الاتحاد

الملحق الثقافي

الطريق إلى الحرية طوله 4000 كيلومتر!

يعود المخرج الأسترالي بيتر وير من خلال فيلمه الأخير “طريق العودة” the way back إلى موضوعه الأثير وإلى مناخاته السينمائية المفضلة التي تتناول سيرة الأشخاص المعزولين
في بيئات صعبة وفي أماكن تتخلق فيها الدراما من خلال القسوة التي تنبع من الطبيعة ذاتها، والتي لا تخلو أيضا من تصادمات بشرية.
تعكس عنف الإنسان إزاء عدوه وإزاء صديقه أحيانا.

حالات ومناخات عالجها هذا المخرج المقل في نتاجاته والموفق في خياراته من خلال المواضيع التي ينتقيها ومن خلال الممثلين الذين يضعهم في أدوار صعبة ومتوهجة في الوقت ذاته، نذكر من هذه الأفلام: “ساحل البعوض” مع الممثل هاريسون فورد، و”جمعية الشعراء الموتى” الذي رسخ موهبة الممثل روبين ويليامز، و”عرض ترومان” الفيلم الذي أعاد اكتشاف الممثل الهزلي جيم كاري بإقحامه في دور صعب وجاد، وهناك أيضا فيلم “سيد وقائد” الذي تطرق للمعارك البحرية في الحقبة النابوليونية مع الممثل راسل كرو، وفيلم “بطاقة خضراء” مع الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو في أول دور يقدمه باللغة الإنجليزية، وللمخرج بيتر وير أفلام أخرى حازت انتباهات نقدية مثل “شاهد” و”شجاعة” و”سنة العيش في خطر” و”نزهة قرب الصخرة المعلقة”، وغيرها من الأعمال التي قدمت منظومة من الأفكار المتداخلة والمتقاطعة حول المتاهة الإنسانية المتشكلة وسط ظروف ضاغطة ومجيرة لنبذ وإقصاء الذات البشرية لصالح التغيرات الاجتماعية العنيفة ولصالح الحروب والتناقضات الأخلاقية وطغيان السعار الاقتصادي والجنون السياسي.
الهروب الكبير
يقدم وير في فيلم “طريق العودة” المعروض حاليا بصالات السينما المحلية بانوراما مشهدية واسعة وممتدة تقوم على السفر والترحال ومجابهة أقسى التحديات الجسدية والنفسية في مسيرة هائلة لا توفر لسالكيها أقل قدر من الرحمة والأمان، وهي بانوراما بصرية بقدر ما تشتمل على لقطات مدهشة على مستوى الصورة، بقدر ما تتضمن معاناة الجسد البشري من أحاسيس منهكة وضارية مثل الجوع والعطش والبرودة الشديدة وحتى الحرارة التي لا تطاق، إنها المعاناة الفسيولوجية أيضا والتي تترجم هشاشة الإنسان وسط طبيعة عارمة ومتوحشة، وهي معاناة تكشف كذلك وعلى الضد عن المقاومة الداخلية التي يمكن لها أن تتجاوز المستحيل وتتفوق عليه.
يبدأ هذا السفر الشاق وهذا التحدي السينمائي من خلال تصدي المخرج لحكاية صعبة وشائكة توزعت خطوطها الصلبة وأسلاكها الدامية في كتاب ضخم احتوى على مذكرات واقعية وتفاصيل حياتية مروعة دونها مجموعة من الهاربين من الغولاغ السيبيري خلال الحرب العالمية الثانية، والذين قطعوا مسافة ماراثونية وجغرافية هائلة بلغت 4000 كيلومتر كي يصلوا إلى الهند، بدءا من ثلوج سيبيريا القاحلة ومرورا بالصحاري المنغولية والحدود الصينية وجبال الهمالايا، وصولا إلى منطقة الخلاص والحرية بالمعسكر البريطاني في الهند.
يبدأ الفيلم على مشهد سيبدو نموذجاً لمعطيات ودوافع الزج بهؤلاء المعتقلين في السجن السيبيري الرهيب، حيث نرى أحد النشطاء السياسيين البولنديين ـ يقوم بدوره الممثل الإنجليزي الشاب جيم ستورجيس ـ والذي يتم استجوابه من قبل الاستخبارات الروسية (كي. جي. بي.) بتهمة التجسس لصالح قوى معادية للثورة الشيوعية، ولتأكيد هذه التهمة يتم استجلاب زوجة الناشط إلى مقر الاستخبارات وتعذيبها كي تؤكد الهواجس والشكوك المحيطة بزوجها، تهمة التجسس هذه سوف تلاحق طيفا واسعا من المعتقلين ومن ضمنهم الدبلوماسي الأميركي الذي يقوم بدوره هنا الممثل إيد هاريس ـ المفضل لدى المخرج بيتر وير ـ بالإضافة إلى سجناء آخرين من المناطق التابعة لروسيا.
