الاتحاد

دنيا

السقوط في فخ امرأة

حياتي كلها مرتبكة وتصرفاتي فوضوية ولا اهتم بدراستي بقدر ما يحقق لي النجاح والانتقال للعام الدراسي التالي وليست لي أمنيات ولا أهداف والمهم أن يمضي اليوم والأسبوع والشهر والسنة، ولا تهم النتيجة ولا احسب ماذا حققت وكل الأوقات عندي متساوية ولا علاقة لي بالهموم أو المشاكل، بعض من حولي كانوا يشجعونني على هذه الأوضاع، ويعتبرونها تمرداً مطلوباً على الواقع، وكسراً للروتين الذي يغرق فيه الناس وهؤلاء المؤيدون يرونني بطلاً استطاع أن يقفز فوق الصعاب ويفعل ما عجزوا عنه فعله، وفي نفس الوقت هناك آخرون يرفضون ما أنا عليه ويرونه تهاوناً وجنوناً واستهتاراً، إلا أنهم غير قادرين على مواجهتي والتعبير صراحة عن رؤيتهم ووجهات نظرهم لأنني سأرد بعنف وأرفض الوصاية والتدخل في شؤوني، ففي النهاية لا فرق بيني وبين أقراني، حصلت مثلهم على مؤهل، وتفوقت دراسياً على بعضهم، وما عدا ذلك فكلنا متساوون وأما قصص الحب التي يرددونها ولم يكن لي منها نصيب، فقد كانت كلها مشاعر مراهقة، وأحاسيس مزيفة أو خيالية وغير حقيقية، وكل هذه القصص كانت إلى زوال وأستطيع أن أقول إنهم جميعا عاشوا الوهم، كذبوا وصدقوا الأكاذيب، فلم يتزوج أي منهم من أحب، بل أصبح كل ذلك من الماضي وفي خبر كان وإما يبكون عليه أو يسخرون من انفسهم لذلك أواصل أسلوبي المتفرد الذي أجدني مقتنعا به تماما، وأصبح سمة شخصيتي، ولا أعتزم تغييره حتى عندما بدأ عمري يقترب من الثلاثين، وإن كانت هنا بعض الاختلافات التي بدأت في الظهور، فأقراني تزوجوا وأنجبوا واستقروا بحياتهم، وأنا أيضا أراني مستقرا ولكن بلا زواج لأنني أرفض أن تتحكم امرأة في حياتي، وأنا أكره القيود وكنت خلال السنوات الأخيرة متعدد العلاقات النسائية البريئة بحجة البحث عن عروس ولكن تنتهي العلاقة لأن الفتاة تبدأ وضع قائمة من الشروط والمطالب لكي توافق على الارتباط بي، وكأنني كنت أسمع اسطوانة مسجلة، فكل منهن تكرر نفس الكلمات والعبارات ولا تتنازل عن شيء منها بل وترفض مجرد مناقشتها ومن البديهي أن أرفض هذا، فلا درهم عندي ولا دينار.

