أرشيف دنيا

الاتحاد

الكسكسي المغاربي.. حين يقول القمح كلمته على المائدة

الكسكسي يتألق بلمسة عصرية حديثة

الكسكسي يتألق بلمسة عصرية حديثة

يعتبر الكسكس أو الكسكسي طعاما مغاربيا شائعاً جداً، بل يعتبر الطبق الأبرز في شمال أفريقيا وفي بعض المراجع العربية ورد اسمه “كسكسو”، وهي كلمة مشتقة من الكلمة البربرية “سكسو” التي ما زالت تستعمل حتى اليوم لدى المغاربة، فقد اختلفت المسميات لكنها لطبق واحد يعد من أعرق الأطباق في شمال أفريقيا من غرب مصر إلى جزر الكناري مرورا بمالي والنيجر وهو أكلة وطنية في بلاد المغرب العربي، وتم نقله إلى إيطاليا وفرنسا والبرازيل ?كما انه طبق أمازيغي عريق يعود لمئات السنين ويرجع المؤرخون تاريخه إلى فترة ما بين 238 و149 قبل الميلاد.


يُصنع الكسكسي من دقيق القمح والسميد، لذا تفوق قيمته الغذائية الدقيق الأبيض الناعم الذي فقد غالبية العناصر الجوهرية بسبب ذهاب قشرة حبوب القمح التي تتركز فيها المواد الحيوية من فيتامينات ومعادن، كما أن الكسكسي غذاء سهل الهضم شرط عدم إشباعه بالسمن. وذكر المؤرخ شارل اندريه جوليان الكسكسي في كتابه “تاريخ شمال أفريقيا”: “اشتهر الأمازيغ في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم، والواقع أن الذين لا يزالون إلى اليوم يثبتون هذا (التبذير المريع للأنفس البشرية) هم من طينة ممتازة وقد كانوا قنوعين ونباتيين في غالب الأحيان وقد كان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ العهد الروماني”.
مكونات الكسكسي
يتكون الكسكسي من السميد وطحين القمح “ذرة أو شعير” وماء وملح ويتم تحضيره عبر دمج السميد والطحين مع رشه بالماء أو الزيت وقليل من الملح وبرمه أو فتله باليد إلى أن يتحول السميد إلى كريات صغيرة منفصلة لا تلتصق، ثم يمر بغربال تكون ثقوبه واسعة، وبعدها يتم إضافة الزيت حتى لا يتعجن أثناء طهيه أو أثناء تبخيره، وهو يباع في أكياس جاهزة أو يعد منزليا ويحتاج ذلك لإتقان ومهارة، وهناك نوع سريع التحضير يعد في مجرد خمس دقائق بعد مزجه بالماء الساخن، ولكن هذا النوع من الكسكسي يثير سخرية ذواقة الطعام المغاربيين التقليديين.

