الاتحاد

دنيا

من مظاهر الاهتمام بالعقل في القرآن الكريم

لعل من السمات البارزة في القرآن الكريم دعوته إلى العلم والنظر والتفكر والتدبر، ومما لا شك فيه أن هذه الدعوة منبعها كون الإنسان صاحب فكر وعقل وروية وبصيرة بها امتاز عن سائر الكائنات.
ويشير القرآن الكريم إلى العقل ومشتقاته ومترادفاته ومعانيه المختلفة في أكثر من ثلاثمائة وخمسين آية، مستخدماً لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو ترشد وتشير إليه من قريب أو من بعيد، من التفكر والتدبر والتذكر، والحكمة واللب، والنظر والرشد، والرأي والعلم، والفقه والقلب والفؤاد، إلى غير ذلك من الكلمات والألفاظ التي تدور حول الوظائف العقلية على اختلاف معانيها وخصائصها مما يعتبر إيحاءات قوية ترسخ دور العقل وأهميته بالنسبة للإنسان وعمارة الكون والحياة.
من أجل ذلك نؤكد أن القرآن دائماً يطالب الإنسان بالنظر والتفكر والتدبر كما في قول الله تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ» (الحشر 2)، وقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ»، (ق 37) . وكثيرا ما نجد الآيات تختم بـ قول الله «أفلا يعقلون»، «أفلا تتفكرون»، «أفلا تبصرون», وكل ذلك يدل على أن القرآن يدفع الناس إلى استعمال العقل وإطلاق إبداعات الفكر. وكل ما ذكره القرآن الكريم من التفكر والنظر والتدبر إنما أراد به الاعتبار وأراد أن يقول تفكروا لتروا أن ذلك هو الحق، انظروا لتعلموا أن ذلك هو الخير، أما إذا رأيتم غير ذلك فإنما العيب في بصركم أو في بصيرتكم !! إذا رأيتم غير ذلك فاعلموا أن فطرتكم فسدت لانحرافكم وأن قلوبكم ران عليها الإثم فضلت، وأن عقولكم قد صدأت فأصبحت لا ترى الحق حقاً ولا الخير خيراً، وأصبحت من الضلال بحيث ترى الخير شراً والشر خيراً، وأصبح أصحابها كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. من هذا المنطلق نقول:
لقد استحث القرآن الكريم العقول على النظر في ظواهر الكون واستنباط قوانينها العامة، وأثار في نفوسهم حب الاستطلاع حيال الأمور التي لا تثير الانتباه بطبعها لتكرر حدوثها وسيرها على وتيرة واحدة وإيلاف الناس النظر إليها كتعاقب الليل والنهار، والشمس والقمر، والكواكب، وتتابع الفصول وتناسل الحيوان وتكاثر النبات. ونزول المطر وما إلى ذلك من مسائل العلوم.. فبين لهم أن هذه الأمور جديرة بالتأمل وأن فيها مجالاً كثيراً للنظر والعبرة والبحث العلمي وهذا ما يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» البقرة (164).. وقوله سبحانه: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ* يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الأَبْصَارِ» النور43-44.. وقوله تعالى : «أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» الغاشية 17-20.. وإذا كان القرآن الكريم قد أمرنا بالنظر والتعقل والتفكر والتدبر في مواطن كثيرة من آياته فلا غرابة إن رأيناه قد ربط بين العقل والسلوك العلمي كما في قول الحق سبحانه وتعالى: «وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ» العنكبوت (43).
من أجل هذا ينبغي أن نوقن أن من ألغى عقله الذي هو من أسمى نعم الله على خلقه وعباده يكون قد تنازل عن جزئه الإنساني ورضا لنفسه الحياة البهيمية إن لم يكن هو في مرتبة أدنى منها. قال تعالى في سورة الأعراف : «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» (179 ) وهذا ما يعلل له كثير من العلماء بقولهم إن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة المادية، ومتشاركة أيضاً في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وبين سائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، فلما أهملوا العقل والفكر كانوا كالأنعام لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيلها كان أخس حالاً ممن لا يكتسبها مع العجز عنها.
