الاتحاد

تقارير

تونس... عثرات على طريق التغيير

في ظل انتشار الاضطرابات في مصر والميليشيات في ليبيا، تميزت تونس عن بقية بلدان «الربيع العربي» بالسلاسة النسبية لتقدمها نحو الديمقراطية.
ولكن اليوم وبعد أيام على غرق البلاد في أزمة جديدة بسبب اغتيال زعيم سياسي، يكافح الزعماء التونسيون للإبقاء على الأمور على سكتها. ذلك أن اغتيال شكري بلعيد، وهو زعيم حزب معارض، دفع الآلاف إلى الخروج إلى الشوارع من أجل الاحتجاج. وفي خضم مشاعر الغضب العارمة، ندد المحتجون بعملية الاغتيال وبالحكومة التي وقع ذلك في عهدها – والتي كان «بلعيد» من أشد منتقديها.
الأحزاب السياسية الرئيسية، يبدو أنها متفقة على الحاجة إلى حكومة جديدة، ولكنها مختلفة حول كيفية تشكيلها، بل إن حزب «النهضة» المتزعم تصادم مع رئيس الوزراء المحسوب عليه بعد أن قال إنه يعتزم استبدال الحكومة الحالية بحكومة جديدة تتألف من تكنوقراطيين.
وبالتالي، يمكن القول إن مستقبل الانتقال الديمقراطي لتونس سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الزعماء على إيجاد طريق مشترك إلى الأمام.
وفي هذا السياق، يقول «جيفري هاورد»، المحلل المتخصص في شؤون شمال أفريقيا بـ«كنترول ريسكس»، وهي شركة بريطانية لتقييم الأخطار : «إذا كانت الأطراف لا تستطيع الاتفاق على حكومة لتصريف الأعمال، فهناك خطر حقيقي لظهور أزمة سياسية وتوقف جزئي في الانتقال الديمقراطي لتونس».
وكانت عملية الانتقال بدأت قبل عامين، عندما قام المحتجون بخلع بن علي بعد عقدين من الحكم العلماني الصارم. ولكن رحيله أطلق حرباً ثقافية في وقت تواجهت فيه عدد من الأحزاب العلمانية مع الإسلاميين المعتدلين لحزب «النهضة» الذي اكتسح انتخابات أكتوبر عام 2011. واليوم يقود حزب «النهضة» برفقة حزبين علمانيين حكومة ائتلافية حققت سجلًا مختلطاً من النجاح.
فالأحزاب تعاونت فيما بينها بشكل عام، ولكنها كانت تختلف أحياناً حول بعض المواضيع الدينية، كما أنها شلت لأسابيع على خلفية تعديل حكومي تأخر كثيراً.
وفي هذه الأثناء، تأخرت مسودة الدستور بأشهر، ولم تجر استعدادات كافية للانتخابات المقررة في يونيو المقبل، وأصاب الإحباط العديد من التونسيين بسبب ما يسمونه فشل الحكومة في الحفاظ على السلم وتخفيف الأزمة الاقتصادية.
وكان نصيب حزب «النهضة» من الانتقادات وفيراً. فبعد أن حقق نتائج جيدة في انتخابات العام الماضي، كافح الحزب من أجل استمالة كل من المعتدلين الدينيين والطبقة العاملة، كما عمل في الوقت نفسه على التقرب من المسلمين الأكثر محافظة.
وكان «بلعيد» من بين أشد المنتقدين لحزب «النهضة»؛ حيث اتهم الحزب بشكل خاص بالتساهل مع المجموعات العنيفة، من النوع العنيف داخل الحركة السلفية التي تمثل أقلية إلى النشطاء المشاكسين المؤيدين للحكومة ويسمون «لجان حماية الثورة». وصباح الأربعاء، تعرض «بلعيد» لإطلاق نار عندما كان يهم بمغادرة منزله. ومازال من غير المعروف من قتله أو لماذا. ولكن «النهضة» وأحزاباً أخرى نددوا بالاغتيال؛ ودعوا السلطات إلى جلب المتورطين إلى العدالة.
وخلال الساعات التي أعقبت موت «بلعيد»، خرج آلاف التونسيين إلى الشوارع عبر البلاد في ما بدا انفجاراً لمشاعر الغضب؛ حيث دعا البعض إلى إسقاط الحكومة، بينما اتهم البعض الدولة بالتواطؤ في مقتله، واضطرت الشرطة لإطلاق الغاز المسيل للدموع من أجل تفريق المحتجين، وأُعلن عن تعرض مركز واحد للشرطة على الأقل للإحراق.
ومساء الأربعاء، قال رئيس الوزراء حمادي جبالي من حزب «النهضة» إنه يعتزم استبدال حكومته الحالية بحكومة من الكفاءات الوطنية غير السياسية وإجراء انتخابات في أقرب وقت ممكن. وكلاهما أمران القيام بهما أصعب من الحديث عنهما، حسب بعض المحللين، ذلك أن الانتخابات تتطلب قانوناً جديداً ينظم العملية ولجنة انتخابية جديدة، وكلاهما ينطوي على صعوبات ويتطلب إنجازه وقتاً، كما يقول سليم لغماني، أستاذ القانون بجامعة قرطاجة بالقرب من تونس العاصمة.
ومن جانبه، يقول «هاورد» من مؤسسة «كنترول ريكس»، إن انتخابات سريعة يمكن أن يكون ضررها أكبر من نفعها.
وقال «هاورد» في هذا الصدد: «رغم مخاطر الإرجاء، أعتقد أن تمديد الفترة الانتقالية ستكون له تداعيات أكثر إيجابية على استقرار تونس ونموها المؤسساتي على المدى الطويل».
وفي الوقت الراهن، يتعين على الأطراف أن تتفق على حكومة جديدة.
غير أنه إذا كانت بعض أحزاب المعارضة قد أبدت قبولا لمقترح جبالي بخصوص تشكيل حكومة تكنوقراطية على ما يقال، فإن حزبه رفضها حيث يرغب حزب النهضة أن يستمر الائتلاف الذي يقوده في إدارة تونس عقب تعديل حكومي مقترح.
ومن غير الواضح ما إن كانت الأحزاب ستستطيع إيجاد أرضية مشتركة بسرعة، كما يقول بعض المحللين. وفي هذا السياق، يقول هاورد: «هناك احتمال حقيقي لعدم توصل الجانبين لاتفاق بشأن أفضل السبل لتشكيل حكومة تكنوقراطية»، مشيراً إلى أسابيع من الجمود على خلفية التعديل الحكومي المتأخر ورفض النهضة لمقترح جبالي باعتبارهما سببين للقلق.
ولكن من جهة أخرى، يضيف هاورد، «هناك قدر من حسن النية بين الأطراف... فصحيح أن هناك الكثير من الانتقادات لحزب النهضة، ولكن الشعور بالرغبة في تحقيق تقدم يبدو أنه أبقى على الانتقال على سكته».
ومن جانبه، يكرر «لغماني» هذا الاعتقاد. ذلك أنه إذا كانت ثمة خلافات بين الأحزاب، فإنه يعتقد أن الزعماء -أو ناخبيهم على الأقل- يتقاسمون التزاماً بقيم أساسية مثل نبذ العنف والحريات الشخصية. ويقول في هذا الصدد: «أنا واثق أن التونسي العادي يرغب في الإبقاء على نمط حياته».


جون ثورن
لندن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا