الاتحاد

دنيا

امرأة في المرآة

إذا تطايرت خصلة من شعر رأسي بعد أن تداعبها نسمة هواء، تهرع أمي فزعة لتعيدها الى مكانها، وربما تعيد تمشيط شعري كله وتغيير تسريحته، حقيبة يدها دائما مكتظة بقطع الاكسسوار وأدوات التمشيط والتجميل ليس لها وإنما لي أنا، كلما شاهدت طفلة أو صبية عربية أو أجنبية في التلفاز تقارن بيني وبينها، وتؤكد كل مرة أنني اجمل من أي واحدة من بين كل من وقعت عينها عليهن وتؤكد دوما أنني جميلة الجميلات، وزهرة العائلة، ولا تقبل أن تضعني في مقارنة مع أي واحدة من قريباتنا وهمها ملابسي وأناقتي، وبالغت في ذلك كثيرا، ولو أنها كانت شاعرة لكتبت أجمل القصائد في وصفي وبما لا يمكن أن يتخيله أحد، تحتفظ لي بألبومات صور لا تعد ولا تحصى، فمع كل مشهد أو حدث أو مناسبة، أو حتى مع تسريحة أو فستان جديد لابد من توثيق ذلك بالصور الفوتوغرافية، ثم بعد ذلك بكاميرات الفيديو الخاصة بنا، حتى أصبح لديها مكتبة ضخمة من هذه الصور والمقتنيات، كنت أرى في عيون أقاربنا رجالا ونساء استنكارا لتصرفات أمي وشاهدت الغمز واللمز لدرجة أن إحداهن وصفتها بالجنون أو في طريقها إلى ذلك بسبب ما تفعله معي، وتصر دائما على أن تجعلني أمسك بالمرآة لأرى نفسي واستمتع بجمالي فمن حقي أن أختال به، وأفتخر وأتعالى على من حولي.
في طفولتي المبكرة والمتأخرة، لم أكن أهتم بما تفعل أمي، وإن كنت أشعر بجمالي، فبالفعل أنا جميلة، بيضاء، شعري سلاسل ذهبية، يساعدني في الحفاظ على ذلك مال أبي الوفير الذي لا يوجهه هو الآخر إلا من أجلي ومن أجل سعادتي، وينفق الجزء الأكبر منه على زينتي وملابسي، وكنت استمرئ هذا واستمتع به لأنه يميزني عن زميلاتي في المدرسة وجاراتي في المسكن وصديقاتي في النادي، وقريباتي في عائلتي، وبدأت اقتني مرآة في حقيبة يدي، بجانب المرايا الكثيرة التي تغطي معظم جدران منزلنا، فأرى نفسي في معظم تحركاتي وأحوالي، أما تلك التي أحملها في حقيبتي فهي تتحرك معي أينما نزلت أو حللت أو ارتحلت، وبحركات تلقائية وبلا داع أصبحت يدي تمتد لإخراجها لأتمعن في وجهي وشعري ولاحظت أمي ذلك التطور بأنني بدأت اهتم بنفسي بجانب اهتمامها بي، وسعدت بما ترى كأنها تعوض نقصا فيها، ولم يكن لي أخوة ولا أخوات، فلا شغل لها غيري، وقد كنت كل قضيتها في الحياة. وأصبح النظر في المرآة عندي مرضا مزمنا، أو إدمانا لا يمكن الفكاك منه، بل صار مأخذا عليّ، وفي نهاية فترة الطفولة المتأخرة وأنا أخطو نحو عالم النساء وتظهر معالم جسدي ويكتمل جمالي ببوادر أنوثة، زاد الاهتمام، وأفعل الآن كل ما كانت تفعله أمي وإن لم تتوقف عن تصرفاتها وإنما استمرت فيها وواصلتها، انتقلت إليّ قناعة أمي بأنني جميلة الجميلات، وعشت أحلق مع نجوم السماء في الفضاء، ربما إلى حد الغرور.
