الاتحاد

تقارير

تهديد أوروبي: تجميد عقوبات إيران!

التهديد الذي أعلنه مسؤولون في الاتحاد الأوروبي هذا الشهر بأن أوروبا تعتزم إحباط أي محاولة من جانب الولايات المتحدة لإعادة تفعيل العقوبات ضد إيران، يدل على يأسهم من محاولة منع الرئيس دونالد ترامب من التخلي عن الاتفاقية النووية مع إيران في شهر مايو المقبل. إلا أن ارتباطهم الوثيق بالنظام المالي للولايات المتحدة، وهو ما تعرفه البنوك الأوروبية حق المعرفة، يعني أن على الاتحاد الأوروبي أن يستجيب لطلبات ترامب، إما بتأكيد الالتزام بالاتفاقية، أو أن يكون الأوروبيون مستعدين للانصياع لإعادة العمل بالعقوبات الأميركية ضد إيران.
وكان آخر تصريح ناري أطلقه «دينيس شايبي»، رئيس قسم إيران في «إدارة العمل الخارجي الأوروبي»، يعكس التهديدات التي سبق أن أطلقها سفير الاتحاد الأوروبي في الأمم المتحدة «ديفيد أو سوليفان»، بأنه إذا حاولت أميركا إعادة فرض العقوبات الإضافية على إيران، فإن الاتحاد سيعيد العمل بإجراءات الحظر التي كانت معتمدة في أعوام التسعينيات، والتي تأمر الشركات الأوروبية بعدم الإذعان لقرارها.
وليس مما يثير الدهشة أن المؤيدين للاتفاق مع إيران في الولايات المتحدة يستغلون هذه التهديدات الأوروبية ويعتبرونها دليلاً على أن الاتفاق وجد ليبقى حتى لو اتخذت الولايات المتحدة قراراً برفضه. وعندما سُئل هؤلاء عن السلوك الذي ستتبناه الشركات الأوروبية والآسيوية لو أن ترامب أعاد العمل بالعقوبات المفروضة على إيران، قالت 4 في المئة فقط من الشركات بأنها ستتجاهل تنفيذ تلك العقوبات.
وفي عام 1996، أقرّ الكونجرس قانون العقوبات المفروضة على إيران وليبيا، وهو القانون الذي يمنع كل الكيانات الأجنبية من العمل في قطاع الطاقة في إيران. وردّت أوروبا على هذا القرار بإصدار تصريح يقضي بمقاطعة الإجراءات الأميركية، وهددت باتخاذ تدابير ضد الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية.
وفي تلك الفترة، أخذت الولايات المتحدة التهديدات الأوروبية على محمل الجد بسبب الطريقة التي كانت تصدر بموجبها القوانين. وكان الرئيس بيل كلينتون قد أقرّ العمل بسلسلة من العقوبات المخففة ضد إيران سمحت للشركات الأجنبية بتجاهلها، من دون أن تتعرض لضرر يُذكر. وفي ذلك الوقت أيضاً، كان التطور الإيجابي للتجارة الأميركية مع إيران يفوق بكثير الضرر الناتج عن العقوبات المفروضة عليها. وبسبب المشاكل المالية، قرر كلينتون التراجع عن تلك العقوبات.
إلا أن كل ذلك تغير في عام 2010 عندما أقرّ الكونجرس قانوناً جديداً يمنح أميركا قوة استثنائية ضد دعاة التعامل التجاري مع إيران في العالم أجمع. وخاصة من خلال فرض العقوبات المالية على تلك الأطراف. وبعد سنوات من تصنيف معظم المؤسسات المالية الإيرانية في القائمة السوداء بسبب تورطها في العديد من أنواع النشاطات غير القانونية، أدرك الكونجرس أن الحاجة تقتضي أيضاً معاقبة «الأطراف الثالثة» بسبب تعاملها مع هذه المؤسسات الإجرامية. ومن ثمّ، فقد حذّر الكونجرس من أن أي بنك أجنبي يقيم علاقات مشتركة مع البنوك الإيرانية سوف يُمنع من إقامة علاقات تعاون مصرفية في الولايات المتحدة.
وفي عام 2011، عززت الولايات المتحدة عقوباتها بحيث شملت حظر التعامل مع البنك المركزي الإيراني. وفي عام 2012، وسعت من دائرة عقوباتها لتشمل قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني.
وإذا قرر ترامب إعادة تفعيل تلك العقوبات من جديد، فهذا يعني أن البنوك حول العالم ستتعرض بشكل مفاجئ لخطر فقد حسابات المراسلة الخاصة بها في الولايات المتحدة. وهذه المرة، ستكون الأضرار المترتبة على العقوبات الأميركية أكبر بكثير من العوائد المترتبة على التجارة مع إيران. وهذا يطرح التساؤلات عما سيحدث لو اقترب الموعد الذي حدده ترامب وبقيت أوروبا غير راغبة بإعادة النظر في الاتفاقية النووية مع إيران أو ربطها بشرط التوقف عن تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني، أو رفض إيران قيام المفتشين الدوليين بتفتيش المواقع العسكرية. فإذا تخلى ترامب عن الاتفاقية، فسوف يعني ذلك العودة الفورية للعمل بأشد العقوبات قسوة ضد إيران.
وفي الوقت الذي يأمل فيه الدبلوماسيون في بروكسل أن يتراجع ترامب عن موقفه، فإن البنوك بدورها لا ترغب الانخراط في هذه المخاطرة. ويمكن لحكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا أن تساعد على تجنب هذه الأزمة المحتملة باتباع نهج مدروس بعناية حول طريقة التعامل مع الاتفاقية النووية مع إيران. وربما تؤدي معارضة أوروبا لفكرة إلغائها أن تضمن تجنب حدوث أزمة كبرى على ضفتي الأطلسي من دون أن يؤدي ذلك إلى انتهاك بنود الاتفاقية خلال العديد من السنوات المقبلة. كما أن توجيه الطلب بالتحقق من الامتثال الإيراني لتلك البنود من خلال زيارات المفتشين للمواقع العسكرية الإيرانية يمكن أن يعتبر خطوة لتقوية الأسس التي تقوم عليها الاتفاقية بدلاً من إلغائها. ويضاف إلى ذلك أنه ليس ثمّة أيضاً بند في الاتفاقية يمنع أوروبا أو الولايات المتحدة من إعادة فرض العقوبات ضد أي من الكيانات الإيرانية المنفردة بما فيها البنك المركزي، لكن بشرط ألا تكون تلك العقوبات بسبب النشاط النووي.

عن دورية «فورين بوليسي»
*كبير المستشارين في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا