صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الشعر مقدّساًً ومدنّساًً

تقومُ فكرةُ الدين، كلُّها، على أساسِ وجودِ جوهرٍ مقدّسٍ تدور حوله كل منظومة الدين ومكوناته الأساسية (المعتقد، الأسطورة، الطقس، الآخرويات). وفي مقابل العالم الديني المقدّس الذي هو، عند الإنسان، استشعارٌ أو حدسٌ لطاقة الكون كان هناك العالم الدنيوي والمدنَّس الذي هو تماسٌ مع المادة، وهكذا وضع الإنسان هذين العالمين المتميزين في تضادّ شديد: الأول هو العالم المقدّس الذي يسعى الدين لكشفه والتمثل به، والثاني هو العالم المدنَّس الذي تسعى الدنيا لكشفه والتمثل به. وكان هذا التعارض، قديماً وحديثاً، مثارَ جدلٍ ساخنٍ وتصادمٍ شديدٍ فقد كان المقدّس يعادل القوة والطاقة والمشبع للكيان والفاعلية بينما كان المدنَّس يعادل الخواء والمادة المتهافتة الزائلة والزيف. ورغم أننا لا نميل لفصل الدين عن الدنيا فهما متداخلان، لكننا من أجل الدراسة النظرية وإلقاء الضوء على المحركات الدينية والدنيوية وهي تلتحم وتنفصل رأينا النظر إلى كلّ منهما بمحركاته وقواه الداخلية.

لقد عرفنا أن جوهر الدين يكمن في المقدّس، أما جوهر الدنيا فيكمن في المدنَّس، وقد حاولنا البحث عن نواة وجوهر هذا المدنَّس فوجدنا أنه يكمن في الجنس، فالجنس هو جوهر المدنَّس وجوهر الدنيا، مثلما رأينا أن الطاقة السارية هي جوهر المقدّس.
وبذلك نحصل على هذه المتناظرات المهمة (الطاقة السارية، الطاقة الإيروسية)، (المقدّس، المدنَّس)، (الروحي، الجنسي)، (الديني، الدنيوي)...الخ وتشطرُ هذه المتناظرات العالم كلّه إلى متناظرات مماثلة لها فالمكان المقدس والمعبد والعمود المقدّس وسرّة العالم هي أماكن نشكونية مشحونة بالمقدّس، وهي مركزية في مقابل الأماكن الكونية التقليدية كالبيوت والساحات والشوارع التي هي أماكن دنيوية محيطية.
كان السحرُ أول أشكال العلاقة بين الإنسان والمقدّس، ولذلك فهو أول قناةٍ للاتصال بين المقدّس والإنسان.. وتتضمن هذه القناة شحنات إيجابية من الإنسان إلى المقدّس (وهو ما نسميه بالسحر) وشحنات سلبية من المقدّس إلى الإنسان (وهو ما نسميه بالعرافة) وكلاهما كانا، من وجهة نظرنا، أول شكل من أشكال الشعر، الشعر بصورته العملية ممارسةً والشعر بما ينضحُ عن هذه الممارسة من كلماتٍ وجُملٍ ثم جاءت مراحل أخرى بعد السحر وهي الأرواحية وظهور الآلهة ومرحلة التوحيد، وهكذا انقسم تاريخ العالم روحياً أو تاريخ الروح إلى أربعة مراحل اختلفت في كلٍّ منها طرق النظر إلى المقدّس والمدنَّس ونتج عن ذلك اختلاف في نوعي الشعر الرئيسين الديني والدنيوي
ويخبرنا هذا بالتاريخ الرباعي لتطور المقدّس، ويتبع ذلك تغيّر نمط التعبير عنه والذي نراه شعراً، حيث يظهر مزدوج شعري يتبع تطور المقدّس، هذا المزدوج يتغير تبعاً لتطور الروح وكيفية تحسس المطلق. فالتطور الديني حصل كما يلي: (التميمة، الترتيلة، الأسطورة، النص أو الكتاب المقدّس)، والدنيوي تطور مناظراً لذلك كما يلي: (الأغنية، الحوارية، الملحمة، القصيدة).

