الاتحاد

رمضان

فن عمارة المساجد في سراييفو·· شاهد على العمق الحضاري

أحد المساجد في البوسنة

أحد المساجد في البوسنة

تمتلك معظم الدول الغربية وغير الإسلامية، كل مقومات الجذب السياحي، والتي تتمثل في الشواطئ الجميلة والأماكن الهادئة والمناظر الطبيعية، وقد عرفت جميع هذه الدول الإسلام، فلا تكاد توجد دولة غربية واحدة لا يوجد بها جالية إسلامية، ومن الدول التي عرفت الإسلام وأثر فيها وغير من معالمها وتطبعت مدنها بالحضارة الإسلامية، بلاد الأندلس، منطقة البلقان، سراييفو، كوسوفو، البوسنة والهرسك· وفي هذا اليوم الكريم من أيام شهر رمضان العظيم نتوقف مع أبرز المعالم والمزارات الإسلامية السياحية التي تميزت بها منطقة البلقان، ففى خلال القرن الخامس عشر الميلادي عرفت أقاليم مقدونيا وكوسوفو والسنجق وصربيا نشاطا عمرانيا مكثفا، حيث قام الأتراك ببناء العديد من الخانات والحمامات والمدارس الدينية والمساجد·
زينة البوسنة
ويعد جسر نهر درينا الذى شيده المعماري المشهور سنان باشا في ''فيشى غراد'' شرق البوسنة، من أبرز المزارات الإسلامية في هذا البلد، بالإضافة إلى الجسر القديم في موستاز، وكذلك مسجد الغازي خسرف بك بسراييفو والذي صممه رمضان أغا الذي كان يطلق عليه ''إفيليا سيليبيا'' أي لقب ''خليفة سنان'' وأيضا مسجد ''ألاجا'' في فوتشا· والملاحظ أن هذه الأبنية والمعالم، هي زينة البوسنة ومفخرتها، حيث ساهم فيها البوسنيون وتعلموا من خلالها الشيء الكثير، إنها ثمرة التعايش مع العالم الإسلامي، الذي يجمع بين العلوم والفنون بكل تلقائية، وينفتح على جميع الثقافات والأجناس، فكانت تلك الفترة فترة بناء زاهرة أثمرت العديد من المتاحف العمرانية التي لا يزال بعضها شامخا إلى الآن·
ومع أن ما يميز الحضارة الإسلامية في البوسنة والهرسك، أنها أسست مدناً جديدة وأعادت بناء مدن قديمة، غير أنها أيضا شيدت العديد من المدارس الدينية والمساجد والخانات والحمامات والفنادق والطرق والجسور (القناطر) وما يجعل مساجد البوسنة والهرسك مزارات سياحية، أنها تحتوي على قباب كبيرة مؤسسة على قاعدة مربعة ولها تاج ومزدانة بثلاث أو خمس قباب أخرى صغيرة·
ويعد مسجد حاجي قاسم من أكثر الجوامع تعقيداً من حيث الطراز المعماري، ويرجع بناء هذا المسجد إلى عام 1420م ، بينما اعتمد مسجد اسحاق باي المشيد سنة 1483 والذي تمت توسعته من جانبين سنة ،1519 في تصميمه على الطراز الاسطنبولي القديم، بكل مقوماته، وهناك العديد من المساجد التي شيدت على النمط العثماني القديم، خصوصاً في مقدونيا وكوسوفو· وتضم البوسنة والهرسك عددا كبيرا من المساجد التي شيدت على الطراز العثماني، ومنها مسجد السلطان محمد الفاتح بمدينة بريشتينا (عاصمة كوسوفو) الذي بني سنة 1461م، ومسجد الغازي عيسى باي في سكوبيا 1475م، ومسجد مصطفى باشا في سكوبيا سنة 1495 ومسجد تسريفا في تيتوفو 1495م· وكل هذه المساجد مصممة على رقعتين مربعتين للصلاة وتعلوهما قبتان متماثلتان، ويصل طول هذا المسجد إلى اثنين وعشرين مترا· ويرى بعض علماء الآثار الإسلامية أن مهندسى هذا المسجد استوحوا تصميمهم من مسجد محمود باشا في اسطنبول الذي بني سنة 1463م· واللافت للنظر أن البوسنيين ساهموا بشكل فعال في إثراء المعمار الإسلامي منذ القدم، فقد كانت المدن البوسنية تحفا معمارية ندر وجودها في أوروبا، لكنها بلغت أرقى مستوياتها في العهد العثماني 1463م· وربما يستغرب البعض عندما يعلم أن الطابع المعماري الفريد لمسجد ''الغازي خسرف بك'' في سراييفو، قد ظهر قبل 10 سنوات من انتشاره في اسطنبول·
ويعتبر جامع السلطان سليم من أهم المزارات السياحية الإسلامية في البوسنة، ويعرف الآن باسم ''السليمية'' وقد بني في القرن السادس عشر بالقرب من قلعة دويوى، بالإضافة إلى الكثير من المدارس التاريخية والتكايا·
ومنارات علمية
أيضا من المزارات اللافتة للنظر في البوسنة المدارس الإسلامية، التي حافظت على زخمها لعدة سنوات بعد انحسار ظل الخلافة العثمانية عن منطقة البلقان، وقد بلغ عدد المدارس 42 مدرسة وعدد طلابها 1613 طالبا في ذلك الوقت· والملاحظ أن مدرسة الغازي خسرف بك، تعد من أشهر المدارس الإسلامية في البوسنة والهرسك، بل في شبه جزيرة البلقان بأكملها، وكان الغازي خسرف بك حاكما للبوسنة عندما شيد المدرسة المعروفة باسمه عام 1537م، ظل خسرف بك في الحكم من 1506 إلى 1542م وهو مشهور بشجاعته في القتال وانتصاراته العديدة على الأعداء، حيث أصبح من أغنى الناس في وقته، وكان يملك 202 دكان وممتلكات أخرى· وبنى مسجدا وحماما وسوقا مغطى مع الدكاكين وغيرها من المباني· ومدرسة الغازي خسرف بك تشبه مدارس الدولة العثمانية مثل بروسة وأدرنة واسطنبول· ومن الناحية المعمارية لا تختلف كثيرا عنها، حيث كانت مستقلة وتقع بجوار أحد المساجد ولها فناء داخلي محاط من جميع الجهات بحجرات الطلبة والأساتذة والفصول· أما المواد التي كانت تدرس في المدرسة والتي وضعت في القرن السادس عشر الميلادي، فهي علم البيان والمعاني والأصول والأحكام والحديث والتفسير وعلم الكلام وغيرها·
وكان الغازي خسرف بك بعيد النظر، حيث أمر بألا تقتصر مناهج الدراسة على العلوم التي ذكرت في وقفيته بل أن تتقدم وتتطور وتشمل العلوم الأخرى حسب متطلبات الحياة ومقتضيات الزمان· وقد زادت أعداد المواد فعلا حتى بلغت 14 مادة في مختلف العلوم خلال القرن السادس عشر الميلادي·
وقد تعرضت الكثير من هذه المساجد والمدارس والقصور للتدمير والتفجير، إضافة لمئات المساجد الحديثة والتاريخية، لم يتم إصلاح سوى 400 منها بمساعدات من الهيئات الإسلامية·

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

اقرأ أيضا