إن ما تعانيه المجتمعات الآن من أمراض اجتماعية وأخلاقية يتمثل في انتشار العنف والقسوة سببه الابتعاد عن منهج الإسلام الذي يدعو الى الرحمة والعفو والتسامح كمبدأ عام يحكم سلوك الإنسان وتصرفاته ولا ينبغي إهمال مبدأ العفو الذي يجب أن يتخلق به المسلم ويكون شعار المجتمع المؤمن، لأن تأكيده في النفس كفيل بإنهاء الخصومة والقطيعة والقضاء على العنف والقسوة وسيادة الخير والاخلاق الفاضلة وحماية الأمة من الفتن والفوضى والعبث الذي يبعد المسلمين عن دورهم الحضاري ويجعلهم مطمعاً لأعدائهم، فالعفو والتسامح عنوان القوة في الإسلام· يقول الدكتور أحمد عبده عوض -أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة طنطا-: إن صلة الإنسان المسلم بالناس تشملها السماحة، ويظللها الحلم، ويحيط بها العفو وضبط النفس، فذلك من التقوى والإيمان، ومن دلائل قوة النفس وسموها، وهذا المعنى من معاني الايمان التي بدل الاسلام أفهام العرب عن القوة والبأس فقد كانوا من قبل يظنون أن القوة في الانتقام والغلبة، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لاصحابه: ''ما تعدون الصرعة فيكم؟'' -أي القوة والشجاعة- قالوا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: ''لا، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب''· واضاف أن الانسان الذي نضج إيمانه وقهر هواه وسيطر على نوازعه وسلوكه هو المقصود في حديث الرسول الكريم، والمشاعر الغريزية للانسان تدفعه الى الانتقام والانتصار، وتغريه بأن يدفع السوء بمثله، فهذا حق أباحه الاسلام للنفس البشرية مقيداً بعدم التجاوز، كما يقول المولى عز وجل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم···) (البقرة 194)، كما أن من أوصاف المؤمنين (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) (الشورى 39)، ورغم أن الاسلام قد أقر هذا الحق فإنه دعا المسلم الى أن يسمو إلى منزلة أعظم من ذلك، واكرم منزلة ينالها المسلم بايمانه وتقواه وله بها اعظم الاجر من الله (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) (الشورى 40)، وذلك يجعل المسلم يؤثر ثواب الله على شفاء الغيظ وإجابة نداء الانتقام ويصفح عن اخيه رجاء لما عند الله من عظيم الاجر، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ''إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة، وهم العافون عن الناس''· منهج الإصلاح الدكتور سعيد أبوالفتوح -استاذ الشريعة الاسلامية بجامعة عين شمس- تحدث عن أهمية العفو والتسامح قائلاً: الاسلام وضع منهجاً قويماً للاصلاح وتحقيق الأمن والعزة للمجتمعات يقوم على دعائم أساسية أولها: الايمان بالله عز وجل واقامة الايمان على عقيدة صحيحة وتفكير سليم، والدعامة الثانية التي تنصلح بها المجتمعات ويتحقق على هديها التعايش والسلام في المجتمع هي العلم الذي يؤدي الى تطوير الحياة وكشف أسرارها واستغلال جميع الطاقات التي استودعها الله فيها· وأكد أن الاخلاق هي الدعامة الاخيرة في منهج الاصلاح الاسلامي وبها يتحقق التعايش في المجتمع، فالسياج الاخلاقي يقود الى تحقيق الصالح العام، لانه يمنع الانسان من الغرور والاندفاع في مسارات تضر بالمجتمع، فالخلق القويم هو الضمان لأي مجتمع (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) (النحل 90)، وهو الذي يحقق منفعة الناس ويحميهم من الأهواء والفتن ويجعل الانسان يقدم على كل ما يؤدي الى تحقيق المصلحة العامة وصالح المجتمع، ومن أهم سمات الخلق القويم التسامح والصفح والعفو، فهو صفة عظيمة من صفات الله عز وجل، فهو العفوّ سبحانه وتعالى، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ''ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله'' أي أن العبد الذي يتحلى بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاده الله عزة وكرامة ورفعة الى جانب الثواب العظيم في الآخرة· اقتداء محمود وأكد الدكتور مبروك عطية -استاذ الدراسات الإسلامة بجامعة طنطا- أن القرآن الكريم يدعو الى التسامح وتجنب العنف وأسبابه والتنازع الذي يقود الى الفوضى والخراب، وأن نتخذ الرسول الكريم قدوة صالحة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) (الأحزاب: 21)، وهذا الاقتداء سوف يرحم الفرد والمجتمع ويمنع القسوة والغلظة والعدوان من أن تتحكم في سلوكيات ومعاملات الفرد· وأشار الدكتور مبروك عطية الى أن المنهج الاسلامي في حض المجتمع وافراده على التخلق بخلق العفو والتسامح لم يقصر هذا الحض في نطاق ضيق أو دائرة محدودة، بل جعل الامر موسعاً ليشمل المجتمع كله وفي جميع اموره ومعاملاته، وآية ذلك قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (الأعراف: 199)· وقال: إن الإسلام بلغ قمة التسامح عندما أمر بالعفو حتى في مجال العقيدة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) (النحل: 125)، ويقول المولى عز وجل: (لا إكراه في الدين···) (البقرة: 256)، ويقول سبحانه (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك···) (آل عمران: 159)، فهذه اخلاقيات المؤمنين، ومن ثمراتها إشاعة المحبة والمودة بين الناس، لأن التسامح يفتح القلوب للإيمان، فالإسلام لا يعرف الإكراه أو التعسف أو القسوة، بل إن هدف الرسالة النبوية هو الرحمة (وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107) التي تشمل كل العوالم في ملك الله تعالى ،ولذلك فإن ما يجب ان يكون عليه سلوك المسلم في مجال المعاملات هو الحرص على التسامح والعفو والرحمة، ويقول الحق سبحانه: (وجعل بينكم مودة ورحمة) (الروم: 21)، وكذلك قوله تعالى: (وأن تعفوا اقرب للتقوى) (البقرة: 237)· وأضاف أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ''الراحمون يرحمهم الرحمن''، والقرآن الكريم يعلمنا: (وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير) (البقرة 237)· مبدأ عام الدكتور أحمد عبدالرحيم السايح -استاذ الدراسات الاسلامية بجامعة الأزهر- أكد أن الاسلام الحنيف لا يكتفي بمحو أسباب التفرق والنزاع بين الناس، بل يدعو الى التسامح العام، لأن التسامح اساس التوادِّ وأن المنهجية الاسلامية تعلم المسلمين أن البشرية مدعوة بأمر ربها جل شأنه للتعارف والتعايش وفق القيم والمعايير والضوابط· وقال د· السايح: إن مبادئ الاسلام تدعو المسلمين الى احترام الناس وتقدير كل عطاء في ميادين القيم والسلوكيات وفي ميادين الماديات والمهارات، ومن المؤكد أن علاقة المسلمين بغيرهم من المجتمعات هي علاقة انسانية تدفعها الرغبة في العيش الكريم والسلام الشامل بين جميع الناس وإزالة القلق وعوامل الاضطراب والجشع والصراع السياسي والاقتصادي بين الأمم·