الاتحاد

الملحق الثقافي

خيول جامحة تبحث عن فرسانها

كانت لوحة التشكيلي العراقي زيد عدنان “هروب من بغداد” أبرز الأعمال التي ضمها معرض “اتجاهات” الذي نظمته رابطة الفنانين التشكيليين في الأردن بمشاركة ثمانية عشر فنانا عراقيا تناولت لوحاتهم قضايا متباينة وفق أطيافهم السياسية ورؤيتهم الفنية. وتمثل اللوحة التي أجمع معظم الفنانين ورواد المعرض أنها تصور بصدق وموضوعية وحرفية الوضع العراقي الحالي مجموعة من الجياد المذعورة بألوانها المختلفة تجري في جميع الاتجاهات في رمزية سياسية تحتاج من متفحصها أن يسقط مضمونها ويخرج باستنتاجاته الخاصة.
وفي حديث معه قال التشكيلي زيد عدنان: إن دلالة الحصان ترمز للمواطن العراقي الأصيل “الناس الأصلاء” لأن المباشرة في العمل الفني تعتبر من وجهة نظري ضعفا والرموز هي التي تعطي السحر والعمق والمدلولات أكثر مما يعطي أي عمل مباشر الذي يشبه “البوستر”. كما أن الخيول بلا فرسان وهذا إسقاط سياسي يعطي صورة عن معاناة العراقيين وتدل على أن جميع الأمور تائهة وغير منضبطة وهروب من هذا الجحيم لوجهات ليست واحدة قد تكون مهجرة تبحث عن ملاذ تستطيع الوصول إليه.. غير مستقرة تركض بخوف بلا وجهة معينة وكل همها الخلاص من هذا الجحيم والتصفية والتهميش. فإذا كانت الخيول ترفض العيش في هذه الظروف غي الطبيعية فكيف بالطبقة المثقفة التي تحتاج الأمان والأمن فما يجري هناك ساحة معركة حقيقية يذهب ضحيتها أبرياء جراء التصفيات وكواتم الصوت والاعتقالات.
ويضيف عدنان: اللوحة تمثل العراقيين الذين شبهتهم بالخيول العربية الأصيلة فكل أصيل هرب لأنه مستهدف وليس لأنه خائف فالمخطط أكبر من أن يدافع عن نفسه بأي طريقة حيث اجتمعت كل القوى المتعاكسة أو المتضادة حول نقطة واحدة هي تصفية الكفاءات والطبقة المثقفة التي تقود المجتمع لذلك ترى الخيول هاربة في جميع الاتجاهات باحثة عن ملاذ آمن. فالمثقف لا يملك سلاحا بل يملك فكرا وعملا وبحثا علميا ويريد ظروفا مناسبة للعطاء والإبداع ومن هنا تجري الخيول للضفة الأخرى بحثا عن الأمان والاطمئنان وهكذا الإنسان العراقي.
ويقول التشكيلي العراقي: بعد غزو العراق أصبحت جميع لوحاتي بدون شعور لها مدلول سياسي لأن الفنان الحقيقي هو إبن بيئته ويعبر عن هموم الناس ومجتمعه ولا يستطيع أن يرسم أناسا يرقصون أو حزمة من الورد أو حدائق خضراء في هذه الظروف وشخصيا أركز على رسم الخيول وهي تركض وترمز لأصالة الإنسان العراقي والثيران التي ترمز للفحولة والقوة والخصوبة والجنس ولكن لوحاتي كانت ترمز للسياسي الموجود حاليا على الساحة العراقية الذي لا يكترث سوى الحصول على رغباته بأي وسيلة كالثور الجامح الذي لا يستطيع أحد إيقافه.
وفي إحدى اللوحات تصور كيف يطارد الثور الخيول “مطاردة مليشياوية” وأود القول إن خيولي جامحة عنوانها الكبرياء والشموخ وليست منهزمة أو ضعيفة أو هاربة خوفا لكن بسبب تغير الوسط فقد أصبحت مخلوقا يعيش في غير أجوائه.
أما لماذا اختار اللون الحار (الأحمر الناري) فهذا، كما يقول زيد عدنان، يمثل الجحيم في بغداد لأن المؤامرة على هذه المنطقة مخيفة فهناك مناطق عراقية تغيرت بالكامل وأصبحت خرابا رمزت لها بهذا اللون كتعبير بالريشة “هروب من بغداد” أو هروب من الجحيم!. كما أن الشمس في اللوحة دامعة فهذا أصبح تقليدا في لوحاتي إذ لا تخلو واحدة من وجود الشمس أو القمر وهو بالنتيجة الأمل الذي يتطلع له جميع العراقيين وهنا أسأل: هل ستشرق الشمس من جديد على العراق؟ ولكن رغم كل شيء هناك الأمل والإصرار لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي.
ويقول زيد عدنان إنه يميل للرمزية التعبيرية التي تقود جميع أعماله ويعمل دون خوف ولا يتوجس من استعمال معين ويحرص أن يكون العمل جريئا بعفوية مدروسة وهذه أهم سمات أي عمل من أعماله.
ويضيف انه يركز على الواقع الذي يعيشه العراق “همي الأول”، فالفنان ينطلق من محليته نحو العالمية دون تقليد لأي اتجاه أو مدرسة معينة أو ما يسود من موجات فنية بل يقدم ما يحس به ليخرج بشكل صادق وأمين يكون وقعه على المتلقي المختص وغير المختص على شكل صدمة أو فرح أو حزن.
ويتابع: لا أقلد أحدا ومن وجهة نظري فكل مقلد ينسخ تجربة غيره فيما الإنسان الواثق بنفسه يكون صاحب خط معين أو مدرسة بين الأساليب والمدارس ليفرض أسلوبه ورؤيته الخاصة فالتكرار لا يعتبر إبداعا بل رسما والرسام ليس بالضرورة فنانا.
ويرى ان الفنان هو الذي يطرح أسلوبا جديدا وتكنيكا جديدا وقضية جديدة وكثيرا من التساؤلات التي تهم المتلقي وتثيره وتجذبه ليتفاعل مع مضمون العمل الفني. وحول أثر المدرسة التشكيلية العراقية على الحركة الفنية بالأردن رأى زيد عدنان أن باحثا في إحدى الجامعات الخاصة في عمان أجرى إحصاء قبل سنة ونصف فاكتشف أن 68 معرضا تشكيليا عراقيا أقيم مقابل خمسة معارض أردنية مما يشير على نشاط الفنان العراقي ومحاولة طرح تجربته وتعريف المجتمع الأردني بها.
ويعتقد أن التجربة التشكيلية العراقية أثرت بشكل كبير في تطوير وتنشيط الحركة الفنية الأردنية في السنوات الأخيرة، “ففي الوقت الحاضر نشاهد عشرات المعارض لفنانين أردنيين”.

اقرأ أيضا