قبل أن أحصل على الشهادة الإعدادية، وقبل أن أكمل الخامسة عشرة، وأنا مازالت أقرب إلى دنيا الطفولة، بدأ الشباب يطرقون باب أبي ويطلبون يدي للزواج، وكان الرفض القاطع من أبي وأمي، لكن العجيب أن رفضهما هذا لم يكن فقط لأنني مازلت صغيرة، وإنما لأنهما يريان أن كل هؤلاء الذين يرغبون في الزواج مني لا يستحقونني وليس فيهم من يناسبني، والأغرب انه رغم الرفض المستمر، فلا يمر شهر دون أن يأتي عريس جديد وهو يعرف مصير من سبقوه فيلحق بهم، حتى طالت قائمة المرفوضين، وكثيرا ما كنت أفكر فيهم، واستحضر مزاياهم وعيوبهم فقد كنت أعرف بعضهم، وانصرف اهتمامي إلى دراسة العرسان، لكن الغرور الذي أصابني كان يوصلني في كل مرة إلى نتيجة واحدة، انه لا أحد منهم يعجبني وهي نفس رؤية أبي وأمي بأنهم لا يستحقونني. وكانت النتيجة أنني أهملت دراستي ولم أعد أذهب إلى المدرسة بانتظام وأتغيب كثيرا ولا استذكر الدروس مطلقا، ولا أعرف عن المناهج الا القليل، ولا أحب الاستيقاظ مبكرا والالتزام بطابور الصباح رغم أن أبي خصص لي سائقا وسيارة لتوصيلي إلى المدرسة أو الذهاب إلى حيث شئت، لكن انشغالي بهؤلاء الخطاب رغم أنني لم ارتبط بأي منهم عاطفيا، والسهر أمام التلفاز يجعلاني أنام حتى الظهيرة وربما الى ما بعد العصر، وهذا النوم طوال النهار يؤدي بدوره إلى السهر طوال الليل، وهكذا انقلبت حياتي وأحوالي، في الوقت الذي لم يكن لأمي دور في ذلك، فكأنها كانت توافق على تصرفاتي فلم أر منها اعتراضا، ولم تأت يوما لتوقظني في الصباح لأذهب إلى المدرسة، ولم تذكرني عندما استيقظ بأنني تأخرت في النوم، وأبي مشغول في عمله وأمواله واستثماراته لا يهمه إلا أن نسأله فيجيب، نطلب فيعطي، حتى أنه لا يسأل فيما ننفق هذه الأموال، ويعتقد ان تلك هي السعادة التي يحققها لنا، وأن المال في النهاية لي فأنا الوريثة الوحيدة، فلا يوجد سبب واحد يجعله يمنعه عني.
النتيجة الحتمية لهذا كله أنني رسبت في امتحانات نهاية العام ولم أحصل على الشهادة الإعدادية، ولم أشعر بأسف ولا حزن وكذلك كانت مشاعر أبي وأمي، واعتبرا الأمر عاديا فكل التلاميذ يتعرضون للرسوب والإخفاق، والفقراء فقط هم الذين يجب ان يحزنوا إذا رسبوا لانهم لا يملكون المصروفات الدراسية، ونفقات الدروس الخصوصية، أما أنا فكل هذا لا يهمني ولا يمثل عقبة أو مشكلة أمامي، وايضا فإن الفقراء يتعلمون ويهرولون إلى الجامعة ليحصلوا على الشهادات كي يحصلوا على وظيفة من أجل المال، أما أنا فكما يرى أبي وأمي فلست مضطرة لهذا كله، فالنتيجة أو الهدف الذي يتمنون تحقيقه هو المال، وانتقلت الى هذه القناعات من أم لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وأكملت نقصها بالمال، والكثيرون من غير أقاربنا لا يعرفون هذه الحقيقة، بل يعتقدون أنها حاصلة على مؤهل عال وهي لا تتحاور في أي قضية وأب جاءه المال الكثير الغزير بعد عناء وحرمان وجهد وكد وعرق، فلم يرث من هذا شيئا، لذلك لا يريد لي أن أعيش كما عاش في عوز ويسعد وهو يغدق عليّ ويرى الفارق بين حياتي وحياته عندما كان في مثل عمري، وكثيرا ما يحكي لي عن طفولته التي لم يعشها وكيف خرج الى سوق العمل وكيف عانى من أجل أن يحصل على المال ويصل الى ما هو فيه، وزادت قناعتي بأن رأس المال المهم في هذا الوقت هو الجمال الذي لا يملكه غيري، أما الأموال فهي معي.