السحر.. التميمة والأغنية
كانت مرحلة السحر قد بدأت في العصور الحجرية القديمة والوسيطة وتشكّلت بنمطين دينيين هما (الفتيشية، الطوطمية). جعلت الفتيشية المقدّس أو القوة السارية على شكل بؤرة هي الفتيش أو الشيء المعبود كالحجر أو الشجر أو العظم حيث تجتمع شحنة المقدّس في شيء واحد ويُّطلق عليه اسماً، وبذلك تكون القوة السارية غير مشخصةٍ بل متخفيةٍ وراء شيء محدد.
أما الطوطمية فقد أعطت هذا المقدّس صورة (جماد، نبات، حيوان، رمز) وركّزت على الكائنات الحية والحيوانات بشكل خاص وادّعت أن المؤمنين بهذا الطوطم ينحدرون نسلاً منه، فهي، إذن، نقلت المقدّس من البؤرة الشيئية إلى البؤرة الحيّة.
وسواء كان السحر فتيشياً أو طوطمياً على المستوى العملي إلاّ أنه كان على مستوى اللغة مجسداً في كلامٍ مختزلٍ يُقرأ على شكل (التميمة) التي قد تأخذُ أسماءً أخرى حسب وظيفتها مثل التعويذة إن كانت تطرد هذه القوى الخفية (التي تجسدت في المرحلة الأرواحية بالشياطين) أو الرُقية التي تحاول إحاطة الشخص بسور من الحماية أو الحجاب الذي يفعل الشيء ذاته.
وإذا كانت التميمة قد عبرت عن نفسها في عصور ما قبل التاريخ بالرسومات والخطوط والإشارات فإن أقدمها وأشهرها رسومات الكهوف والصخور التي كانت تطعن هذه الفتيشات أو الطواطم لتعبر عن صيدها والسيطرة عليها.. لكن الحضارات التاريخية شهدت التمائم المكتوبة على العظام والقماش والحجر والجلد والخشب.. ثم على الورق بكلمات هي أشبه بالصرخات والاستغاثات ومحاولات دفع الشرِّ والأذى أو بمحاولات استدراج القوى الخيّرة لحماية الشخص، وكلّ هذه المحاولات تدفع بنا إلى اللامألوف وتجعلنا في دهشة لما يترتب عليها من أخيلة واستعارات غريبةٍ، ومن هنا نشأ الشعر السحري الذي جسّدته (التميمة) في أفضل أشكاله.
في المقابل كانت الحياة الدنيوية اللاسحرية تحتفي بالجنس الذي كان مشاعاً قبل تكوّن الأسرة إبان عصر اكتشاف الزراعة، لقد كان الجنس أساس الحياة وتكاثرها وازدهارها لكنّ الدين (البدائي ثم المتطور) كان ينظر إليه، في الغالب، نظرة الضد والعداء. ولذلك عمد إلى إخفائه في طبقات من التابو والحرام ولم يكفّ عن مطاردته في كل المراحل. وكان الجنس ينبثق هنا وهناك في نسيج الحياة مثل الينابيع لكن الدين كان يغطيه أو يحاول إخفائه.
لقد كانت الطاقة الإيروسية في الجنس والحب وكان خير من يمثلها فنياً (الأغنية) التي لا تعبر عن الإيروس الجنسي فقط بل عن إيروس الحياة كلها. إن هذا الشعر الإيروسي تطور عبر العصور مع تطور الحياة الروحية واتخذ أشكالاً متعددة هو الآخر.
لقد كانت الأغاني هي أول أشكال الشعر الدنيوي وكانت، في الغالب، مصحوبةً بالموسيقى والرقص وهي تسري على أفواه الصيادين والرعاة ثم الفلاحين في العصور الحجرية وعصور ما قبل التاريخ.. وربما كانت هي السبيل الوحيد للتعبير عن أفراح وأحزان الحياة لأنها لا تحتاج سوى صوت الإنسان وهو يتهدج ويحفل بالإيقاعات.. وكانت هذه الأغاني مباشرة بسيطة لا تفتعل الخيال ولا تلجأ إلى الاستعارات قسراً، وكانت على قدر حجم اللغة وعلاقتها ومفرداتها المحدودة آنذاك تحاول التعبير عما لا يُعبَّر عنه.
والحقيقة أن صيد الحيوان أو رعيه أو عملية البذار أو الحصاد أو الزواج كانت تصاحبها الأناشيد والأغاني ذات الجوهر الإيروسي، فالخصب هو إيروس دائم.
وهكذا نرى أن عصر السحر أظهر لنا نمطين شعريين الأول ديني سحري هو (التميمة) والثاني دنيوي إيروسي هو (الأغنية) ولاشك أن التنافذ والتداخل بينهما كان يجري على السطح أو على المستوى الأدبي، أما في العمق أو على المستوى الروحي فكان كلّ منهما ينبع من جوهر مغاير.
إن محاولتنا اليوم استعادة التميمة (التعاويذ والرُقى والطلاسم.... الخ) والأغنية في الشعر الحديث تمثل إطلالة على عصر السحر القديم والجديد ومحاولة النهل منه ومن خزائنه الدفينة، من طريقة القول فيه ومن طريقة التخاطب، من بلاغته المؤثرة البسيطة ومن معانيه الساذجة والعميقة في آن ومحاولة جعلها تنطق بمضامين جديدة.
ونرى أن التميمة والأغنية ما زالتا، حتى هذا اليوم، موجودتين بهذا القدر أو ذاك في شعرنا فقد اخترقتا العصور، تحت الأدمة، وتسربتا في تربة الشِعر الإنساني ومازالتا تنبعان هنا وهناك عند الأقوام البدائية المعاصرة أو الشعوب المتطورة بنفس القدر ولكنهما دخلتا، حصراً، في الغناء المعاصر وفي عمليات استمالة الحظ والقوة.

