أرشيف دنيا

الاتحاد

بسطاء مصر يبحثون عن البهجة في «موالد» الأولياء والقديسين

يبحث المصري البسيط عن البهجة في الموالد بعد عناء العمل الشاق. والمولد هو الطقس الشعبي الذي اخترعه المصريون ليكون وسيلتهم لانتزاع نصيبهم من السرور وسط المعاناة. وفي الموالد يشارك الناس في الغناء والدعاء لأولياء الله ويتناولون الطعام ويجلس الغني بجوار الفقير ويتسامح الجميع ويتخلون عن مشاعر الغضب والكراهية ويسهرون للفجر يشاهدون الأراجوز ويركبون الأراجيح، والبعض يتبارى في الأمثال الشعبية وفريق في التحطيب وجانب ينخرط في حلقات الذكر والكل تغمره الفرحة.


على مدى سنوات، ظلت الموالد الشعبية طقسا مصريا خالصا يمارس الناس من خلاله حبهم الفطري للحياة والحرص على رضا الله. وحول بهجة البسطاء في موالد الأولياء والقديسين، يؤكد الدكتور محمد حافظ دياب أن الدراسات الأنثروبولوجية كشفت سر تمسك البسطاء بالموالد؛ فهي بمثابة حالة من التنفيس والتحرر من كل هموم الحياة ينتظرونها ويستعدون لها وتشعرهم بالرضا وتمنحهم القدرة على مواصلة الحياة.
وقال إنها طقس تمتزج فيه مظاهر البهجة ببعض الممارسات الدينية، وهو ما جعل التدين عند المصريين يأخذ معاني خاصة بهم لا تعرف الغلو والتشدد، فالمصري البسيط كانت له فطرته الصحيحة التي جعلته يحب الحياة ويؤمن بالبعث منذ القدم.
طرق الاحتفال
وأوضح الدكتور فاروق مصطفى، أستاذ علم الاجتماع، أن المريدين والمترددين على الموالد خضعوا للعديد من الدراسات النفسية والاجتماعية، وتبين أن الكل أكد أنه يشعر بالراحة والهدوء بعد زيارة الأولياء والقديسين، وعندما تم رصد طريقة الاحتفال، وجد أنها تكاد تكون واحدة وتتفق في المظاهر التي تبدأ بذكر الله والصلاة على النبي والدعاء للولي أو القديس، ولدينا كنائس كثيرة في مصر يأتي إليها الناس من كل المحافظات.
وقال: «في المولد يتم تنظيف البيوت، وحتى زرائب البهائم يتم تجهيزها لتكون مهيأة لاستضافة رواد المولد، ويعتبر مولد مار جرجس من أكثر الموالد التي يتشارك فيها المسلمون والمسيحيون، كذلك مولد سيدي محمد ابن أبي بكر وكلاهما في قرية ميت دمسيس بمحافظة الدقهلية، وهناك موالد يكون الموكب أحد مظاهرها الأساسية مثل موكب السيد البدوي بطنطا، وعادة يقود الموكب شيخ الطريقة الصوفية على فرس وخلفه المريدون».
وأشار إلى العطية باعتبارها مظهرا شائعا في الموالد، وهي نوع من التهادي الذي يقوي العلاقات الاجتماعية ويسعد الذي يتلقى الهدية ويفرح من يوزعها، وهناك نوع من الإلزام أو العرف، بمعنى أن المرة القادمة لابد من رد الهدية.
وقال مصطفى إن علماء الاجتماع اهتموا برصد الممارسات الشعائرية والدينية والاجتماعية واتفقت معظم الدراسات على أنه لا يوجد ما يمس الدين، وأن الهدف الحقيقي للاحتفال لها، هو أن الناس يرمون همومهم ويتجدد نشاطهم في المولد وفي موالد القديسين أو الأولياء.
ومن تلك الموالد التي يحرص عليها المسلمون والأقباط، مولد أبي سيفين أو برسوم العريان في معصرة حلوان بالقاهرة، والذي يرتاده قرابة مليوني شخص ويرتبط مولد سيدي إسماعيل الإمبابي بالتاسع من هاتور، وهو يوم نزول دمعة إيزيس ويوم الفيضان، وهو توقيت قبطي، بينما الولي مسلم. وهكذا يعكس المولد خصوصية المصريين وإيمانهم العميق بالتسامح واحترام الأديان. وأشار إلى أن المعتقد الشعبي جعل لكل ولي كرامات وهي ممتدة حتى بعد رحيله، وهو ما يشبه التخصص، فمثلا سيدي «أبو المعاطي» في دمياط متخصص في الإنجاب وعلاج العقم وآخر في رد المسروقات وثالث في رد الغائب.
ممارسات فرعونية
من جهته، أكد عالم الاجتماع الدكتور أحمد زايد أن أماكن الموالد بها آثار فرعونية قديمة، وعندما نجد ضريحا لولي أو كنيسة أو مسجدا، فعادة توجد قبور وهذا ما جعلنا نقدم دراسة بعنوان «المسجد والمعبد والمقام»، والكثير مما يحدث في الموالد يتوازى مع ممارسات فرعونية ولهذا وضعت فرضية جديدة، وهي أن المصري خلق هذه الأشياء بحثا عن الحرية لمواجهة القيود التي تكبله.
وقال الباحث الدكتور عمار علي حسن، إنه اهتم بدراسته للمولد برصد الشكل الفلكلوري والمظاهر المرتبطة بالبهجة والتدين الذي يتسم به المصريون، وأن المولد هو مساحة يختلط فيها الدين بالفن وهو وسيلة للتعبير عن الشخصية المصرية بكل تناقضاتها، مؤكدا أن البعض حاول استغلال تلك السماحة التي تميزت بها الصوفية في مصر باعتبارها بديلا عن الجماعات المتشددة وفي محاولة لاكتساب ثقة الشعب، تكررت زيارات السفير الأميركي السابق لمولد السيد البدوي بطنطا، بل ارتدى الطاقية وطاف وهام في المولد مثل المريدين، لكنهم نسوا أن للصوفية وجها آخر، فمنها خرج المناضل عمر المختار في ليبيا وعمر مكرم في مصر، الذي قاد المقاومة ضد حملة فريزر الإنجليزية. وقال إنه رغم وجود بعض السلبيات في الموالد، فإن الجميع يعرفون أن الدين له قدسيته ولا يوجد ما يمس النص القرآني أو الحديث الشريف في هذه التجليات المصرية.

اقرأ أيضا