الاتحاد

الملحق الثقافي

مَسْرد للحياة الأدبية في مدينة الرسول الأكرم

نالت المدينتان المقدستان مكة المكرمة والمدينة المنورة الحظوة الكبرى في الأحداث التاريخية والاقتصادية والأدبية الثقافية التي تميزت بهما عبر أدوار تاريخهما الإسلامي.
وإذا كانت مكة المكرمة مهبط الوحي ودار الهجرة المباركة، فإن أرض طيبة الطيبة، المدينة المنورة قد تميزت بالحركة الأدبية فيها خلال القرنين الثاني عشر والرابع عشر الهجريين وذلك من خلال بروز تيار شعريّ همّ حديثه الشأن السياسي الذي كانت تعاني منه بيئة المدينة المنورة، وكان لهذا التيار الشعري روّاده المبرزين إبان تلك القرون.
وقد أسهم الدكتور عاصم حمدان المولود بالمدينة المنورة والأستاذ الأكاديمي في عدد من الجامعات داخل وخارج السعودية، وأستاذ الأدب العربي والنقد في جامعة الملك عبدالعزيز، بالعدد” 168” لكتاب المجلة العربية الصادرة في الرياض الموسوم بـ” الشعر في المدينة المنورة بين القرنين 12-14 هـ”، حيث قدم فيه مَسْرَداً لشعراء المدينة بين القرنين 12-14 للهجرة، معتمداً في توثيقه على عدد من المخطوطات والكتب المطبوعة، وعدد من المصادر الإنجليزية وبعض الدوريات.
الشخصيات الشعرية
اشتمل الكتاب على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. إذ أشار المؤلف في مقدمته المقتضبة إلى أنّ هناك خلال القرنين 12-14 هـ تيار شعري سياسي في المدينة المنورة من ابرز روّاده:” السيد جعفر البيتي، عبدالجليل براده، وإبراهيم الأسكوبي، محمّد العُمري، وعبيد مدني”.ثم جاء الفصل الأول تحت عنوان” الشخصيات الشعرية”، الذي عرض فيه لشعراء المدينة المنورة سارداً لنا سيراً ذاتية لكل واحد منهم مع إبراز آثارهم الأدبية والنقدية ، وأنموذجات من قصائدهم الشعرية.
البيتي وبرادة
وأول شعراء المدينة المنورة الذين دون لهم مؤلف الكتاب “ جعفر البيتي” 1110-1182هـ” من أسرة نسبها إلى بيت مَسْلمة من أعمال تريم في حضرموت. جمع بين نظم الشعر والاشتغال بعلم الطب المعروف في زمانه، كما عُرِف عنه اشتغاله بصناعة النثر الأدبي، وقد تجاوز البيتي في كتابه المخطوط” مواسم ألأدب وآثار العجم والعرب” التأريخ إلى جانب الأدب، وعلم التاريخ إلى الترجمة، إضافة إلى مختارات شعرية لكبار الشعراء- على مرّ العصور العربية، وتدل هذه المختارات على ذوقه الشعري الرفيع.
ثم تحدث عن الشاعر عبدالجليل برادة 1240-1327هـ” المغربي الأصل، الذي نظم الشعر، وهو في الخامسة عشرة من عمره، ودرس في المسجد النبوي الشريف في العشرين من عُمره، وبحسب معاصريه فقد عدوه- برادة- من كبار اللغويين، وأضاف إلى ثقافته العربية روافد من اللغتين التركية والفارسية، كما تعمق بالعلوم الدينية، إلاّ سِمَة الأدب قد غلبت على الشاعر، حتى صُنِف كواحد من شعراء بداية اليقظة العربية.
الأسكوبي والعُمري ومدني
أما الشاعر الآخر ضمن الشخصيات الشعرية، فهو الشاعر إبراهيم بن حسن الأسكوبي” 1246-1331هـ” الذي ولد ونشأ في المدينة المنورة، ويُعد امتداداً لمدرسه شيخه عبدالجليل برادة، حيث درس الفقه والحديث والتفسير والمنطق وعلم الأدب والهيئة- علم الفلك- على طائفة من علماء المدينة المُبرزين في تلك الحقبة الزمنية، وقد أمتاز شعر الأسكوبي بوصف المخترعات الحديثة، حيث ألف مزدوجة ضمنها مفاخرة بين وابور البرّ ووابور البحر، وبسبب هذه الانعطافة الجديدة في مسيرة الشعر التقليدية آنذاك يرى البعض أن شعره يمثل الإرهاصات التي سبقت مولد الأدب الحجازي الحديث، خاصة، وأدب الجزيرة عامة.
ومن شعراء المدينة المنورة الشاعر محمّد أحمد العُمري الواسطي” 1280-1365هـ” الجزائري الأصل الذي درس العلوم الدينية بالمدينة المنورة، والتقى الشيخ الشاعر برادة في الحرم النبوي الشريف، وتلقى على يديه دروساً في اللغة والنحو، وأفرد حمدان له مجموعة قصائد سياسية ناقدة للوضع آنذاك.
وختم المؤلف الفصل عن الشاعر عبيد عبدالله مدني” 1324-1396هـ”، حيث كان موهوباً في الشعر، وكتب عنه عبدالقدوس الأنصاري بأنه صاحب الدور الحقيقي الذي قام به في بيئة عُرفت بأنها من أكثر بيئات الجزيرة العربية احتفاءً بالشعر منذ العصر الجاهلي، فهو بحق وحقيق أول ناشئ في المدينة المنورة جنَحَ نحو الأدب الحديث والأدب الحديث، ومنهج الأدب الحديث في المدينة المنورة.
كما ساهم مدني في المجالس الأدبية بمكة المكرمة التي كان يغشاها ويأنس بفطرته الأدبية لروادها، وربما ذكرته بالطريقة التي كان شيخه العُمري يشجعه بها على إبداع الشعر حيث يطلب منه تذليل أبيات معينة فإذا هو ينطلق من ذلك التذليل إلى نصّ شعريّ فيه من الجِدَة والابتكار في المعاني ما فيه إضافة إلى الديباجة الشعرية العربية الأصيلة.
رؤية حول النصوص
ختم المؤلف كتابه “رؤية حول النصوص الشعرية” الفصل الثالث، الذي أشار فيه إلى بيئة المدينة المنورة التي عرفت الشعر السياسي والوطني مثلها كمثل بيئات الجزيرة العربية، حيث اشتهر فيها شعراء غير الذين دون لهم عاصم حمدان في كتابه ومنهم: الشيخ أحمد بن مشرف، سليمان بن سحمان، محمد بن عبدالله بن عثيمين، وعبدالعزيز بن عبداللطيف المبارك. كما تناول بالتحليل رؤيته النقدية الفنية للشعراء والنصوص الشعرية التي استشهد بها خلال الفصلين الثاني والثالث من الكتاب.

اقرأ أيضا