الاتحاد

دنيا

مراهق بعد الستين

طوال حياتي اسمع عن كيد النساء واعرف أن النسوة اكثر خداعا من الرجال وربما يرجع ذلك لضعفهن وقلة حيلتهن، فيحاولن تعويض ذلك اذا اعتبرناه نقصا، لكن لم يدر بخلدي أبدا أن يكون ذلك عند الرجال ولم أتوقع أبدا أن أقع ضحية سهلة ويستمر الثعلب المكار في خداعي سنوات طويلة، كما لم اعتقد مطلقا انني بهذه السذاجة.
النتيجة مفجعة والنهاية صعبة والخديعة قاسية، أنني تخطيت الستين بعدة اشهر وأقيم مع زوجي الذي يكبرني بعام واحد وقد مضى على زواجنا اكثر من خمسة وثلاثين عاما رزقنا خلالها بأربعة أبناء ثلاث بنات وولد تخرجوا جميعا في الجامعة واستقلوا بحياتهم وتزوجوا وقد تركوا فراغا كبيرا في حياتي لان زوجي مشغول بمتجر بيع الملابس الكبير الذي يملكه ومن خلاله نعيش ونساعد أبناءنا فهو يدر علينا أرباحا وفيرة.
أعود بالذاكرة كثيرا، عندما تقدم شاب مكافح لخطبتي وكنت قد توقفت عن مواصلة الدراسة لظروف كانت سائدة في تلك الأيام، وانا من أسرة متوسطة لا هي فقيرة معدمة ولا هي ثرية ووافق ابي عليه رغم انه لا يملك سوى منزل قديم.
ويعتمد في حياته على عمله كبائع جائل يحمل كمية كبيرة من الأقمشة على كتفه أو ظهره ويجوب الشوارع بها، وبعدما تزوجنا كنت اشفق عليه لشدة تعبه واجهاده فأعامله بحب وحنان يأمر فألبي ويحلم فاستجيب، وكان يكن لي كل تقدير واحترام يحاول ان يرضيني ورغم انه بالكاد يعرف القراءة والكتابة فإنه يفهم كثيرا في المشاعر والأحاسيس وكيفية معاملة المرأة.
وقفت بجانبه يدي بيده وتجارته تروج وتنمو يوما بعد يوم، حتى توقف عن حمل بضاعته والتجول بها في الأزقة والشوارع واستقر في محل صغير، وتدفقت علينا الأموال ونحن نرزق بابنائنا الواحد تلو الآخر، اتسعت التجارة كثيرا وتمكن زوجي من تملك متجر كبير اطلق عليه اسم «الشركة» واطلق على نفسه لقب «الحاج» وعدت إلى بيتي أقوم بمسؤولية أسرتي كلها، وقد استعان بعدد من الصبية والفتيات يعملون تحت يديه، حتى انه أحيانا يرسل احدى الفتيات لمساعدتي في أعمال المنزل بشكل يومي.
مع تقدم السن الذي لا تعترف به النساء بدأت الأمراض تزحف نحوي وتهاجم جسدي الضعيف ومعظم الوقت أتردد على معامل التحاليل والمستشفيات وعيادات الأطباء، واحفظ مواعيد الدواء، وزوجي منشغل في أعماله إلى أن اشتدت الأوجاع واخيرا قرر المعالجون سفري إلى الخارج لتلقي العلاج، وبدأت أتردد على احدى الدول الغربية بين الحين والآخر وكل مرة قد تستغرق شهرا تصحبني فيها احدى بناتي.
عدت من احدى الرحلات العلاجية لاكتشف اختفاء كمية كبيرة من مجوهراتي ومبلغ كبير كنت احتفظ بها، وعندما اخبرت زوجي قال لابد انها سرقت وحررنا محضرا في قسم الشرطة وتم التحقيق في الواقعة وقرر الجيران ان الخادمة التي كانت تأتي في غيابي أثناء سفري لتخدم زوجي وتنظف البيت قد تكون وراء ارتكاب السرقة، خاصة انها كانت تحتفظ بنسخة من المفتاح ولا توجد اي اثار للعنف بما يدل على ان اللص من المترددين على البيت او من أصحابه.
تأكد بالفعل وبالدليل القاطع ان الخادمة وراء السرقة وتم القبض عليها، لكن المفاجأة كانت اكبر فعند ردها على اول سؤال باتهامها تساءلت: كيف تسرق زوجة أموالها وأموال زوجها؟ ولأن التساؤل لم يكن واضحا فسرت كلامها ووجهته صريحا لا يحتمل الشك او التأويل، قالت: انا زوجة شرعية له ولست خادمة كما تعتقدون، ولا ذنب لى ان كان خدع زوجته الاولى.
كانت كلماتها مثل الرصاص الذي اخترق صدري ورحت اسمع وانا غير مصدقة كأنني أمام فيلم لا صلة له بالواقع وزوجي يتصبب عرقا ولا يرد ولا ينفي ولا ينكر وكان يهمني ان اعرف ادق التفاصيل.
