الاتحاد

دنيا

ذَهَب مع الذّهب

سمعته السيئة وتاريخه المشين وسلوكه غير المشرف، جعل الناس ينفضون من حوله ولا يقبلون على التعامل معه ويتجنبون شروره وكأنه أجرب يخشون أن يصيبهم أو نافخ كير يبتعدون عن نيرانه المحرقة التي تتطاير في كل اتجاه فهو لا يراعي قرابة ولا حقوق جيرة ولا يعرف الفارق بين الحلال والحرام حكاياته معروفة للجميع فهم يعيشون في منطقة شعبية بالمدينة تتسم بطابع القرية، المساكن متجاورة والجميع يعرفون بعضهم تماما وتربطهم علاقات الرحم والمصاهرة ومنذ أن خرج مرسي من السجن قبل عدة أشهر لم يجد أي عمل، ولم يقبل أحد عليه ولا يتردد زبون على ورشته، وما كان ذلك إلا تجنبا للسانه السليط وتصرفاته الوضيعة، فهو يضع قدميه فوق المقعد الذي يجلس عليه وسط الشارع أمام ورشته ويتباهى بتاريخه الأسود وحماقاته ويهدد الجميع بأنه من أرباب السجون والسوابق، وشعاره «السجن للجدعان» فلا يخشى الزنازين ولا السجانين ولا يخاف الظلام ولا الوحدة وليس لتقييد الحرية عنده أي اعتبار فلا ينجو طفل في الشارع من غلظته ولا رجل من كلماته الجارحة، ولا امرأة من عباراته الخادشة للحياء ولا أحد يريد أن يتصدى له والجميع يؤثرون السلامة ويسيرون في حال سبيلهم.
أبناء المنطقة يعرفون أن مرسي رغم أنه ما زال شاباً لم يتجاوز الخامسة والعشرين بعد فإنه صاحب سجل حافل بالجرائم من سرقات ونشل ومشاجرات وإصابات وهو من أطفال الشوارع حيث ترك المدرسة في الأيام الأولى، وتوفيت أمه وتربى يتيماً ولم يستطع أحد أن يسيطر عليه، تمرد وفعل الأفاعيل وألقي القبض عليه بتهمة التشرد وتم إيداعه دار الأحداث لعدة أشهر فخرج منها أكثر تشرداً وتمرداً، وصادق أمثاله ممن يدخنون السجائر في طفولتهم المبكرة ويسرقون للأنفاق عليها وعلى احتياجاتهم وتطاردهم الشرطة في كل مكان لكنهم مثل الزئبق يعرفون كيف يهربون وألقي القبض عليه عدة مرات وتحررت له المحاضر والمخالفات، ويتم احتجازه في أقسام الشرطة والنيابات والتحقيق معه بالساعات ومرة يخلى سبيله ويحبس مرات وتصدر ضده الأحكام بالحبس ويتخفى هنا وهناك في الأوكار التي يعرف دروبها وأماكنها، ولكنه لا يفلح في كل مرة ويسقط ويتم اقتياده إلى السجن لتنفيذ الأحكام الصادرة ضده، وهو في محبسه كان شخصية فريدة في كل شيء، حتى أنه الوحيد الذي لا يزوره أحد خلال السنوات التي قضاها خلف الجدران كلها، واستمرت هذه المقاطعة بعد خروجه لأنه استمر في غيه وعناده وانحرافه، ورفض التوبة وضاقت عليه الدنيا بما رحبت بل هو الذي جعلها تضيق عليه، وأصبحت جيوبه خاوية يجد قوت يومه بالكاد، وهذا جناه على نفسه ولم يجنه عليه أحد.
عاد مرسي الليلة إلى منزله خاوي الوفاض لا يجد ثمن علبة السجائر التي التقطها من صاحب محل البقالة الذي يعرفه إلى حين ميسرة، يفكر في سبيل للخروج من أزمته التي يعرف أسبابها لكنه لا يريد أن يتخلى عما هو فيه ويرى أنه من المميزات وبعدما قضى عدة ساعات وجد نفسه غير قادر على البقاء وحيداً وارتدى ملابسه وتوجه نحو بيت أبيه، كانت زوجة أبيه في استقباله وهي تحسن لقاءه دائما وتحاول أن تعوضه عن فقد أمه، ولم تيأس طوال هذه السنين من إصلاحه فهي امرأة طيبة رقيقة وهو يحترمها ويرى انه عاق لها خاصة برفضه نصائحها، غير أنه أسير لما شب عليه، رحبت به كعادتها وقدمت له الطعام، واستمعت لشكاواه وهي تخفف عنه آلامه وتبعث في نفسه الأمل بالفرج وطلبت منه أن يصبر وفي النهاية أخبرته أنها في حاجة إليه في الغد ليصطحبها لزيارة صديقتها في نفس الشارع الذي تقيم به، ذهب معها وعندما طرقت الباب فتحت هذه المضيفة، فتاة في العشرين عليها مسحة جمال طفولي، لم تؤثر عليها الإعاقة التي تعانيها في يدها وساقها، وتبدو ظاهرة في تحركاتها وقعت عيناه عليها لكن لم يجذبه جمالها الساحر ولا براءة وجهها، وإنما بريق الذهب اللامع الذي سطع في عينيه، كأنه صدمة كهربائية ودخل هو وزوجة أبيه تسبقهما التحية والترحاب من المرأة الجميلة التي توجهت تعد لهما المشروبات وواجب الضيافة، بينما جاءته المعلومات من زوجة أبيه عنها وكيف أنها تعاني في حياتها منذ وفاة أبيها وهي من قبل مصابة بهذه الإعاقة لكنها أقوى منها، وسبق لها أن تزوجت من عامل لم يقدر قيمتها ولم يؤد حقوقها وبعد عدة أسابيع قليلة كانت العشرة بينهما مستحيلة وطلبت منه الطلاق لأنه لم يكن بينهما أي معروف فرفض محاولا إذلالها، مما اضطرها لاتخاذ قرار وتصرف لا تريده وتوجهت إلى محكمة الأسرة وأقامت دعوى خُلع وحصلت على الحكم في أول جلسة، وعادت إلى بيت أمها تقيمان وحدهما في هذه الشقة، يزورهما أخوها الوحيد المتزوج الذي يقيم في منطقة أخرى.
وجاءت المرأة تحمل الشاي فقام «مرسي» بشهامة مصطنعة ليحمله عنها وهو يتفحص يديها ورقبتها المكسوة بالحلي وأيضا يلقي نظرات كانت عنده ذات مغزى.
انتهت الجلسة وعاد مرسي مع زوجة أبيه إلى بيته، ولكنه في قرارة نفسه لا يفكر إلا في شيء واحد وهو الخلاص من أزمته المالية ولابد من الحصول على هذه المجوهرات بأي شكل وبأي طريقة ولم يضيع وقتاً في التخطيط والتنفيذ، ودراسة الموقف برمته وكيفية الابتعاد عن الشبهات أربعة أيام كانت كافية لمعرفة كل التحركات ففي الصباح الباكر تخرج الأم وتظل المرأة وحدها نائمة وبالفعل تسلل حتى وصل إلى الشقة بخبرته اللصوصية القديمة وتمكن من فتح الباب دون أن يدري أحد من الجيران ودون أن تستيقظ هذه المرأة وسار على أطراف أصابعه حتى غرفة نومها، الجو البارد جعلها تخفي وجهها وتغط في نوم عميق، حدد مكان رقبتها من فوق الغطاء أطبق عليها بكلتي يديه بقوة، وهي الفتاة المعاقة الضعيفة لم تستطع المقاومة كثيرا وهي مشلولة الحركة بجسده ويديه والغطاء الثقيل الذي كان عليها إلى أن هدأت وسكنت وفاضت روحها وتأكد من خروج آخر نفس بلا عودة، وجردها من كل مجوهراتها وسرق هاتفها المحمول، وخرج متسللا أيضا على طريقته واتجه إلى صديقه الذي كان زميلا في السجن وتعرف عليه هناك وأخبره بالجريمة وأودع لديه المسروقات على سبيل الأمانة حتى تهدأ الأمور ويكف البوليس عن البحث.
بعد ثلاثة أيام توجه إلى صديقه يطمئن على الغنيمة لكنه فوجئ بما لم يكن في الحسبان، لقد طمع فيها واستولى عليها وقدمها هدية لخطيبته لإتمام زواجهما، وهكذا اصبح «مرسي» بعد هذه الخسارة قاتلا بلا أجر، فقد هدده صديق الزنزانة بعدم فتح فمه وإلا فإنه سيبلغ الشرطة فأضطر مرسي لحبس لسانه في فمه وهو يتحسر ألما، ولم يكن صباح اليوم الرابع قد طلعت شمسه حتى فوجئ برجال المباحث يلقون القبض عليه ومعهم الأدلة ليعود إلى السجن ولكن هذه المرة بلا خروج فالعقوبة تصل إلى الإعدام

اقرأ أيضا