جميلة ومختلفة
أشجان كانت مختلفة عن كل اللاتي عرفت وتعاملت معهن، جميلة رغم أنها بدينة وخفيفة الظل لا تفارق الابتسامة محياها، واسعة العينين وجدتني ألتقي بها وأتعامل معها بمحض الصدفة وكنت أعبث بتلك الخصلات البيضاء في مقدمة رأسي والتي كانت تجذب انتباه كل من يراني ويتعامل معي لأول مرة، بل وربما يبدأ معي الحديث عنها ويبادرني بسؤال تعودت عليه ما هو سبب هذا الشيب الغزير في هذه البقعة، فأجدني اختلق الحكايات والأساطير وأروي الخرافات التي تبدو شيقة لكن من الواضح أنها على صلة بألف ليلة وليلة، وبعيدة عن الواقع تماما بينما كانت سبباً في تحقيق الألفة بيني وبين الآخرين بسرعة، ومنهم أشجان التي تسببت علاقات العمل في تكرار اللقاءات بيننا، لمست منها ميلاً نحوي، يعني بدأت تحبني وربما أعجبتها شخصيتي الفوضوية تلك وعدم التوقف أمام الهموم والمشاكل، أما أنا فلم يتعد الأمر مجرد الإعجاب بأنثى بهذه المواصفات وضربت على أوتار قلبها، وادعيت أنني أبادلها نفس المشاعر معتمداً على تجاربي السابقة مع الفتيات، وأنها سوف تفر عندما تعرف كل ظروفي وطريقة تفكيري وأنني صفر اليدين، خاصة وأنني لا أخادع في هذه الأحوال وأكون صادقاً إلى أبعد الحدود، لأنه إذا كان الكذب ينجي فإن الصدق أنجى، وهو هنا وسيلتي الآمنة في الخلاص من الفخ، بل وربما أكون بعدها منتصراً وأنا اخرج من التجربة بلا خسائر وأن كنت أرتدي ثوب الضحية لأجعل الفتاة تتوهم أنها هي التي خدعتني وتخلت عني وأنا في تلك الظروف.
ولم تفلح هذه التمثيلية مع أشجان فعندما وصل بنا الأمر إلى المفاتحة في الزواج، النتيجة الطبيعية لهذه العلاقة أيقنت أننا كالعادة وصلنا إلى نقطة النهاية ورحت استعد لإخبارها بالحقائق مجردة بأنني تحت الصفر بل لا أدري إن كنت سأصل إليها ثم أبدأ حياتي مثل الآخرين وأعتقد أنه لن يحدث، فلا طموح لي اكثر مما أنا فيه، وكما ذكرت لا أحب تحمل مسؤولية أسرة وزوجة وأبناء ومطالب ومدارس وتعليم وملابس وأدوية، فأنا في غنى عن هذه الأوجاع التي ينشدها البلهاء ويخططون للوقوع فيها، وها أنا أيضا أقع في الحفرة التي حفرتها بنفسي، واسمع كلمات مغايرة، مغلفة بابتسامات أشجان الطبيعية المتصلة، تقول بالحب نصنع المستحيل، يدي في يديك نحقق الأحلام، لنبني معا بيتا مشتركا، نستغل جهدنا وشبابنا أود أن استمتع بتقدمنا ونجاحنا معا، فلست من هؤلاء الفتيات اللاتي يردن فيلا وسيارة ورصيدا في البنك وخادمة، سأتحمل عنك مهام التخطيط والتنفيذ والتدبير وعليك أن تطيع ولا تتمرد.

انقلاب في حياتي
في البداية تظاهرت بالموافقة حتى لا تنكشف لعبتي وعندما عدت إلى المنزل فكرت في كلامها جيدا فوجدت فيه خلاصا من الضياع الذي أنا فيه، نعم هو في الحقيقة ضياع وما أفعله هروباً من الواقع المؤلم واستسلاماً للعجز عن بناء بيت وحياة أسرية مستقرة، فما كنت أراه عبثاً هو سر السعادة والدافع للاستمرار في الحياة، لقد جاءتني الحلول على طبق من ذهب ولو ضيعت هذه الفرصة فإنها لن تعود واندم حين لا ينفع الندم.
هنا كانت البداية الجديدة أو الانقلاب في حياتي فقد تم إعلان خطبتي لأشجان بلا أي التزامات أو اتفاقات بيني وبينها أو بين أسرتينا وكأننا نقدم عملاً درامياً سينتهي بعد قليل، في الوقت الذي لم تكن فيه معي أموال ولا أملك شقة ولا أدري كيف سنبدأ لتحقيق كل متطلبات الزواج الكثيرة، ولعلي أصبر حتى أرى ماذا ستفعل لبناء حياتنا وفي البدء كانت فرصة عمل إضافية لي تمكنت من تدبيرها في الشركة التي تعمل هي بها، وفي آخر كل شهر تحصل على مستحقاتي المتغيرة فقط كانت بعدها تخبرني بها دون أن أراها بعيني وتطالبني براتبي من وظيفتي الأساسية إلا القليل لمصروفاتي الشخصية، وتضيف إليها راتبها وبعد عدة أشهر تمكنت من توفير بضعة آلاف من الجنيهات كانت كافية لأن تدفعها مقدماً لشقة تمليك والباقي بأقساط شهرية تولت هي أيضا تسديدها بنفس الطريقة التي تجمع بها دخلنا، تسدد القسط وتدخر مبلغاً آخر ومضى عامان وتوفر معنا مبلغ آخر يصلح لأن يكون مقدماً للأثاث وإعداد الشقة صحيح أن ذلك سيتم بشكل متواضع، لكنه تم وتم زواجنا ونحن مكبلان بالديون ومازلنا مطالبين بأقساط الشقة من ناحية وأقساط الأثاث من ناحية أخرى، حتى أننا لم نسعد بعرسنا كما ينبغي أن يكون خوفاً من هجوم الديون ومذلتها.

