقابلات في أحداث تبنى ضمن قصة تروي تفاصيل هذا الصراع. إن الرواية في نهاية الأمر ليست سوى تسريد لهذا التقابل الأول الذي انتشر في تقابلات فرعية متنوعة.
لذلك سيكون النص في نهاية الأمر مبنياً بشكل سابق في هذه البنية الدلالة البسيطة. وما سيأتي بعد ذلك ليس سوى تفصيل في هذه البنية ومدها بأشكال تحققها كما يمكن أن يتم ضمن ثقافة ما، أو كما يقتضي ذلك ترتيب عقدي أو إيديولوجي سابق.
لذلك يربط كريماس بين هذه البنية وبين ما يسميه المسار التوليدي parcours génératif، وهو مفهوم مركزي في السيميائيات السردية، إنه يشير بصفة عامة إلى صيغة بالغة العمومية تختصر مجمل التمفصلات التي يتحدد من خلالها نص ما. إنه سيرورة تقود من أشد المستويات تجريدية (النموذج التكويني، أو البؤر الأولية داخل مسار تشكل الدلالة المشار إليها أعلاه) إلى أشدها محسوسية (المحافل النهائية أي المتن الحكائي) من خلال مستوى توسطي (السرد) هو الرابط بين المستويين.
وكما يدل على ذلك معناه الظاهري، فإنه يشير إلى السيرورة التي تسلكها الدلالة لكي تستقيم من خلال مراتب النص. بعبارة أخرى، إننا نُفَصِّل القول في محور دلالي بسيط من خلال صبه داخل صيغة مشخصة تتخذ شكل قصة. فعندما نتحدث عن الحرية والحب والنضال والسفر نكون في واقع الأمر نتحدث عن حر وعاشق ومناضل ومسافر. وهي صفات يمكن أن تتخذ بعدا آخر عندما يصبح الحر والمحب والمسافر هم عيسى وإبراهيم والهادي. ففي هذه اللحظة نكون قد كسونا المقولات المجردة بتلوين ثقافي خاص لعل أهم مظاهر الأسماء الممنوحة للشخصيات.
والحاصل أن الشخصيات تتغير باستمرار ومضامين الأفعال تتغير أيضاً، أما توزيع الأدوار فيظل ثابتا، دلالة على وجود ما يشبه الكونيات التي تنتظم داخلها الأفعال الإنسانية. فنحن نحضر في المجتمع من خلال وظائف لا من خلال هوية اسمية حافية. استناداً إلى هذا التوزيع القار استخرج كريماس نموذجاً اعتُبر في الستينيات من القرن الماضي عماد الخطاطة السردية، بل اعتُبر، ضمن المسار التوليدي، اللحظة الحاسمة في التحول من القيمة المجردة (التقابلات بين المحاور الدلالة) إلى ما يشكل مهادا للفعل المشخص (القصة بشخصياتها وزمانها وفضائها)، أي التوسط بين المجرد والمتحقق. يتعلق الأمر بخطاطة عامة تختصر أفعال الشخصيات وتصنفها في خانات هي ما يتم تداوله في الحياة اليومية.

خداع التأويل
السميائي عند كريماس لا يختلف في عمله عن كل الذين يقدمون أدوات تساعد على تركيب محرك أو تشغيل آلة أو شرح نظريات في الفيزياء أو الرياضيات. فالمحلل لا يستثير معنى من داخله، بل يبحث عما وضعه المؤلف في النص بوعي منه أو بدونه. لذلك كان من أشد المناهضين لنظريات التأويل وجماليات التلقي. ولم يكن للتأويل في تصوره أي سند علمي، «فالقول بتعددية القراءة ليس سوى ذريعة للتخلي عن التحليل، أما اعتبار النص مصدراً لدلالات لا حصر لها ولا عَد، فمعناه أن الذات التي تنتجه إما وحش كاسر، وإما كائن يفتقر إلى الوحدة في ذاته».

متخصص صنديد
نظراً لكثرة المفاهيم والمقولات والخطاطات التي نحتها اضطر إلى إصدار قاموس خاص من جزأين، يشرح فيه تصوراته التي حدد لها مداخل جديدة، والتي لا يمكن أن يدرك شيئاً من مضامينها إلا المتخصص الصنديد في السميائيات السردية «مدرسة باريس».

سرّ المربع
اختصر تصوره للدلالة ولبناء النص في صيغة شكلية بالغة التجريد أطلق عليها المربع السميائي. وهو ليس سوى التنظيم الأولي للدلالة قبل أن يصبح نصاً أو واقعة قابلة للتداول من خلال سياق خاص. وهو المربع الذي تداوله الباحثون في السميائيات السردية، كما يتداولون سراً كبيراً شبيهاً بأسرار المتصوفة، وأصحاب الكرامات. فأن يكون المحلل عارفاً بـ «المربع»، معناه أنه يملك القدرة على فك أسرار النص وقول كل شيء عنه، أي يستطيع وضع اليد على ما سُرِّب إليه من دلالات أو وُضِعت فيه قصداً. فيكفي أن نتمكن من ملء خاناته، لكي يصبح مضمون الواقعة مرئياً، وينجلي الغشاء الرمزي ويُسَلم النص كامل محتوياته.



1 - La Mode en 1830. Essai de description du vocabulaire vestimentaire d’après les journaux de mode، éd P U F، Paris 2000
1 - A J Greimas: Du sens، éd Seuil، Paris 1970، p.7
*- je suis un créateur d’idées، je n ai pas besoin de citer les autres
2 - A J Greimas: Maupassant
3 - A J Greimas: Du sens، éd Seuil، Paris 1970، p.135 et suiv