الاتحاد

دنيا

قسوة طبيب أماتت امرأة

انسكب دمعها حارا حين رأت ابنتها الصغيرة تقف على تقلبات جسدها المتعب، ازدادت آلامها فمزقت أوصالها وروحها، سحقها المرض وطفح ضيقها، ولم يبق لها سوى ظلال أحلام يابسة ضمرت جذورها في مخيلتها، أحلام أمومة تجذرت في أعماقها، لم تيأس حين بترت أنوثتها أول مرة، ولم تستسلم لجبروت المرض ووجعه، قاومته وقامت من جديد، تعافت حضنت ابنتها الصغيرة وطارت حالمة في كل أرجاء الدنيا، تناما متشابكتي الأيادي، تخاف أن تغمض جفونها دون أن تراها ثانية، وضعتها في حنايا قلبها الذي بها ولها يخفق.
ممسكة بأمل الأمومة ظلت تقول من هذا الجسد ستخرج الحياة من جديد، وكان لها أن حملت روحا في أحشائها، وبين الخوف والألم والأمل قاومت وصابرت، سُحقت روحها ولم تتراجع، أخبرها الجميع بأن ذلك يكاد يكون مستحيلا، لكن حلم الأمومة كان أقوى من الآلام الفظيعة، تدهورت حالتها الصحية ولم تعد رجلاها تقويان على حمل جسدها، تتخبط في أوجاعها، تكتم آهاتها أحيانا وفي غالب الوقت يفضحها أنينها، أرادت أن تمنح الحياة، غالبت الوجع ورفضت أن تتخلى عمن يسكن أعماقها، مرت الأيام، بل الشهور تقاوم آلامها التي تزيد حدة بينما الجنين في صحة، بعد الشهر الرابع عرفت أن من في أحشائها صبيا، تدرج وجهها حمرة وطارت فرحا وبكت بكاء مكلوما لازال يواصل نحيبه ولم تجف دمعها أبدا، زادت حالتها سوءاً نقلت على عجل للمستشفيات، تنزف أعماقها مكونة بركا من الأسى والحزن، كلما خضعت لكشوفات وتحاليل مخبرية تلح في السؤال عن وضع جنينها، لم تيأس ولا تريد التضحية به من أجل حياتها، تناوبت على المستشفيات وكل يخبرها بقصة، والكل يجمع على أن حالتها تسوء.
تكومت دموعها وتمزقت دواخلها حين جلس أحد الأطباء أمامها يخبرها بكل قسوة وكأنه يتلذذ بكل هذه المآسي التي لو سمعها معافى لسقط مسحوقا، وقال وهي في حالة يرثى لها بعد إجراء سلسلة من التحاليل والفحوصات الطويلة التي دامت أكثر من أربع ساعات: مهما قاومت لن تستمر حياتك أكثر من أربعة شهور، عندك ورم في الرأس، والمرض وصل للعمود الفقري وللكبد.
دخلت أختها فجأة وجدت آخر كلمة يتفوه بها الطبيب: حياتك قريبة من النهاية. فأي قسوة هذه؟ وأي قلب حجر هذا؟ وأي تكوين تلقاه هذا الطبيب لمعالجة مرضاه؟
تبادلت عيون الأختان الانكسارات وانهارتا تماما، ارتعدت فرائصها تمزقت دواخلها وثارت في وجهه: أي إنسان أنت الذي تخبر مرضاك بهذه الطريقة؟ أقلبك خال من الرحمة؟ أتساءل كم مريضاً تسببت في قتله وليس في شفائه؟ ولماذا فضلت إخبارها ونحن هنا تقفل الأبواب في وجوهنا لا سامحك الله.
سحقت قسوة الطبيب جسدها سحقا، اهترأت نفسيتها، تيبست شفاهها وتراخى رهانها في الحياة واتسعت بقعة الظلام في عيونها، ومن ساعتها إلى اليوم لازالت تلازم غرفة الإنعاش في أحد المستشفيات، وأخبروهم أن الشفاء ممكن إن استطاعت السفر للعلاج بالخارج.

اقرأ أيضا