تقارير

الاتحاد

الوساطة بين الصين واليابان

لقد تحول الصراع في بحر الصين الشرقي بين بكين وطوكيو إلى إشكالية كبرى بالنسبة لأميركا، فعلى رغم التطمينات التي يطلقها بعض المسؤولين حول استبعاد نشوب حرب في المنطقة والتبريرات التي تساق في هذا الإطار بوجود مصالح اقتصادية كبرى، إلا أن التاريخ يخبرنا غير ذلك، ولاسيما في ظل غياب قواعد بين البلدين تساعد في حل الأزمة والتعامل معها، فأي خطأ قد يرتكبه أحد الجانبين مثل الإقدام على خطوة غير محسوبة ربما يقود مباشرة إلى الحرب.
والمشكلة أن أميركا المرتبطة باتفاقية مع اليابان تنص على الدفاع عنها في حال تعرضها للاعتداء يحتم عليها الحرص على عدم اندلاع الحرب بين الطرفين لتفادي الانجرار إليها.
فعلى مدى الأشهر القليلة الماضية لعبت كل من طوكيو وبكين لعبة القط والفأر سواء تعلق الأمر في شوارع البلدين، أو في البحر، أو في وسائل الإعلام، وكل ذلك بسبب سلسلة من الجزر الصغيرة وغير المأهولة التي يطلق عليها في اليابان اسم «سينكاكو» وفي الصين «دياويو».
ويعود الصراع حول هذه الجزر إلى عام 1895 عندما ضمتها اليابان إلى أراضيها في حربها مع الصين، ومنذ ذلك الوقت والتوتر لم يخف أبداً بين البلدين حول ملكية الجزر والسيادة عليها ليصل إلى مستوى خطير في السنة الماضية عندما نُظمت مظاهرات حاشدة في شوارع بكين مناوئة لليابان، بالإضافة إلى إرسال البلدين لسفنهما وطائراتهما للاحتكاك على مسافة قريبة من بعضهما بعضاً في مياه بحر الصين الشرقي.
وفي ظل غياب قواعد تحكم العلاقة بين البلدين على غرار ما كان موجوداً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فإن أي حادثة غير مقصودة قد تفضي إلى الحرب.
وقد وصل الأمر إلى تبادل التهديدات عندما أعلنت اليابان أن طائراتها المقاتلة ستطلق النار بالقرب من الطائرات الصينية إن هي اقتربت كثيراً من الجزر وهو ما رد عليه جنرال صيني متقاعد ما زال يحظى بنفوذ داخل الجيش بأن مثل هذا العمل يرقى إلى «الطلقة الأولى» التي تستوجب الرد. بل إن الزعيم الجديد للحزب الشيوعي الصيني، شي جين بينج، حث جيش التحرير الشعبي على «الاستعداد للحرب».
والحقيقة أن ما يجري في الصين من عملية تعبئة وحشد للرأي العام وعودة المشاعر القومية بقوة إنما يندرج في إطار انصراف البعض عن الاهتمام بالمشاكل الداخلية.
فعلى رغم الشعور بالفخر الذي يكنه العديد من الصينيين للإنجازات المتحققة خلال السنوات الماضية، إلا أنهم غير راضين على عدد من القضايا تشمل الفساد المتأصل، وتلوث الهواء بمعدلات كبيرة، بالإضافة إلى حدود حريـة التعبير وانعدام الشفافيـة في النظام القضائـي، وهشاشـة الأمن الغذائـي.
وربما أن الصين أيضاً ومن خلال ممارساتها الأخيرة ليس فقط ضد اليابان، بل أيضاً ضد الفلبين وفيتنام، بإرسال الطائرات والسفن، تريد التأكيد على أن المناطق المتنازع عليها لا تقع تحت سيادة أية دولة.
ولكن في المقابل لا يمكن تحميل المسؤولية كاملة الصين وحدها، إذ تبقى اليابان لاعباً أساسياً في الصراع وتتحمل جزءاً من المسؤولية، فبصعود الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى الحكم عقب الانتخابات الأخيرة صعّد رئيس الوزراء، شنزو آبي، من نبرته ضد الصين، وهو ربما الأمر الذي حدا بمساعد وزيرة الخارجية الأميركية، كيرت كامبيل، إلى التأكيد في زيارته إلى طوكيو في شهر يناير الماضي على ضرورة «تخفيف اللهجة».
والمشكلـة الأخرى فـي الصـراع، أن الولايـات المتحدة لا تملك سجـلاً جيداً في منع الحروب بالمنطقة، فقد كانت أميركا مسؤولة عن مساعدة اليابان في الصعود على الساحة الدولية أوائل القرن العشرين لتظهر عجزاً ذريعــاً أمـام غزوهـا للأراضـي الصينيـة لتفلـت الأمـور عـن السيطـرة وتتطـور إلى الهجـوم علـى أميركـا نفسهـا، وهو ما يدعـو أميركـا اليوم للتوسـط الفعـال بين البلدين لتأسيس قواعد يحترمها البلدان وتمنع اندلاع حرب في المنطقـة.


جون بومفريت
كاتب أميركي متخصص في الشؤون الصينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا