الاتحاد

ثقافة

مسرحية بيت برناردا ألبا .. حب وحقد وغيرة وجنون

مشهد من المسرحية

مشهد من المسرحية

كبت الأنفاس وقمع الرغبات الطبيعية التي فطر الله الناس عليها لن يولِّد إلا الانتفاضة حتماً··إنه بمثابة قانون طبيعي لا محيد عنه ويتحقق بالضرورة طال الوقت أم قصر، تلك هي الرسالة الأولى التي أراد المخرج أحمد خودي إيصالها إلى عشاق الفن الرابع بالمسرح الجزائري'' محيي الدين باشطارزي'' ذات سهرةٍ رمضانية، من خلال مسرحية ''بيت برناردا البا'' التي اقتبسها علال المحب من رواية الأديب الإسباني فدريكو قارسيا لوركا بعد ترجمتها إلى العربية·
قبضة حديدية
تدور أحداث القصة في أحد أرياف أسبانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث يتوفى الزوج الثاني لبرناردا، فيستبدُّ بها الخوف على شرف بناتها الخمس في ظل وفاة حاميهن، فتعلمهن بأن فترة الحداد ستمتد إلى ثماني سنوات كاملة، يُمنعن فيها من الخروج نهائياً من البيت ومقابلة الشبان، وتقوم بعزلهن كليا عن العالم الخارجي معلنة رفضها لـ ''دخول هواء الشارع إلى البيت''·
تواجه البنات الخمس القرار برفض قاطع ويثرن على الأم القاسية، لكنها تقوم بقمعهن دون رحمة وتأمر الخادمة بكبت أنفاسهن ومراقبتهن واحتساب خطواتهن وترصُّد كل حركاتهن وسكناتهن في البيت، فتعيش البنات الخمس أجواء قاتمة مليئة بالكآبة والحرمان وكثرة الممنوعات والشعور بالضيق من فرط الرقابة المفروضة عليهن، وحينما تغيب الأم عن البيت لسبب من الأسباب، لا تتوانى البنات الخمس عن التعبير عن أملهن بالخروج إلى الشارع ويعبِّرن عن رغباتهن الجامحة في الحرية والحب والزواج ككل قريناتهن·
وحينما يشتد الضغط تبدأ بوادر الانفجار، وكانت المناسبة حينما خطب شابُّ وسيم الفتاة الكبرى'' انجلوسياس'' للزواج طمعاً في مالها الذي ورثته من أبيها( الزوج الأول لبرناردا) وهذا برغم ميله لأختها الصغرى''أديلا''، فانفجرت مشاعر الغيرة والحقد بين الأختين وتتمسك الصغرى بحقها في الحب وتثورعلى أمها، وتنصح الخادمة برناردا بتخفيف القبضة الحديدية عن بناتها ومنحهن قدراً من الحرية للتنفيس عن سخطهن، لكنها صمَّت آذانها وفضلت تصعيد القمع ضدهن، فكانت النتيجة أن حدثت معركة كبيرة في البيت بين الأختين انتهت بتدخل الأم وقتل البنت الصغرى المتمردة التي تحدت سلطتها وأعراف المجتمع وينتهي بها الأمر إلى الجنون كأمِّها التي اتبعت من قبل نظاماً قمعياً مشابهاً فكانت أولى ضحاياه، وهي نتيجة حتمية لمخالفة سنن الفطرة وحرمان النفس من حقها في الحب والعطف والانطلاق في الحياة·
المسرحية تقدم أنموذجاً للمجتمعات التي ترفض الحياة وتنغلق على نفسها تماماً بذريعة المحافظة على التقاليد والأعراف الاجتماعية، وقد أراد المخرج من خلال هذه المسرحية معالجة ظواهر مشابهة في بعض الأرياف العربية حيث تكثر الممنوعات وتُضرب رقابة شديدة على البنات بدافع الحفاظ على الشرف، فتكون النتيجة أحيانا مغايرة تماماً·
مخاطر القمع
يقول المخرج أحمد خودي:''القصة برمزيتها تهدف إلى توضيح مخاطر القمع النفسي والاجتماعي في أية مجموعة بشرية بدءأً بالأسرة، لابد أن ننبه إلى أن شعلة الحياة قوية ولا تنتهي إلا بالموت، وحينما تكثر الممنوعات في المجتمعات المنغلقة، فإن الأمر يؤول حتماً إلى الثورة عليها''·
أما السينوغرافيا فقد اعتمدت بالأساس على أن جميع الفصول والمشاهد تدور في فضاء واحد، وهذا بحكم طبيعة المسرحية؛ إذ يتحول بيت بيرناردا الفخم إلى سجن كبير للبنات الخمس، أسواره عالية وأبوابه الحديدية مُغلقة ليل نهار والنوافذ مُزوَّدة بقضبان غليظة، وقد اعتمد المخرج إضاءة خافتة تعبِّر عن مشاعر ونفسيات البنات الخمس اللواتي انقلبت حياتهن جحيماً بعد وفاة الأب، وكان أداء الممثلات الشابات وخاصة منيرة روبحي''أتيلدا'' قوياًّ معبراً· لكن مع هذا النجاح الذي حققه العرض إلا أن الجمهور تساءل مجددا عن سرِّ اللجوء مجدداً إلى الاقتباس من نصوص عالمية، وهل كان ضرورياً ''استعارة'' قصة لوركا التي تتناول الريف الإسباني في الثلاثينيات لإسقاط ذلك على ما يحدث الآن في بعض الأرياف العربية؟ أليس في نصوص الكتاب الجزائريين والعرب ما يغني عن الاستعانة بنصٍّ اسباني لمعالجة قضية حسَّاسة تعيشها أريافنا المحافظة؟!

اقرأ أيضا

اليوم.. آخر محطات المرحلة الثانية من «أمير الشعراء»