الاتحاد

دنيا

اليوم العربي لمحو الأمية

يقول الله تعالى في كتابه الكريم : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (سورة العلق الآيات 1-5).
يوافق اليوم الجمعة الثامن من شهر يناير من كل عام، اليوم العربي لمحو الأمية، ونحن في كل مناسبة نبين موقف الإسلام كي يكون القارئ الكريم على بينة من أمره ، فديننا الإسلامي الحنيف الذي أكرم الله البشرية به، دين يدعو إلى العلم، فأول خمس آيات نزلت من كتاب رب العالمين في بدء الوحي على سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم – كانت تتحدث عن العلم، لتؤكد على أهمية العلم وفضله ووجوب تحصيله وطلبه.

لقد كانت أول كلمة في الوحي الإلهي في القرآن الكريم هي لفظ اقرأ ، وبالرغم من أن محمداً – صلى الله عليه وسلم – كان أمياً حين نزول الوحي ، إلا أنه امتثل للأمر الرباني فكلّف أصحابه بالقراءة والكتابة، كما ودعا إلى وجوب تعليم الأبناء والبنات .
يقول الإمام ابن كثير : (فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات ، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم ، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أنه علّم الإنسان ما لم يعلم فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة (مختصر تفسير ابن كثير 3/656).
وعند دراستنا للقرآن الكريم فإننا نجد أنه قد رفع من شأن العلم والعلماء في عشرات الآيات قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (سورة الزمر الآية 9)، وقال تعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (سورة المجادلة الآية 11)، وقال تعالى : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ ?مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (سورة فاطر الآية 28).
أما الأحاديث التي تتحدث عن فضل العلم والعلماء فكثيرة منها قوله-صلى الله عليه ?وسلم- : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (أخرجه الشيخان)، وقال أيضاً : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل ?آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ، ويعلمها (أخرجه الشيخان).
كما وورد عنه –صلى الله عليه وسلم – أنه قال : ( إن العلماء ورثة الأنبياء - أي : في تبليغ شريعة الله للناس – وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذ به? أخذ بحظ وافر (أخرجه أبو داود والترمذي) وقال أيضاً: “ إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، وحتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير” (أخرجه الترمذي).
كما وأطلق الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم - سراح أسرى بدر مقابل تعليمهم عدد من أبناء المسلمين القراءة والكتابة .
والإسلام لم يجعل للعلم سناً معيناً فهو من المهد إلى اللحد، ولا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، والعلم بدون تقوى لا يساوي شيئاً ورحم الله القائل :
ولو كان للعلم من دون التقى شرف ...لكان أشرف خلق الله إبليس
كما وبين الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – منزلة العلم والعلماء في كثير من أقوالهم ووصاياهم فمن ذلك ما أثر عن الإمام علي – رضي الله عنه وكرم الله وجهه – قوله : (العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزيد بالإنفاق).
كما و حث الإسلام أبناءه على الاجتهاد في تحصيل العلم فقال – عليه الصلاة والسلام - : ?(من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) (أخرجه أبو داود والترمذي) ، وقال أيضاً: (من خرج في طلب العلم ، فهو في سبيل الله حتى يرجع) (أخرجه الترمذي)، ونحن هنا نوجه نداء لأبناء الأمتين العربية والإسلامية بضرورة المسارعة في تحصيل العلم والمعارف المختلفة ،حتى يخرجوا من حالة الضعف التي نخرت عظامهم، والوهن الذي أضاع مجدهم، كما قال الشاعر:
لقد كنا وكان الناس في الزمن الخوالـي
طلاب علم عندنا إن في الجنوب أو الشمال
يتتلمذون على حضارتنا كتلمذة العيال كما يجب علينا نحن المسلمين الأخذ بزمام العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد، حتى نستعيد مجد أسلافنا الأوائل. إن التوجه من المسلمين في هذا الأيام في إشادة دور العلم والمعاهد والجامعات المختلفة، ?ليدلُّ دلالة واضحة بأنهم قد أخذوا في العودة إلى الأصالة ، إلى المقومات الإسلامية الكفيلة بنهضة ??الأمة من جديد .
لقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – طلب العلم النافع فريضة على كل مسلم، ذكراً كان أم أنثى، حيث يقول عليه الصلاة والسلام : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) (أخرجه ابن ماجة)، مع العلم أنّ منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية .
وانظر إلى قوله – صلوات الله وسلامه عليه – “طلب العلم” لتعرف لماذا أجهد المسلمون أنفسهم في طلبه، ولماذا بحثوا عنه في كل مكان ولم يجدوا حرجاً في أخذه من أي وعاء خرج، ولماذا اتجهت أمة الإسلام بعد عصر الراشدين، الذي فتح على الإسلام قلوب الناس، تنفتح على العالم من حولها، تتلمس كل علم ينفع الناس ، حتى رأينا العلماء المسلمين في شتى المجالات كالفارابي، والكندي، وابن الهيثم، وابن سينا، وابن النفيس، وابن خلدون وغيرهم ممن ملأوا طباق الأرض علماً .
فهذه دعوة لأبناء الأمتين العربية والإسلامية بأن يقبلوا على العلم، رغم الظروف الصعبة المحيطة بهم ، فيجب ألا يقف الفقر أو بعض العوائق حائلاً دون التعليم، فالعلم بحاجة إلى التضحية والصبر على نوائب الدهر، حتى يحصل الإنسان بجده واجتهاده على ما يصبو إليه.
- فالقاضي أبو يوسف كان فقيراً، فأصبح قاضي القضاة في عصر هارون الرشيد .
- و أبو تمام كان يسقي الماء في مسجد بني أمية ثم أصبح شاعراً كبيراً وأديباً .
- والجاحظ كان يبيع السمك ثم أصبح أديباً كبيراً .
- والإمام الغزالي كان يتيماً فأصبح إماماً جليلاً .
ومن هنا نرى لزاماً على الجميع كل في موقعه، ضرورة التعاون من أجل مساعدة الطلاب الفقراء من أبناء الأمتين العربية والإسلامية في دفع رسومهم الجامعية، وما أجمل أن نرى التعاون والرحمة والمحبة تخيم على مجتمعاتنا، حتى نُيّسر لهؤلاء المتفوقين والمجدين سبل إكمال تحصيلهم العلمي.
فبالعلم ترتقي الأمم ، وبالعلم يحيا الإنسان ، وبالعلم تتطور الشعوب ، وبالعلم ينتصر الحق على الباطل ، وبالعلم ينتصر المظلوم على الظالم ، لأن العلم نور ، والله نور السموات والأرض .

الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك


www.yo sefsalama.com

اقرأ أيضا