عندما بلغت السابعة عشرة من عمري، وكنت قد توقفت عن الدراسة تماما بعد إخفاقي في الحصول على الشهادة الإعدادية، جاء عريس جديد، لكنه هذه المرة ابن عمتي الذي أعرفه جيدا، لا يزورنا كثيرا، غير أن صلتنا بهم مستمرة، والتباعد كان بسبب الفارق الاقتصادي، فنحن في ثراء فاحش وهم في شظف من العيش، ويتعففون حتى لا يفهم أحد أنهم يزوروننا طلبا لمساعدة أو أي شيء، وتجرأ ابن عمتي هو وأسرته لطلب يدي وجاء ذلك بعد أن حصل على شهادة جامعية والتحق بوظيفة مرموقة تدر عليه دخلا جيدا يمكنه من حياة كريمة، وفوجئت بأبي وأمي يوافقان على الخطبة ولا أدري لماذا غيرا موقفهما بعد الرفض التام لكل من سبقوه، أما أنا فقد وافقت أيضا ولا أسباب عندي للموافقة، وان كنت لم اشعر ناحيته بأحاسيس حب، لكنني قررت أن أخوض تجربة الخطبة، أنها مجرد تجربة أردت أن أعيشها مثل كل البنات في هذه السن. وتكفل أبي بكل مصروفات ونفقات الحفل الأسطوري الكبير في فندق خمسة نجوم، أحياه كبار المطربين، ورقصت وغنيت معهم، وبدأت أتعامل مع خطيبي ابن عمتي عن قرب، فظهرت الاختلافات في الاهتمامات والتفكير ووجهات النظر، وأستطيع في النهاية بعد عدة أشهر أن أقول أننا لم نتفق في أقل القليل، حتى في الطعام والشراب، وفي طريقة المشي والكلام، وفي الملابس والتصرفات، وفي الأحلام والطموحات، وتأكدت من أن التجربة لعبة ليس إلا، ولم تعجبني طريقته، وأيضا لم تعجبه طريقتي ورفض كل منا أن يتنازل، ومضى كل إلى غايته واسترد الشبكة وتمت القطيعة بين الأسرتين.
لم أخرج من هذه التجربة بأي تأثيرات سلبية، بل كنت راضية عما فعلت ومقتنعة بقراري تماما، فلم أعان ولم تؤثر في تصرفاتي ونفسيتي، وعدت إلى حياتي السابقة، حتى تخطيت العشرين بسنوات وتقدم لي شاب يقيم في شارعنا، شعرت نحوه بارتياح، ورفضه أبي وأمي للفارق الكبير بين اسرتينا من الناحية الاقتصادية، لكنني تمسكت به وأعلنت إصراري على الخطبة وهذا اختياري ودافعت عنه حتى تم لي ما أردت، وأيضا تحمل أبي نفقات الحفل الذي كان أكثر فخامة من السابق، ولم أكن أفعل ذلك هذه المرة من قبيل التجربة ولكن تبين أنها تجربة رغم أنفي، فقد كانت هناك اختلافات كبيرة بيننا والهوة واسعة، فهو غيور جدا، يكاد يحبسني في البيت حتى لا يراني أحد، شعرت بأنه يضعني في سجن، وكانت غيرته تصل إلى حد المرض والشك فأيقنت بأن هذه الزيجة محكوم عليها بالفشل رغم أن هذا الشخص هو الوحيد الذي شعرت نحوه بالحب وبادلني مشاعري. وتم فسخ الخطبة الثانية.
قررت إرجاء الدخول في أي تجربة جديدة قبل الدراسة المتأنية للطرف الآخر، ولكن هذا التأجيل وكان إجباريا بسبب مرض والدي الذي استمر فترة، ثم توفى على أثره، وبعده مرضت أمي وتوفيت، وأصبحت وحيدة وعندما نظرت في المرآة وجدت أنني في الثلاثين من عمري، وتغير وجهي، ففيه انتفاخ، وزيادة في الوزن، كأنني لم أرها من قبل، أصابني الفزع، فقد أصبحت بدينة جدا، وضاعت الرشاقة التي كنت ارقبها في المرآة كل يوم، طرت الى الطبيب فطلب إجزاء تحاليل وفحوص كثيرة، كانت نتيجتها أنني مصابة بمرض السمنة، وبدأت رحلة العلاج بين الأطباء والمستشفيات من واحد لآخر، وأصبحت الآن أحمل المرآة وأقف أمامها ليس مثل ذي قبل لأتفحص جمالي وأنوثتي وإنما لا تحسر على ما صار إليه جسدي ولم يأت العلاج بفائدة تذكر، حتى تغيرت ملامحي بعدما قضيت عشر سنوات بلا نتيجة. أما ما جعلني أكتب قصتي فهو موقف بسيط عندما التقيت بخطيبي الأخير. فقد صافحته، فوجدته يعاملني باستغراب، وتأكدت من انه لم يعرفني بعد هذا التغير والانقلاب في جمالي الذي فقدته وأصبحت شخصية أخرى غير التي كانت تهفو إليها العيون، والآن لا تريد النظر إليها. لقد كرهت المرايا التي عشقتها، وقررت تحطيمها لأنني أشعر بأنها تكذب!

اقرأ أيضا