الحقيقة المرة القاسية ان ضرتي كانت احدى العاملات في متجر زوجي وقد تعرف عليها في ظروف غير طبيعية بعد أن توفى أبوها وهي في الثامنة عشرة في حادث تصادم وتزوجت امها من شاب يصغرها في العمر ليس على خلق وقام بمضايقتها والتصرف معها بشكل سيىء، ثم مارس عليها ضغوطا كبيرة خاصة بعد أن رفضت الزواج من شقيقه، فلم تستطع البقاء ولم تتحمل الاستمرار في البيت وهربت الى احدى صديقاتها التي تقيم بمفردها وتعمل نادلة في ملهى ليلي ووفرت لها فرصة عمل معها وهناك تعرف عليها زوجي العجوز وانا لا اعلم عن تصرفاته هذه شيئا فكيف اشك في رجل بعد هذه العشرة وهذا العمر.
عرض زوجي عليها العمل معه في متجره وعاملها معاملة خاصة متميزة عن زميلاتها نظرا لجمالها الفائق واغدق عليها الهدايا والعطايا بجانب الراتب الكبير الذي لا يحصل عليه كبار وقدامى العاملين، وطلب رقم هاتفها المحمول فلم تتردد وراح يتحدث اليها بالساعات وهو يبدي في البداية اعجابه ثم حبه لها وتطور الأمر فطلب منها اللقاء خارج الشركة فلم تمانع، فكانت تقترب من تحقيق هدفها الذي كانت ترمي اليه.
استطاعت الفتاة التي لم تصل الى عمر اصغر بناته ان توقع به في شباكها وتستغل مراهقته المتأخرة وايضا غيابي عن حياته بسبب حالتي المرضية وايضا تقدمي في العمر وان كانت هذه حقائق مؤلمة لكن لابد أن أكون واقعية فيما اقول، حتى ان الرجل غرق في الحب ولم يكن احد من ابنائنا يشك يوما فيه ومارس ألاعيبه بعيدا عن كل العيون، وبثها كلمات الغزل وانتهزت الفرصة والإمكانات لتحقق احلامها في الفوز برجل ثري.
قبل ان تفوح رائحة العلاقة عرض عليها الزواج عرفيا لانه لا يستطيع ان يواجه زوجته- التي هي انا- فوافقت وتم الزواج في شقة صديقتها التي شاركت في اللعبة بطريقة في منتهى الذكاء وافتعلت معها مشاجرة وطردتها لتجبر زوجي على تدبير مسكن لها، ونجحت الخطة ونتجت عنها خطة خداع اخرى كنت انا ضحية لها.
جاءني منذ عامين يبدي اهتمامه الشديد بي وبصحتي وبضرورة احضار خادمة تقوم باعمال البيت، ورغم انني لا احب اي يد غريبة في بيتي كنت مضطرة لانني لا استطيع تنظيف البيت واعداد الطعام له ووافقت وتم تقديم هذه الفتاة على انها خادمة واستطاع ان يقنعني بضرورة ان تكون اقامتها دائمة معنا وخصص لها غرفة باثاث جديد ولم يلفت نظري ذلك ولم ابحث عما وراءه لحسن ظني في التعامل مع الامر.
قامت ضرتي بتمثيل دور الخادمة كما ينبغي ان يكون واتقنته تماما وهي تعمل كل شيء في البيت على احسن وجه حتى انني كنت اشفق عليها من المجهود الكبير الذي تبذله وتتفانى في القيام بواجباتها، حتى الدواء كانت تسارع باحضاره وتذكيري بمواعيده وتهتم بابنائي عندما يأتيني اي منهم لزيارتي وطوال هذين العامين وانا مخدوعة منها ومن زوجي.
وهكذا اكتشفت الخيانة الكبرى التي قصمت ظهري وضاعفت آلامي وجعلت من كان زوجي يبدو في عيني صغيرا وايضا في عيون أبنائنا بعدما كان شامخا كالجبال، لم اعد قادرة على النظر إلى وجهه، لانني كنت أعيش مع شخص اخر غير هذا الذي اكتشفته ورد لي الجميل بعد كفاح ومعاناة السنين بجانبه.
وبعد أن سقطت الأقنعة ورفع الستار، استأجر شقة خاصة لها في تحد سافر لمشاعري ومشاعر ابنائنا، وقد كنت اتوقع ان يطلقها ويعترف بجريمته في حقي او حتى يعتذر لكن أخذته العزة بالإثم وتجاهل الموقف واختارها ثم هجر المنزل تماما وكأن شيئا لم يكن. الان أنا اقرب إلى الموت من الحياة، وقد مسني الكبر بجانب الأمراض الكثيرة التي تحدثت عنها ورغم ذلك كان لابد أن يكون لي رد فعل مناسب يخلصني من هذه الحالة وقررت ان اقيم دعوى خُلع لأرد له الصفعة لكن وجدت أن ذلك سيحرمني من كل حقوقي المادية ومن ثم اقمت دعوى طلاق للضرر لأقطع الخيط الذي كان يربطني به وايدني ابنائي.

اقرأ أيضا