تتشكل دوافع ومسببات الفرار لدى السجناء اعتمادا على مقولة باتت شائعة بينهم وهي: “أن تموت وأنت حر، خير من أن تموت وأنت ذليل”، ورغم التحذيرات المتكررة التي يطلقها مسؤول السجن على المعتقلين الجدد والتي تؤكد على أن الهرب من السجن السيبيري هو بمثابة انتحار مؤكد، إلا أن هذه التهديدات لم تكن ذات تأثير قوي على أشخاص ارتبط مصيرهم بمصير أشخاص آخرين ينتظرونهم على الضفة الأخرى من الحياة، رغم المسافة الشاسعة التي تفصلهم، ورغم ضآلة الأمل في قدرتهم على النجاة، المعتقلون الآخرون كانوا يبحثون عن خلاص داخلي وعن تصفية لحسابات ذاتية مع عقدة الذنب والضمير، وهو ما رأيناه مع السجين الأميركي الذي تسبب في مقتل ابنه الوحيد عندما أتى به إلى هذه الدولة البوليسية الشرسة ـ حسب ما يرد في المشاهد الختامية للفيلم ـ ورغم محدودية الصراع بين هؤلاء الهاربين، ورغم المستويات الأدائية المتقاربة للممثلين والتي لم تخل من مفارقات ومواقف ساخرة خففت نوعا ما من الوضع العام والمؤلم، إلا أن أداء الممثل كولين فاريل الذي جسد دور القائد المتمرد المنتمي لإحدى العصابات الروسية، كان دورا مميزا لاحتوائه على تناقضات وتمزقات داخلية توزعت بين المحافظة على المصير الجماعي للفارين، وبين الأنانية الفردية التي لا تحتمل الإبقاء على المرضى والضعفاء الذين يمكن لهم أن يعيقوا خطة الهرب.
ميراث العنف
وما زاد من أعباء هؤلاء السجناء الفارين نحو المجهول ملاحقة فتاة صغيرة لهم ـ تقوم بدورها الممثلة سايرس رونان ـ والتي يتبين لهم لاحقا أنها هاربة من ملجأ للأيتام، بعد التصفية الجسدية التي تعرّض لها والداها من قبل الاستخبارات الروسية وبذات التهمة الشائعة والمتداولة وهي التجسس لصالح القوى المعادية، ويركز المخرج من خلال لقطاته المعتنى بها جيدا على التحولات النفسية والجسدية التي تطرأ على الهاربين الذين تنفذ منهم المؤونة القليلة التي سربوها من السجن، وتبدأ هذه التحولات مع تصرفاتهم البهيمية والغريزية الصرفة التي تتوضح من خلال التقنيات البدائية والفطرية عند إشعالهم للنار وعند بحثهم عن الماء وعن الطرائد المختفية وسط الغابات والجبال والكهوف والصحاري والأنهار، والتي تكشف مدى تباين واختلاف البيئات المناخية والمناطق الجغرافية التي عبروها، والأخرى التي استوطنوها لفترات وأيام قليلة حتى لا يظفر بهم حراس السجن، وحتى لا يقعوا أسرى تحت يد الأهالي الذين تنتظرهم مكافآت مجزية في حال عثورهم على سجناء فارين أو غرباء مجهولين.
هذه المسيرة الطويلة وهذا الهروب الكبير لن يخل بالتأكيد من علاقات إنسانية تنشأ عفويا وتعلي من شأن الصداقة والإيثار والتضحية، كما أنها لن تخل أيضا من ضحايا ومن أضرار جانبية، وأخرى جسيمة تتمثل في موت ثلاثة أشخاص من المجموعة، ومن ضمنهم الفتاة التي أضفت نوعا من اللمسة الأنثوية الحانية على الحياة الخشنة والطبيعة القاسية المحيطة بالجميع، موت سوف يعيد تذكير الأحياء بمشهديات البؤس المتلاحقة، وبلعنة الحروب وتصادم الأيديولوجيات، ولكن على شرارة الأمل أن تصمد، وعلى حس التفاؤل أن يرفرف وسط كل هذا الصمت والموات والأرواح الهامدة، وهو ما يتحقق في النهاية عندما يصل ثلاثة فقط من الفارين إلى الحدود الهندية كي يحفروا إمضاءهم الجسدي الأخير على ملحمة إنسانية جامحة لم توفر صراخا وعرقا ودما إلا نقشته على صفحاتها، في إدانة واضحة ومدوية ضد الميراث الأسود والحالك لفوضى الحروب

اقرأ أيضا