الاتحاد

رمضان

شبابنا·· الإلحاح على المعرفة

هاني فحص

هاني فحص

يدهشني ويستفزني هذا الكم الهائل من النعم التي تتمتع بها الأجيال الجديدة، على الرغم من أن الأمة والوطن إلى مزيد من الفقر·· جينز وتي شيرتات منوعة وقمصان (رييه) الخ· وتزداد حسرتي عندما أنتبه إلى أني بدأت حياتي العملية في تعلم مهنة الخياطة ما مكنني من قراءة التطورات في الأزياء وجمالها· ثم سيارة، طبعاً مع فوارق طبقية ملحوظة، ولكنني بقيت إلى أوائل السبعينات لا أجد مفراً من أن أكون راكباً سابعاً أو ثامناً في سيارة معدة لخمسة ركاب· وسيجار كوبي، وأنا كنت مضطراً أن أختار بين سندويش الفلافل غداء من عند (الدبور) في مدينة النبطية وبين ثلاث سجائر لوكي بربع ليرة، إلى الكمبيوتر والخليوي والكاميرا بعدما بدأنا بالتصوير الشمسي مع (سركيس الأرمني) في مدينة النبطية أول شبابنا·· وسيديهات وستيريو وأسفار وبحر ونهر ودليفري وماكدونالد وداون تاون وماذا أعد وأعدد؟ وأحياناً أتجاوز الغيرة إلى الحسد، أي تمني زوال النعمة عن هذا الجيل وحلولها في جيلنا الآخذ في الانقراض··· فلو حلت هذه النعم في، جدلاً، فماذا كنت أصنع؟ والله لا أدري، والأرجح أني لن أستمتع لأن أهليتي مستهلكة، وعند أول مناسبة بحبوحة وترف أعود سريعاً إلى الضيعة وألح على والدتي أن تهيئ لي (كمونة) كبة بندورة وبرغل للغداء مع فحل بصل أحمر·
ثم إني متدين قبل أن أكون رجل دين ومن دون أن ينقص من ديني الكثير، فكيف أجد طريقاً إلى تجنب الحرام؟ بعض ما هو ميسور من النعم، أي الحب ولعله الأجمل من كل التقنيات، لعله، فقد تمكن الشبان المتدينون، أن يعودوا إلى فقهنا الذي أنتجناه، وليكتشفوا الطرق الحلال في تبادله، والتوسع في ذلك حتى بلوغ منطقة الحرام، حتى كدنا، أن نقر، أو بعضنا على الأقل، بأننا كنا فقهاء للتصدير لا الاستعمال·· حسناً·· أما ذلك التدين الذي يحرم الحلال أو يحلل الحرام ويرفع المكروه إلى مستوى المحظور، والمستحب إلى مستوى الفرض، ويجعل الواجب مدعاة يأس من رحمة الله·· فهذا أخاف منه على ديني وأهلي وأولادي وأحفادي وجيراني ودنياي·
إنه ينغص الدنيا بحيث إذا اكتملت خبرتك بالحياة استحسنت أن تنتقم من الدين للدنيا·· لا أريد لتديني أن ينمو بسرعة أو يطاول بأغصانه الفالتة حقول الآخرين·· ولا أريد تديناً متغولاً يأكل كل ما تقع عليه عينه من أفكار وقيم وبشر وجمال وفرح وحزن·· وكيف أحمي نفسي من هذه الحسية الفالتة أو تلك الروحية اليابسة؟
إذا كان لي أن أقدم للجيل الفتي كأساً من عصارة عمري، فإني أحبذ له أن يتوازن·· أما الدواء لانعدام الوزن فهو الإلحاح على المعرفة، من دون تعريف لها، أي معرفة، مع التنبيه أن المعرفة ليست ذاتية، الذات شرطها، وشرطها الآخر هو الآخر، إذن فالمعرفة المعرفة غيرية، والمعرفة هي السؤال الذي لا ينام، يجري ليل نهار في إثر الحقيقة المفترضة أو المتخيلة، فإذا ما عثر عليها انتقل إلى فرضية أخرى· وأن تبحث عن المعرفة في ذاتك، في منظومتك الموروثة وحدها، فإنك كسول، لأن المعرفة ليست بكارات، ليست بساطات، على جمال البساطة، إنها أجزاء والسؤال يجعل منها تركيباً· إذن فهي لا تنتج إلا بالشراكة·· كمتدين أزين التدين لهذا الجيل، أتمنى عليه أن يشعل جدل الثنائيات·· مثلاً أن يبحث عن العبادة في المعرفة وعن المعرفة في العبادة·· عبادة!!! لو كان كل شيء محدوداً لكان علينا أن نطلق المطلق·· العبادة هي الوصال مع المطلق ومن هنا هي معرفة أيضاً·

اقرأ أيضا