الاتحاد

دنيا

ميزان العدالة

فاجأني أبي بقرار واجب التنفيذ بلا نقاش، كأنه لا يخصني ولا علاقة لي به، المفاجأة الزلزال التي هزتني أكثر من أي حدث مضى في حياتي انه يريد أن يزوجني، نعم يزوجني، وإن كان ذلك في ظاهره الرحمة بينما في باطنه العذاب، فلا يوجد شاب أو فتاة لا يفرح بتلك الخطوة التي يعيش حياته كلها من أجل تحقيقها، جاءت الضربة مزدوجة، فأنا في السابعة عشرة من عمري، أعترف بأنني لم أفكر في ذلك من قبل، بخلاف ما يجول بخاطري من أحلام يقظة تراودني بين الحين والآخر، فأنا لم أعرف طريق المدرسة مثل أقراني الذين كانوا في الثانوية العامة وفي طريقهم إلى الجامعة، أعمل في الزراعة مع أبي تارة، وتارة أخرى أجيرا في حقول الآخرين وهذا هو الأغلب، سمعت من أصدقائي رغم حداثة سنهم قصصا كثيرة حول الحب، فكنت أرسم في خيالي صورا لفتاة أو لفتيات يكن في المستقبل من نصيبي، وقد يكون هناك شطط في هذه التخيلات بعيدا عن الواقع، فرغم أنني بلا إمكانات ولا مغريات ولا عندي ما يجذب النساء فإنني لم أستبعد أن تكون زوجتي مثل نجمات السينما، وهذا ما جعل قرار أبي صدمة لي لأنه يريدني أن أتزوج ابنة عمي، وهي امرأة مطلقة تكبرني بثماني سنوات، ليس لها علاقة بعالم النساء غير اسمها الذي لم يكن لها منه نصيب، ينادونها «أنوار» وليس فيها نور ولا ضوء، وهي سليطة اللسان، وهذه الأسباب كانت وراء طلاقها وفشل زيجتها الأولى.
وجهة نظر أبي أننا نرى سلبياتها ولا نرى إيجابياتها، فهي ابنة عمي ولن تكون فظة معي مثلما كانت مع زوجها الأول لانه غريب عنها ولم يستطع التواصل والتفاهم معها، بينما يمكنني أن أروضها، فهي ربما تكون مثل القطة تريد من يمسح على شعرها دون أن يستفزها، والاهم من هذا كله أنها ورثت قيراطين من الأراضي الزراعية الخصبة الجيدة بعد وفاة والدها، ومازال لها بضعة آلاف من الجنيهات عند أخوتها لم تحصل عليها بعد، ويجب ألا يخرج هذا الإرث بعيدا عن الأسرة ويذهب إلى الغرباء، هذه المبررات لم تحرك عندي ساكنا ولم تغير من موقفي، ولأول مرة في حياتي أقول لأبي لا، وأرد له أمرا، نعم قلتها على استحياء وبكل أدب، وبلا تجاوز لكنني قلتها وتجرأت على التلفظ بها، لأنني وجدت نفسي أسير نحو الهاوية والضياع، وفي النهاية لم أستطع أن أنفذ كلمتي ولا أن أقنع أبي الذي سار في الخطبة بكلمة منه لأشقائها أي أبناء أخيه الذين لم يسعهم إلا أن يرحبوا بهذه الزيجة، لأنهم متأكدون من أن أختهم لا يرغب فيها احد ولن تأتيها فرصة أخرى بعد تجربتها الأولى الفاشلة فظهروا أمام أبي فتية مطيعين لانه مثل أبيهم ويجب أن يستجيبوا لأوامره بينما كنت أنا المتمرد الشرير.
بالطبع لم يكن عندي أي حماس للمضي قدما نحو التنفيذ وتأثيث غرفة كما يفعل أمثالي من أبناء القرية، بل أتمنى أن تتعطل المسيرة ولا يتم شيء، أو يحدث ما ينهي المشكلة وإن ذلك يحتاج الى معجزة، فقد مضى أبي في تجهيز احتياجات العرس إذا جاز أن نسميه عرسا، اشترى غرفة نوم متواضعة هي مجرد سرير بسيط وخزانة ملابس، وتحدد يوم الزفاف، لم يكن الاحتفال أكثر من جلباب جديد ارتديته، وبعض الملابس لها، وأقاربنا تجمعوا عند غروب الشمس وتناولوا طعام العشاء وانصرفوا وبقيت أنا والعفريت في غرفة واحدة، صدقوني رأيتها عفريتا يرعبني أو غولا يريد أن يلتهمني، إلا أن الحياة لا تتوقف عند أي حدث مهما كان، تسير في كل الأحوال بحلوها ومرها، وهكذا أنا فيها.
لم تكن وجهة نظر أبي صحيحة، نعم كان مخطئا في تصوراته، فهي امرأة كلها سلبيات، ودون إيجابيات، وما لديها لا يغري أحدا، بل الإقدام إليها خطوة مدمرة، وإقبال على الانتحار، فالزوجة الدميمة قد يعوضها حُسن الخُلق أو الاهتمام ببيتها وأولادها، ونظافة منزلها، أو أموالها، لكن هذه كانت تفتقد كل ذلك، فبجانب أن الأنوثة لم تمر عليها ولا تربطها بها صلة أو علاقة، كانت صاحبة لسان سليط طويل لا يعرف غير المفردات المقززة والكلمات المكروهة، وفوق هذا وذاك لا تهتم بمظهرها ولا بالبيت، فكنت لا أطيق الانفراد معها وكثيرا ما أفر من ذلك لدرجة أنني كنت أتغيب عن المنزل لعدة أسابيع بحجة العمل في الحقل وهو على بُعد أميال معدودة من بيتنا نقطعها سيرا على الأقدام، ولا أجد عندي ميلا للقائها أو العودة إلى البيت.
تسع سنوات مضت، كانت معها مثل فترة عقوبة كأنني سجين لا ينتظر الإفراج، بل يترقب تنفيذ الإعدام كلها نكد ومشاحنات وخلافات، أزعم أنني لم أعش معها لحظة صفاء، ولم يمر علينا يوم حلو، ورغم ذلك كان بيننا خلال هذه السنين ثلاثة أطفال أعتبرهم ضحايا لهذه الزيجة المحكوم عليها بالفشل من قبل أن تبدأ وبعدما تمت، هذه السنوات كابوس مزعج، فكرت كثيرا في التخلص منها فلا أستطيع الاستمرار وتحمل المزيد، ولم يكن أمامي غير طريق واحد وهو الطلاق، فلتذهب من حيث أتت ولن أخسر أكثر مما خسرت وما ضاع من عمري ويجب أن أضع لذلك حدا ونهاية، وفاتحت أبي بما يدور في رأسي، وهو يعلم كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، ولا يخفى أي شيء مما يحدث بيننا عليه، لانه يعيش معنا في بيت واحد، وجاء قراره حاسما بالرفض، بعيدا عن المبررات التي ساقها حين قرر تزويجنا، واكتفى هذه المرة بأن أحتفظ بها من أجل الميراث فقط، ولو كان ثمنا لما قضيت من عمري، وفشلت أيضا في إقناعه للمرة الثانية، إلا أن اثر ذلك كان في نفسي أكبر من الفشل الأول لأنني عرفت كل سوءاتها وعشتها وعايشتها وذقت مرارتها.
عندما علمت برغبتي في تطليقها لم تزد إلا عنادا وتمردا، تعاملني باستفزاز وبأسلوب غير لائق، بعدما توقعت أنها قد تعي الدرس وتصلح من نفسها وتصحح أخطاءها أخذتها العزة بالإثم واستمرت في قسوتها وتحجرها وكأنها تملك الدنيا وما فيها وتمن عليّ بالقيراطين اللذين لم أستفد منهما شيئا، فهما في حيازة أبي يزرعهما ويستفيد بهما، وخلال عامين لم يشغل تفكيري إلا كيفية الخلاص منها، أقلب الأمر على كل جوانبه، وانتظرت إلى أن حصلت على بقية حقوقها من الميراث ليستفيد منه أطفالي، فكرت في أن أخنقها أثناء نومها، أو ألقي بها في الترعة، أو أذبحها أو حتى أدفنها حية، أو أدس لها السم في الشراب أو الطعام، لكن كنت أجد ثغرات في كل طريقة، لأنني حريص على ألا ينكشف أمري، فلست مستعدا لدخول السجن وفقدان بقية عمري بعدما فقدت كل هذه السنين في عذاب مقيم، واستقر بي الرأي عند استدراجها إلى المزرعة التي أعمل أجيرا بها، فالجميع يعلمون أنها لا تذهب إليها ولا تزورني فيها، لذلك لن يحوم الشك حولي، ودون أن أخبر أحدا، أخبرتها بأن تأتي معي إلى هناك لأعطيها بعض الدجاج من المزرعة وتعود به إلى البيت لتعد لنا الطعام ووافقت ورافقتني ودخلنا الحظيرة طلبت منها ان تحاول الإمساك بدجاجة، بينما كنت أستخرج المسدس الذي أخفيته وعندما استدارت أطلقت عليها رصاصة من الخلف لأنني لا أريد أن أرى وجهها وهي تموت حتى لا تطاردني في نومي وأحلامي كما كانت تطاردني في يقظتي وحياتي، سقطت في سكرات الموت، فأطبقت على رقبتها بكلتا يدي حتى أصبحت جثة هامدة، وحفرت حفرة ودفنتها وتخلصت من الدماء.
في المساء بدأوا يبحثون عنها وسألوني أين ذهبت بعدما كانت معي، وقد فوجئت بالصدمة، كيف شاهدوها؟ وتعللت بأنها عادت إلى المنزل ولا أعرف أين ذهبت، لكن تشكك الجميع في أمري وتم إبلاغ المباحث بتغيبها، وشاركت معهم البحث عنها ومحاولا السيطرة على أعصابي والتمسك بالهدوء، لكن بقايا قطرات دماء جافة في مكان الجريمة كانت شاهدة على جرمي وتم القبض عليّ، وها أنا أعترف بكل ما حدث، وأؤكد بعد هذا كله أنني لست نادما على ما فعلت فهي تستحق أكثر من ذلك، بينما أنا نادم على ضياع وتشريد الصغار، فهم الذين دفعوا ثمن حماقاتها وجريمتي.

اقرأ أيضا