أرشيف دنيا

الاتحاد

أفلاج الإمارات.. حكاية صحراء مشى ناسها فوق ماء العزيمة

نظام الأفلاج متأصل في الإمارات

نظام الأفلاج متأصل في الإمارات

الماء... كلمة صغيرة بمضمون كبير... قامت عليها حضارات، وامتد نورها إلى ربوع الدنيا، وملأت العالم حتى كادت تفيض عنه، ولم يسجل التاريخ حضارة قامت إلا في رحاب وجودها، كما كان لها أيضاً دور مؤسس وحاضر في زوال تلك الحضارات واختفائها بعد أن غاب صوت خريرها عن مسامع أهل تلك الديار. منذ قرابة الخمسة آلاف عام شهدت أرض الإمارات مراكز حضارية ثابتة ومستوطنات بشرية ومرافئ كان لها دور كبير في عملية التفاعل الحضاري مع المراكز المتقدمة في منطقة العالم القديم آنذاك، مثل حضارتي وادي الرافدين ووادي السند، وقد أدت هذه المستوطنات والمراكز إلى نشوء ثقافات محلية مع الحضارات المجاورة وتبادلت معها السلع والبضائع، وقد كان للماء الدور الأكبر في نشأة ونمو تلك الثقافات، كما أن بقايا القرى القديمة التي تم اكتشافها والتنقيب في البعض منها مثل تلك المكتشفة في جزيرة أم النار وفي منطقة هيلي بمدينة العين وكذلك في منطقة البدية شمال منطقة الفجيرة وتل ابرك الواقع بين الشارقة وأم القيوين وموقع العصر البرونزي المكتشف في ضواحي مدينة كلباء على الساحل الشرقي، وغيرها من المستوطنات البشرية القديمة.


عماد نصير (العين) - يقول الدكتور وليد ياسين التكريتي خبير الآثار بإدارة الآثار والسياحة بمدينة العين، ومؤلف كتاب «الأفلاج في دولة الإمارات العربية المتحدة»، إن مناخ دولة الإمارات، بل وعموم منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية، جاف ونسبة الأمطار فيه قليلة، ونظراً لعدم توافر الأنهار أو الوديان التي تجري باستمرار، فإن إنسان الإمارات بحث عن البديل فتمكن من الاستفادة من مصادر المياه الجوفية، وطور أساليب استخراجها منذ عصور بعيدة، وللاستفادة من المخزون الجوفي ابتكر أكثر من طريقة استغلال لهذه المياه، أهمها طريقتان رئيسيتان هما البئر و الفلج، وتطلق على البئر محلياً كلمة طوي، أما الفلج فهو القناة التي تشق في جوف الأرض لجلب المياه الكائنة على أعماق متفاوتة من أماكن بعيدة، ومن أنواعها العيني والدواودي، وهناك نوع آخر يسمى الغيل، وهو يستقي من مياه سطحية تجري في العادة في الوديان، وليس من مياه جوفية.
ويضيف التكريتي: تعود أقدم الأدلة المتوافرة حتى الآن عن طرق الري واستغلال المياه الجوفية في دولة الإمارات إلى بداية الألف الثالث ق.م، حيث تم اكتشاف أربعة آبار في ثلاثة مواقع أثرية في منطقة الهيلي بمدينة العين، وجميعها من العصر البرونزي، وتقع البئر الأولى في منتصف بناية يرمز إليها بهيلي 1، بينما توجد بئران أخريان إحداهما أقدم من الأخرى في بناية مشابهة تشغل الجزء الأكبر من موقع هيلي 8، وتقع على مقربة من البناية الأولى ولكنها خارج حديقة الآثار، أما البئر الرابعة فتقع في منتصف البناية الكائنة داخل الحديقة كذلك، ويطلق عليها الموقع رقم «10» وبالرغم من عدم العثور على آبار من العصر الحجري الحديث حتى الآن، فلابد من القول بأنها كانت معروفة كذلك منذ ذلك الزمن، وأن اكتشافها سيتم في يوم ما.

أصل التسمية
يؤكد التكريتي: أن الفلج هي كلمة محلية وعربية كذلك من أصلي سامي، ويقصد بها في بعض الأحيان الجدول الصغير أو النبع، وهو أحد أنظمة الري القديمة التي ابتدعها الإنسان منذ عصور بعيدة، وهو معروف على نطاق واسع في شبه الجزيرة العربية وفي إيران وبلوشستان وأفغانستان وواحات تركستان والعراق وبلاد الشام وأماكن أخرى من العالم، ولم يختلف شكلها قديماً عما هي عليه الآن، لكن اختلفت أعماقها وحجم ثقابها، وكان يستخدم في إنشائها المعول والأزميل وغيرها من الأدوات البسيطة.