ومما ينبغي أن نعيه ونلاحظه أن القرآن الكريم عندما خاطب العقل وأمره بالنظر والتدبر إنما يعلن بذلك التآخي بين العقل والدين ويبين أنه ليس تنافر بينهما أو تضاد، ذلك أن القرآن الكريم في كثير من العادات الموروثة والعقائد المألوفة يحيلها إلى العقل الناضج حتى يقف الناس على خطئها وزيفها وهذا ما يدل عليه قول الحق سبحانه: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ» البقرة (170). كذلك احتفى القرآن الكريم بالعقل فجعل اليقين ثمرة للتفكير والنظر العقليين شريطة الاقتران بالرؤية المنصفة المحقة والبعد عن التعصب والهوى في كافة المسائل والقضايا، ومن ثم كان قول الحق سبحانه وتعالى في سورة سبأ «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» 46.
وفى تفسير طبيعة الرسول وشخصيته كما ورد في سورة الأنعام «قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ» (50).
وفي لفت النظر إلى أسرار التشريعات المختلفة عبادية أو اجتماعية كما ورد في سورة البقرة «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» 219-220.
وفى إشعار الإنسان بأن هذا الكون وما فيه خلق لرفاهيته وارتقائه ويسر بره وبحره وأعلاه وأدناه لأجله ورد قول الله تعالى «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» النحل 10-11. وقوله تعالى أيضا في سورة الجاثية «وسخر لكم ما في السموات والأرض وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (13)
من أجل هذا يتبين لنا تلكم العظمة القرآنية التي تجلت في كون القرآن الكريم ما ترك أمرا يخص الإنسان إلا توجه بالخطاب إليه سواء في الجانب العقدي، أو جانب الرسالة، أو جانب التشريع أو الحقائق الكونية والسنن المادية فنلمح هذا الخطاب وقد ذيل في الآيات السابقة وغيرها بقوله «لعلكم تعقلون» أو «لعلكم تتفكرون», ليدل على أن العقل بمادته ومدركاته هو تلكم النعمة الكبرى التي اختص الله بها الإنسان وميزه عن سائر الكائنات ليتحقق له بذلك السيادة في الكون وتكون على يديه عمارة الحياة. لذا انطلق العقل في القرآن نحو الفهم ولذا كان القرآن غير معطل لقانون عقلي ولا قانون كوني وغير رافض لحقيقة عقلية أو كونية بل هو يعتمد كل الحقائق العقلية والكونية في عملية الفهم للوحي المتمثل في الكتاب والسنة لذلك من أجل ذلك أكثر الله سبحانه من ذكر العقل والفكر في القرآن وأنكر على من لا يعقل بقوله في سورة البقرة «أفلا تعقلون» (76)، وجعل معرفة آيات الله في الكون علامة على العقل والاستفادة من معطياته كما ورد في سورة الرعد «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (4). وفي ضوء تلك المعاني السامية حق لنا أن نفاخر بأن الرسالة المحمدية لتعد أول رسالة من السماء إلى الأرض تدعو الإنسان إلى العلم المطلق فحركت العقول الجامدة الموثوقة بقيود العادات والتقاليد الموروثة وشرعت لها أبواب المعرفة والتأمل وأطلقتها من عقالها إلى مجالات الأخذ والعطاء إلى السماء ونجومها وأقمارها وأفلاكها.. وإلى الأرض وما عليها من حيوان ونبات وجماد بل على النفوس البشرية لاكتناه ما انطوت عليه من عقل أو جهل وحب وحقد وما احتواها من لحم ودم حتى رأينا في النهاية تلكم المقارنة بين العلم والجهل كما ورد في سورة الزمر «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ» 9. فكان الحكم في نهاية تلك المقارنة للعقل السليم ومقرراته. مما ينفث في الروع يقينا ويولد في العقل حقا وإقناعا بأن العلم على إطلاقه لم يكبر في رسالة من الرسالات كما كبر في الرسالة المحمدية وأنه ليس ثمة دين ألزم أهله بالعلم والتعلم كما ألزم الإسلام المسلمين.


د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا