تقارير

الاتحاد

مؤشرات تعزز التعافي الأميركي

قبل إسباغ عبارات التقدير والإعجاب على التقرير الصادر يوم الجمعة الماضي في أميركا حول اتجاهات سوق العمل، والتي كانت إيجابية ومشجعة، لابد من الإقرار أولاً بأن الأمر كان متوقعاً في ظل التحسن الواضح والملموس في أداء الاقتصاد الأميركي الذي اتضحت قدرته على خلق وظائف جديدة بعد استعادته لما يقارب من ثمانية ملايين منصب عمل كان قد فقدها بسبب الأزمة المالية، لكن ما لم نكــن نعرفه هو الجـواب عن سؤال الأجور، وهو السؤال عن كيف ومتى، وما إذا كانت بالفعل ستخرج من مرحلة الجمود الممتدة، لاسيما وأن صعود معدلات الأجور كان غالباً ما يتزامن مع ظهور وظائف جديدة فـي سوق الشغل.
والحقيقة أن ذلك السؤال المتعلق ليس فقط بتراجع البطالة، بل أيضاً بمعدل الأجور، ينطوي على أهمية قصوى بالنسبة للاقتصاد ومستقبل الفوارق الاجتماعية، وأيضاً السياسة التي سيقدم عليها الاحتياطي الفيدرالي.
فقد أكدت البيانات الصادرة صبيحة يوم الجمعة الماضي أن ماكينة خلق الوظائف في أميركا ما زالت قوية بعدما وفرت ما مجموعه 257 ألف فرصة عمل جديدة خلال شهر يناير، متجاوزة بذلك توقعات السوق، بل الأكثر من ذلك أعيدت مراجعة أرقام الشهرين السابقين بإضافة 147 ألف وظيفة إلى ما تم الإعلان عنه قبل ذلك، وإذا كان معدل التشغيل قد ارتفع بنسبة 5.7 في المئة.
فإن السبب يعود في جزء كبير منه إلى تحسن مشاركة القوة العاملة بانخراط العاطلين في إعادة البحث عن العمل، والأهم من ذلك أن هذه الأخبار الجيدة لم تقتصر على خلق وظائف جديدة، بل امتدت إلى ارتفاع أجور العمال في الساعة خلال شهر يناير المنصرم، ولو استمرت فترةً أطول فإن ذلك سيكون مؤشراً آخر على تحسن أكيد في سوق العمل ووصول هذا التحسن العام في الأداء الاقتصادي إلى جيوب المواطنين الأميركيين.
أما فيما يتعلق بالتداعيات الأشمل لهذه المؤشرات الإيجابية على مجمل الاقتصاد، فيمكن تلخيصها في الآتي: تؤكد بيانات شهر يناير أن الاقتصاد الأميركي يواصل تعافيه على نحو أشمل وأوسع.
وهو أمر أساسي لتثبيت تعاف دائم يشجع على نمو أقوى وفي الوقت نفسه يوقف الفوارق الكبيرة في الدخل.
ومع عدم ظهور عوامل داخلية تثبط عملية التعافي، مثل انخراط الكونجرس في تعطيل العمل الحكومي، ورفض رفع سقف الدين العام كما حدث في السابق، فإن ما يجب أن يشغل اهتمام المسؤولين هو الاضطرابات الخارجية، خاصة التباطؤ الاقتصادي المستمر في أوروبا والتوترات السياسية والجيوسياسية هناك.
لكن حتى تحث الولايات المتحدة خطواتها نحو تعاف اقتصادي تام وتحويله إلى وضع دائم، عليها بذل المزيد من الجهد لتعزيز معدل النمو. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى مجموعة من المبادرات الإيجابية التي جاء بها مقترح الموازنة الذي طرحه أوباما الأسبوع الماضي، وإن كان من غير المرجح أن تجد ما يكفي من التأييد في الكونجرس لإجازتها.
هذا ناهيك عن تداعيات هذه الأرقام الإيجابية على السياسات التي سيتخذها الاحتياطي الفيدرالي، حيث من المتوقع أن يشرع في رفع متدرج ومدروس لسعر الفائدة خلال الشهور المقبلة.

محمد العريان *
*مستشار اقتصادي بمركز «أليانز» للدراسات والرئيس السابق لمجلس التنمية الدولية الذي أنشأه الرئيس أوباما
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا