الاتحاد

الملحق الثقافي

الضحية والجلاد

لا تمثل الوقائع الخارجية فى مسرحية “القصة المزدوجة للدكتور بالمي”أهمية كبيرة إذا قيست بالتحولات النفسية والصراعات الفكرية والتأزم الدرامي المحتدم فيها. فأحداث تعذيب السجناء السياسيين المدافعين عن حقهم وتشويههم عمليات لا تزال تطفح بها مجتمعات ما قبل الديمقراطية، وهي للأسف تجد تبريرها لدى المدافعين عن النظم القمعية، وهذا ما يعرضه بوضوح رئيس الشرطة السياسية لتابعه “دانييل” عندما يطلب إعفاءه من ممارسة عمليات التعذيب، يقول له: “اسمع يا أحمق، أنا لم أخترع التعذيب، فعندما جئت أنا وأنت إلى هذا العالم كان يوجد فيه التعذيب كما توجد فيه الآلام والموت، ربما كان شيئا هجينا، ولكننا نعيش في غابة، ولهذا فهي همجية عادلة”، فيرد عليه تابعه المحبط: “ولكنها ضد كائنات بشرية”، فيرد رئيسه: “ما أشد قلقك من أجل هذه الكائنات البشرية، لقد رأيتهم هنا، معظمهم لا يساوي شيئا على الإطلاق، وليس هناك أي تقدم في التاريخ لم يقم على حساب جرائم لا تحصى”، فنرى المغالطة الفادحة في اعتبار المجتمعات مجرد غابات لوحوش تأكل بعضها يسمى تقدما في التاريخ، فيدرك المرؤوس هذه المغالطة ويقول لرئيسه: “تقصد شهداء لايحصون”، فيرد عليه: “أنت مثل الطفل الذي يرى العالم على أنه حكاية الطيبين والأشرار، لكن كثيرا ما يكون الجلاد قد استطاع أن يتغلب على الصعوبات ويعيش، بينما يكون الشهيد جلاد لم يمت في الوقت المناسب.. شهداء.. جلادون، كلمات للدعاية، لكننا نحن الآن هنا فى موقع القوة، وسأقول لك الحقيقة: من الجوهري أن يقول الحق في صفنا، عندما يحدث هذا لا تكون للوسائل المستعملة أية أهمية”.
ومع أن الصراع الفكري بين الطرفين غير متكافئ، فإن مناخ الدراما الذي يجعل آهات المعذبين تخترق أسماع المتحاورين، وما يكشف عنه “دانييل” من أن معظم رفاقه مدمرون في دواخلهم، كل بطريقة خاصة تكشف هشاشته، وأن ذروة العذاب النفسي الذي وصل إليه بعجزه لن تجعله قادرا على الاستمرار في عمله فإن رئيسه يعرف ذلك ويتجاوز بعد أن يهدده بأن يلقى المصير ذاته، لكن مأساة زوجته تتفاقم، فقد كانت مخدوعة في طبيعة عمله، فتطاردها الكوابيس الثقيلة، وتنتابها حالات الإشفاق على طفلها أن يتعرض لمثل ذلك، وتتصاعد أزمة الزوجة حتى يصل بها الأمر إلى مواجهة الزوج، فتنزع من وسطه مسدسه وتطلق عليه الرصاص في لقطة رمزية تعني ضرورة إنقاذ الأجيال الجديدة. وقد وصل بنا المؤلف إلى هذه النتيجة بوسائل درامية بحتة.
وقد نشرت ترجمتي في أبريل عام 1974، وقدمت على المسرح القومي في القاهرة، وقام بدور البطولة فيها الفنانان عزت العلايلي ومحسنة توفيق، ولا تزال تقدم في كثير من المواسم المسرحية. والآن بعد قرابة أربعة عقود أجد أن تفاقم مشكلة القمع والتعذيب السياسي كان أحد الأسباب الرئيسية في تفجير ثورة الغضب في مصر، التي ستدخلنا التاريخ الحديث بفتح أبواب التحول الديموقراطي.

drsalahfadl@gmail.com

اقرأ أيضا