أقسام الفلج
ويوضح التكريتي قائلاً: للفلج خمسة أقسام، هي: أم الفلج، وتعتبر المصدر الذي يغذي الفلج بالمياه، وتسمى كذلك «الأمهات» وهي البئر أو مجموعة الآبار التي تغذي الفلج بالمياه، والقناة الرئيسية، أو النفق الذي يحفر في جوف الأرض من الأسفل، ويعتبر الجزء الرئيسي والأصعب في بناء الفلج، والقناة أو الخندق الذي يحفر على سطح الأرض، والذي يعتبر امتداداً للقسم الثاني، والشريعة وهي المكان العام الذي يشاع فيه استخدام الماء لأغراض الشرب، وهي عبارة عن حوض مكشوف كان يبنى من الحجر والطين، ثم القنوات السطحية، وهي المنطقة الكائنة بين الشريعة ومكان الزرع، وتكون في العادة غير مسقوفة، وتتفرع منها عدة فروع تسمى العوامد، تتفرع هي الأخرى إلى سواق صغيرة، وقد يكون للفلج نفسه سواعد، أي فروع إضافية تغذيه بالمياه.

أماكنها بالعين
وعن تاريخ الأفلاج يقول: الفلج الذي ابتكره سكان المنطقة قديماً يوجد منه في الدولة عدد كبير لا يكاد يعرف تحديداً، منها ما جف واندثر ومنها القليل الذي ما زال يعمل وإن كان بعضها يعمل بواسطة تغذيتها بالمياه، وفي مدينة العين وحدها يوجد عدد كبير منها، منها ما هو معروف عند الكثير من السكان ومنها ما اختفى نتيجة عوامل التعرية ولكن للبعض منها آثار لا تزال واضحة على سطح الأرض، ومن الأفلاج المعروفة ( فلج الهيلي، فلج الراكي، فلج الغشابي، فلج المتعلج، فلج الهنيامي، فلج الخزامي، فلج المويجعي، فلج المعترض، فلج القطارة، فلج الجيمي، فلج العيني، فلج الداوودي، فلج المسعودي، فلج الجاهلي، فلج هزاع، فلج مزيد، فلج صاع، فلج وادي الحمام، فلج الحبيب، فلج مدينة ألعاب هيلي). وهناك ما اشتهر أيضاً في الإمارات الشمالية مثل (فلج الثقيبة، فلج فلي، وفلج مليحة، وفلج كدرة، وفلج خضيرة، وفلج الذيد، وفلج المنامة، وفلج السيلة، وفلج الصنابي، وفلج المعلا، وفلج إذن، وفلج مريقبات، وفلج الشارقة) وغيرها، وآخر من عمرها هو المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أشاع مياه الأفلاج وجعلها حقاً لكل الناس.

أشهر الأفلاج
ويضيف محدثنا قائلاً: لعل أبرز الأفلاج الأثرية هو الفلج الذي نطلق عليه موقع هيلي 15، والذي يعتبر أقدم فلج من عصور ما قبل الإسلام في جنوب شبه الجزيرة العربية، وكذلك موقع هيلي 14 الذي يرتبط به ارتباطاً وثيقاً بل ويمكن أن نطلق عليه بيت الفلج، أي أنه ربما كان مركزاً لإدارة الفلج، ويعتبر هيلي 15 الذي اكتشفته إدارة الآثار والسياحة بالعين، والتي تسمى اليوم بإدارة البيئة التاريخية وتتبع هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، دلالة على تأصل هذا النظام في منطقة الإمارات حيث أنه كان قد أنشأ قبل ثلاثة آلاف عام في العصر الذي يسمى بالعصر الحديدي.
وعن التضارب حول نشأتها يقول التكريتي: اعتاد المؤرخون والباحثون اعتبار نظام الري بالأفلاج فارسي النشأة، أدخله الفرس إلى بلاد العرب في عصور ما قبل الإسلام مستندين إلى أنه عرف في إيران منذ أيام الإمبراطورية الفارسية القديمة، وقد أخذ بذلك الدكتور جون ولكنسون الذي يعتبر أفضل من كتب في موضوع أفلاج عمان، ولكن الأفلاج الأثرية القديمة بالعين، جميعها ترجع إلى العصر الحديدي قبل ثلاثة آلاف عام وهي بهذا تكون أقدم من الأفلاج الإيرانية بعدة قرون، وبالتالي يكون الفلج قد بدأ في جنوب شرق الجزيرة العربية، ثم انتقل في وقت لاحق إلى بلاد فارس، وقد كان للفرس الفضل بعد ذلك في نقله إلى مصر ومناطق أخرى من العالم.

اقرأ أيضا