ولإعداد الطبق يلزم ما يلي:
? البرمة: وهي قِدْر خاصة ذات فوهة مقاسها مطابق لقعر الكسكاس.
? الكسكاس: أو (آكسكاس) وهو إناء عادة ما يكون ذا شكلٍ أقرب للكروي، ومثقوب من أسفله ليسمح للبخار الآتي من الإناء السفلي بالصعود إلى السميد المبروم.
? شريط طويل من القماش يسد به الفراغ بين القدر والكسكاس، لحجز البخار ومنع تسربه.
هوية وانتماء
يعتبر الكسكسي طبقا يعبر عن الهوية والانتماء وهو متنوع بتنوع المناطق فالكسكس الذي قد يؤكل في شمال المغرب ليس مثل كسكسي وسط المغرب وليس كما هو في الشرق أو الجنوب حيث أن لكل منطقة ودولة تميزها الخاص في طبخ الكسكس حتى باختلاف الفصول؛ ففي الشتاء يطبخ غالبا بالمرق وفي فصل الصيف غالبا يأكل مع اللبن.
ويوجد الكسكسي بالتفاية “بالبصل والزبيب” وكسكسي برأس الخروف، وكسكسي بالخضار السبع وهو الأشهر على الإطلاق، والكسكسي المدفون، وكسكسي باللحم المجفف أو بالدجاج أو باللحم أو بالسكر والقرفة. ومع إضافات عصرية للكسكسي فوائد صحية جمة فهو غني بالفيتامينات وقليل الدهون كما أنه يعتبر أكلة مفضلة للنباتيين في مختلف أنحاء العالم.
ومن العادات الجاري بها العمل أن كل حي لابد وأن يقدم كل يوم جمعة أطباق الكسكسي في المسجد للمصلين، وغالبا تكون هناك عائلات توارثت هذا العمل أو يتم التعاون فيما بين عائلات الحي أو بشكل فردي فلا يخلو مسجد مغربي يوم الجمعة من الكسكسي، كما أن الكسكسي وجبة تلازم المغاربة والمغاربيين بصفة عامة في أتراحهم وأفراحهم فهو الوجبة الرسمية في الجنازة، وبأطباق الكسكسي تتم الصدقة على روح الميت حيث يرسل للمسجد أو يتم توزيعه في الطرقات أو البيوت، كما يعتبر أيضا الطبق الرسمي في الأربعين للوفاة، وهو الطبق الذي يقدمه الجيران لبيت أصحاب الجنازة، أما في الأفراح فيبقى الكسكسي وجبة حاضرة وبقوة في الأعراس وفي الأعياد الدينية كعيدي الأضحى والفطر والمولد النبوي إضافة إلى مناسبة عاشوراء ورأس السنة الهجرية.
الأهمية الغذائية
? يحتوي الكسكسي على كمية معتبرة من المواد البروتينية (12 جراماً لكل 100 جرام)، غير أنها بروتينات غير كاملة لافتقارها إلى بعض الأحماض الأمينية، لذا تجب إضافة أغذية أخرى لتعوض هذا النقص.
? كل مائة جرام من الكسكسي تعطي حوالي 350 سعرة حرارية، ولكن هذا لا يمنع أن يضاف إلى وجبات الريجيم التخسيسية لسببين الأول هو أنه يمتلك طاقة متوسطة نسبياً، والثاني أنه يمتص كمية كبيرة من الماء تعادل ثلاث مرات حجمه ما يجعل آكله لا يستطيع التهام أكثر من 50 جراماً قبل طبخه، أي ما يعادل 150 جراماً بعد الطهي شريطة عدم إضافة المواد الدسمة إليه لأنها ترفع من الطاقة بشكل كبير.
? يحتوي الكسكسي على كمية عالية من السكريات (حوالي 72 جراماً في المائة جرام)، ولكنها تمتاز بكونها مضادة للجوع لأنها تعبر المعدة ببطء ويتم امتصاصها ببطء أيضاً، الأمر الذي يجعل السكر ينساب إلى مجرى الدم ببطء وانتظام بحيث يبقى مستواه فـي حدود ثابتة، وهذا ما يـبـعد عـن الـشـخص الـرغـبـة فـي اللـجـوء إلى تناول المسليات.
? السكر في الكسكسي أقل منه في الدقيق الأبيض وهذا ما يحول دون تفريغ شحنات فائضة من هرمون الأنسولين التي تساهم عادة في تخزين المزيد من الدهن وبالتالي زيادة الوزن.
? للأسباب السابقة فإن الكسكسي مسموح به لمرضى السكري الذين يميلون عادة إلى تناول المأكولات الدسمة والبروتينية التي تلحق الضرر بجهازهم القلبي الوعائي الضعيف بالأساس.
? الكسكسي طعام مفضل للذين يبذلون مجهودات عضلية، خصوصاً الرياضيين، إذ يسمح لهم بشحن مخازن سكر الجليكوز الضروري جداً لمد عضلات الجسم بالطاقة للمثابرة في تحمل المجهود الطويل الأمد.
? يعد الكسكسي غذاء جيدا بالنسبة إلى الأطفال، لأنه يمدهم بالطاقة اللازمة لمجهودهم الذهني، ويجعلهم يبتعدون عن السكاكر السريعة الامتصاص.
? بالنسبة للكبار الذين كثيراً ما يملكون أسناناً ضعيفة، يعد الكسكسي غذاء ممتازا لهم، لأنه جذاب ويبعث على الشهية، وسهل المضغ.
? يحتوي الكسكسي على كمية ضئيلة من الدهنيات، إلى جانب عدد من المعادن وبعض الفيتامينات، إضافة الى كمية لا بأس بها من الألياف، وإذا أُُكل الكسكسي مع الخضار واللحم فإنه يغدو طبقاً لذيذاً مفعماً بالعناصر الغذائية التي تمد الجسم بكل بما يلزمه من عناصر القوة والحياة.

أسماء مختلفة للكسكسي
يسمى الكسكسي أيضا “البربوشة والنعمة” والكسكسي هو الأكلة الشعبية الأولى لدى بلدان المغرب العربي ويتم تقديمه في المناسبات ويوم الجمعة في وجبة الغداء، وللكسكسي أنواع كثيرة تختلف بحسب اختلاف المناطق، فهناك الكسكسي الأبيض ذو الحبيبات الصغيرة جدا ويستعمل غالبا في المناسبات، وهناك الكسكسي ذو الحبيبات الكبيرة (أكبر من النوع الأول بقليل)، كما يوجد الكسكسي بالشعير ويكون لونه بنيا فاتحا، وهناك (الكسكسي بالبلوط) ولونه بني قاتم، كما يوجد نوع يسمى (المسفوف) ويقدم بالزبيب والحليب، وغالبا ما يكون مرق الكسكسي مطهيا بالدجاج أو اللحم، أما في بعض المناطق الساحلية فيكون مرق الكسكسي بالسمك، ومن أهم المناطق التي تستعمل السمك بن غازي وسيرت في ليبيا، وصفاقس في تونس، وجيجل والقل وتلمسان في الجزائر، ومليلة ووجدة في المغرب.

اقرأ أيضا