الأرواح.. الترتيلة والحوارية
المرحلة الثانية في تطور الأديان ظهرت مع الأرواحية عندما بدأ الإنسان يتخيل هذه القوة السارية لا على شكل شيء أو حيوان بل على شكل أرواح خفيةٍ، وهنا بدأت أول عتبات الميتافيزيقيا في شكلها الساذج.
الفتيشية شخّصت القوة السارية للكون في شيء والطوطمية جعلتها شيئاً حّياً أما الأرواحية فقد جعلتها روحاً بعيدةً. وهكذا تشكّل عالم روحي خارج الإنسان يتكون من كائنات روحية كان بعضها مازال يغطسُ في عالم السحر.
لقد تمّ تصور هذه القوى الروحية التي تسري في الكون والإنسان والأشياء، بل وتمّ تسميتها، فقد أدخل العلاّمة كودرنجتن مصطلح ال (مانا) الذي وجده منتشراً، على نطاق واسع، بين الجماعات التي تسكن ميلانيزيا وبولدنيزيا والفلبين حيث يسود الاعتقاد بقوىً خارقةٍ غير مشخصة يطلق عليها اسم ال (مانا) أو ال (مانيتو)، والغريب أن الرومان أيضاً كانوا يطلقون اسم ال (مانا) منذ الألف الأول قبل الميلاد على الأرواح. وقد أخذت النصوص الدينية تتطور من التميمة نحو نصوص تنادي الأرواح والكائنات الروحية وأصبح التوسل والحذر والتعويذ والإحاطة موجّهة إلى هذه الأرواح.
لكنّ شكل الشعر الديني الجديد المناسب لهذه الأرواح، كما نراه، هو شكل (الترتيلة) الذي تخلص من المضمون والشكل السحري وأخذ صيغة التراسل الروحي بين الإنسان وبينها.
الترتيلة هي شعرٌ ديني أرواحي المنشأ تسوده لغة الرجاء والدعاء والاتصال مع هذه الروح أو تلك. ومازالت التراتيل الدينية إلى يومنا هذا شكلاً من أشكال الشعر الديني لكنها الآن أخذت مضامين أخرى. والحقيقة إننا لا نستطيع الآن استنباط القواعد الفنية الدقيقة لنمط (الترتيلة) القديمة بسبب اندثارها أو إعادة صياغتها لاحقاً، لكننا ندرك أن هذه التراتيل كانت تطلب الشفاعة والحماية وكان الإنسان أو الشاعر يستخدمها في مختلف تفاصيل حياته، وهو ما نراه، مثلاً، في الحقبة الأولى من الدين الروماني الذي احتفظ لنا بأسماء لا حصر لها لهذه الأرواح (المانات) الخاصة بالموتى الأخيار والأشرار (ماليبوس، لارفا) والخاصة بالحياة المنزلية (بينات) والأرواح العامة (لارات) والأرواح الحامية الخاصية (جن) وهذه تسيطر على تفاصيل الحياة والسلوك، ولاشك أن لكلِّ من هذه الأرواح تراتيلها مثلما لها تماثيلها وأشكالها.
أما النصوص الدنيوية التي تقابل الترتيلة فكانت تمثل في الحوارية فقد ظهرت الحواريات بسبب وجود قوتين متقابلتين هما (الروح المعبودة) و(الإنسان) وأصبح الحوار بينهما قائماً، ثم أصبح الحوار بين شخصين أو بين شخص وجماد أو حيوان أو نبات، وظهرت في العصر السومري مثلاً حواريات المفاخرات (أدمندوكا) التي تعبر عن تنافس بين (النخلة وشجرة الأثل) و(الصيف والشتاء) و(الراعي والفلاح)... الخ.
وإذا كانت الأغنية في عصر السحر عبارة عن مونولوجٍ وجداني فإن أغنية عصر الأرواح هي ديالوج حارات شكّل بذرة الدراما التي ظهرت لاحقاً بأشكال متطورة وصيغ مسرحية.
وتمثل محاولة استعادة الترتيلة والحوارية في الشعر الحديث، عن وعي مسبق، صيغة حوارية لفتح طبقات أسلوبية جديدة في الكتابة الشعرية.