ديون ومشاكل
لم يخل الأمر من أن ألوم نفسي واعتبرت أنني تعجلت ووقعت في المحظور ولم تسلم هي من لومي لها فأحرجتني بأنها ستتحمل المسؤولية كاملة ولن تتراجع عن وعودها وستنفذ الخطط التي وضعتها وكانت امرأة قوية قادرة على مواجهة الأعباء والمتطلبات وإدارة الدفة بعزيمة وإتقان وأشهد بأنها نجحت وأوفت بما وعدت بلا مساعدة من أسرتينا، وتمكنت من تسديد أقساط الأثاث ومن بعدها أقساط الشقة حتى بعدما رزقنا بطفلين بحاجة إلى مصروفات إضافية واحتياجات جديدة. اعتقدت أنني تنفست الصعداء وتخلصت من الديون والأقساط وسنبدأ مرحلة جديدة من حياتنا نعيشها ونستمتع بها مثل الآخرين، مع بعض الرفاهية وفعلا بدأنا ولكن في حلقة جديدة من مسلسل الأزمات عندما القت بنا في دوامة ديون جديدة بشراء سيارة بعدما استطاعت أن تقنعني بأن السيارة من الأساسيات ولم تعد من الرفاهية ولا الكماليات، ولابد من تدبير مبلغ بنفس طريقتها لدفع مقدم ثمن السيارة ثم يسدد الباقي على أقساط وتم ما أرادت وإن كانت هذه السيارة مستهلكة واستطاعت هذه المرأة أن تبني لي بيتا ونجحت خططها وإن لم تغير شخصيتي ومازالت على ما كنت من الفوضى والاستهتار وهي التي تدير شؤون البيت وكل ما يخص الأبناء لكنني اكتشفت أنها مع مميزاتها تلك تعدت مرحلة الطموح إلى مرحلة الطمع تريد أن تحصل على كل شيء في الدنيا تأكلها الغيرة من كل من تعرف من قريباتها وزميلاتها.
ما أن تفعل إحداهن شيئاً حتى تريد أن تقلدها وتفعل مثلها أو أفضل منه حتى لو كنا في غير حاجة إليه وهي تحاول أن تغير الشقة والأثاث والسيارة ليس لأنها غير مناسبة وإنما لمجرد تقليد الأخريات وتتحدث لي عنهن كثيراً بشكل يثير حفيظتي وتطور النقاش بيننا إلى المشاجرات وتضطرني كثيراً إلى ضربها وهي تجعل الحوار يتطور إلى هذا التصرف، فليس في مقدوري تحقيق مطامعها غير المعقولة فما تكاد تخرج من ورطة حتى تريدنا أن نقع في أخرى بما يفوق إمكاناتنا، إنها لا تعرف القناعة وحتى عندما هددتها بالطلاق توقفت عن خططها فيما يشبه الهدنة ثم عادت مرة أخرى، وعادت المشكلات حتى كرهت البيت والحياة معها وهي تدمر وتهدم ما بنت

اقرأ أيضا