الاتحاد

الملحق الثقافي

أسرار نجاح الصين الاقتصادي

طريق الصين: النظرة العلمية إلى التنمية” هو الكتاب الأول في سلسلة الكتب الشهرية التي تشكل نشاطاً ثقافياً جديداً تضطلع به مؤسسة الفكر العربي ضمن سلسلة الكتب الشهرية “معارف” التي جعلت شعارها “المعرفة تسبق الرأي”، وهو مشروع يقوم على “الإيمان بوحدة الحضارة الإنسانية مهما تعددت ثقافاتها وتنوّعت روافدها” كما ورد في الكلمة التي قدّم بها للكتاب الأول الأمين العام لمؤسسة الفكر العربي الدكتور عبد المنعم سليمان.
يقوم المشروع على إصدار كتب شهرية تمزج تأليفاً وترجمةً بين الفكر والتنمية الإنسانية لتقدّم للقارئ العربي معارف من شتى أنحاء العالم إيماناً بالانفتاح على ثقافاته جميعاً: فلا عجب إذاً في أن يكون الكتاب التالي الذي سيصدر الشهر المقبل في سلسلة معارف هو التقرير السنوي الفرنسي الذي يحمل عنوان “أوضاع العالم” والذي يقدم لقراء العربية معرفة شاملة بدول العالم أجمع ومعرفة معمَّقة بمجتمعاته وأوضاعها الاقتصادية والسياسية والثقافية جميعاً.
فالصين التي حققت في مدى زمني قصير قفزة تطورية هائلة فعلت ذلك في غفلة عن العالم وكأنها فاجأته بوثبة لم يفهم العالم آليات حدوثها فيأتي الكتاب الذي ترجمته مؤسسة الفكر العربي: “طريق الصين: النظرة العلمية إلى التنمية” لمؤلفه البحاثة الصيني تيان ينغ كوي ليلبي احتياجاً معرفياً لدى الشرائح القارئة العربية بجميع مستوياتها ومختلف اهتماماتها وانشغالاتها ويستجيب لحاجات تساؤلية لا تراود أذهان العرب فقط ولا أبناء الدول النامية وحدهم سواء في الغرب أم في الشرق حول الكيفية التي نقلت الصين من مرتبة ورائية إلى مكانة أمامية وجعلتها في طليعة دول العالم قادرة على منافسة اليابان والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وإنما هي كيفية حيّرت أذهان المسؤولين في الدول الكبرى نفسها.. فيكشف المؤلف وهو خبير اقتصادي وباحث سوسيولوجي ماهية تلك الكيفية ويُظهِر خوافيها ويُطلعنا على أسرارها للوقوف على سرّ إفلاح الصين خلال فترة زمنية وجيزة وقياسية في تحقيق ما دفع الغرب إلى القول أخيراً بأن “العملاق الصيني قد استيقظ” وكان في أواسط القرن الماضي يحرص على عدم إيقاظه ويخشى يقظته.
يكمن السر ـ على نحو ما يفسره المؤلف ويُدركه القارئ بسهولة ويُسر ـ لا في التنمية المستدامة وحدها (وقد باتت هذه التنمية هي وصفة الترياق للمجتمعات المتأخرة لتحقيق نموّها المنشود) بل في الجمع بين التنمية المستدامة من جهة أولى والتنمية المتوازنة من جهة ثانية.
على أن الصعوبة كل الصعوبة ـ وهنا يكمن سر الوصفة الصينية التي بات على العالم أجمع أن يقصد الصين لتعلّمها (عملاً بالحكمة العربية المعروفة “أطلب العلم ولو في الصين”) هي في معرفة كيف تمكنت الصين لا من امتلاك أسباب النمو التكنولوجي فحسب بل في جعل هذه الأسباب ناجعة بدمجها بأسباب التنمية الاجتماعية التي تشمل جميع قطاعات المجتمع والتي جعلت الهدف الأسمى لها تنمية القدرة الشرائية للصينيين جميعاً ولاسيما الفئات الفقيرة وبخاصة في المناطق النائية من خلال تمدين الأرياف من أجل جعل السوق الداخلية في الصين (ويا لها من سوق: مليار وثلث المليار نسمة، أي السوق العالمية برمتها قبل بضعة عقود فقط!) بديلاً عن السوق العالمية يُغني الصين عن الأسواق الخارجية برمّتها إذا ما اقتضى الأمر ذلك!
سرّ نجاح الصين في تقدمها الاقتصادي والاجتماعي هو في تقديم الاقتصادي على السياسي أولاً ثم في التوفيق بين الاجتماعي والاقتصادي ثانياً.
والكتاب بصفحاته المائة والخمسين شرح مبسّط للعقد التي يتركّب منها سرّ التقدّم الصيني وتشريح جراحي لمفاصل وثبته العملاقة عبر فصوله الخمسة التي يجيب أولها على السؤال: “لماذا تتبنى الصين النظرة العلمية إلى التنمية؟”، ويتولى ثانيها الإجابة عن التساؤل: “كيف نحقق تنمية مستدامة؟” ويضطلع ثالثها في حلّ معضلة: “كيف نحقق تنمية متوازنة؟”، ويوضح رابعها “الأهمية القصوى للتنمية المنسقة بين المناطق المُدُنية والمناطق الريفية” في حين يستأثر الفصل الخامس والأخير منها بتبيان “البناء السياسي في ظل المفهوم الجديد للتنمية”.
لفهم السر الصيني وإدراكه لا بدّ من امتلاك “طريق الصين” بسلوكه عبر قراءة “ النظرة العلمية إلى التنمية”.

اقرأ أيضا