حواء باطنيّة
لعل أكثر الأرواح وضوحاً في تراثنا العراقي القديم والسامي بشكل عام هي (ليليث) التي تمثل شيطانة الليل، فهي روحٌ أنثويةٌ مغوية تجذب الرجال إليها وتجعلهم يهيمون وراءها في الليل تاركين زوجاتهم في البيوت، وقد تحولت (ليليث) إلى ما نستطيع أن نسميه بـ (حواء الباطنية) فهي روح نارية مثّلت فيما بعد، شخصية العشيقة الناريّة التي تعصف بحياة الرجل المتزوج خصوصاً.

الشعر والمطلق
في تاريخ الروح مزدوج شعري يتبع تطور المقدّس ويتغير تبعاً لتطور الروح وكيفية تحسس المطلق. فالتطور الديني حصل كما يلي: (التميمة، الترتيلة، الأسطورة، النص أو الكتاب المقدّس)، والدنيوي تطور مناظراً لذلك كما يلي: (الأغنية، الحوارية، الملحمة، القصيدة).

تَنافُذ سطحي
عصر السحر أظهر لنا نمطين شعريين: الأول ديني سحري هو (التميمة) والثاني دنيوي إيروسي هو (الأغنية)، ولا شك أن التنافذ والتداخل بينهما كان يجري على السطح أو على المستوى الأدبي، أما في العمق أو على المستوى الروحي، فكان كلّ منهما ينبع من جوهر مغاير.