الاتحاد

الملحق الثقافي

دعا خلال رحلاته إلى الشام والعراق إلى رفض النعرات الفرعونية والفينيقية

انتهى الباحث عبدالسلام حيدر من جمع وإصدار أعمال إبراهيم عبدالقادر المازني غير المنشورة، فقد صدر المجلد الخامس والأخير من هذه الأعمال ويضم رحلات المازني الى العراق والشام ولبنان. وكان المازني قد أصدر في حياته رحلته الى الحجاز، وبذلك تكون رحلات المازني قد تركزت في منطقة المشرق العربي ولم يذهب الى المغرب العربي وشمال أفريقيا ولا نعرف هل لم يدع اليها أم أنه كان ممنوعاً من السلطات الفرنسية.
ذات مرة وهو في دمشق قرر أن يزور فلسطين قبل أن يعود الى مصر لكنه فوجئ بالسلطات البريطانية تمنعه من دخول فلسطين بعد أن اجتاز الحدود، قيل له إنه ممنوع من دخول فلسطين برا أو جوا.
كان المازني مهموماً في رحلاته تلك بما اطلق عليه “روح الشرق العربي الواحدة” وكانت تلك الروح تسيطر عليه وتبدو في كتاباته بمسميات مختلفة مثل “روح العروبة” و”الحركة العربية” وأحياناً “المعنى العربي” ولم يكن يخفي انزعاجه البالغ من بعض النزعات التي ظهرت خلال الثلاثينيات بين عدد من الكتاب، في مصر وفي لبنان تحديداً، كان هناك في مصر من تبنى الدعوة الى الفرعونية وكان معنى ذلك الانسلاخ عن العروبة أو التخلي عنها، وفي لبنان ظهرت الدعوة الى الفينيقية وكانت تقود الى نفس النتيجة ولذا نجده حين يذهب الى سوريا ويلتقي بكتابها ومثقفيها فضلا عن ساستها وفي مقدمتهم الرئيس شكري القوتلي يبدي سعادة بالغة بأن العروبة هناك خالصة ونقية، يكتب المازني في نوفمبر عام 1944 “سوريا الحاضرة وليدة الحركة العربية التي قامت جهرا وسرا في أخريات العهد العثماني، وقد كان لكثيرين من أقطاب سوريا الآن، مشاركة في تلك الحركة”. ويتحدث عنهم بالاسم وما قام به كل منهم، خاصة شكري القوتلي.
ديمقراطية سورية
ويبدي المازني إعجابه بالروح الديمقراطية في سوريا، بين مسؤوليها وزعمائها، وعدم تشبثهم بالسلطة واستبدادهم بها ويتحدث عن استقالة أحدهم من الوزارة، ولما سئل، هذا المسؤول، كان رده “وهل مناصب الحكم وقف علينا؟! إنها للأمة لا لنا”. ولما تولى فارس الخوري الوزارة خاطبه البعض في أمر ما فقال “إنما نحن هنا إلى حين فقط”.
ويرى أن ذلك حال رجال سوريا جميعا “بارك الله فيهم”.
كان المازني قد سافر الى سوريا عام 1944 للمشاركة في مهرجان أبي العلاء المعري الذي كان يعقد هناك وحضره حشد كبير من الكتاب والباحثين العرب جميعا، من مصر شارك د.طه حسين الذي كان نجم هذا المهرجان وكان أحمد أمين وغيرهما، اما المازني فكان وكيلا لنقابة الصحفيين المصريين، وسافر مكلفاً من النقابة ليحضر المهرجان ممثلا لها ونائباً عن النقيب وعن مجلس النقابة.
والى العراق سافر عام 1936 مدعوا لإلقاء بعض المحاضرات والدروس في الأدب العربي، وكانت سعادته بالغة بحركة التعليم في البصرة وبغداد وخروج الفتاة العراقية الى دور العلم ومشاركتها في الحياة العامة وقتها كان هناك عدد من المصريين يقومون بالتدريس ويشاركون في الحياة العامة من أمثال عبدالوهاب عزام والسنهوري والزيات. ويقول المازني “ من حسن حظ مصر أن الأساتذة الذين ذهبوا الى العراق لتولي بعض مناصب التدريس أو غيرها من ارقى المصريين وأكثرهم علماً وأحمدهم سيرة وأغزرهم مادة بل إن أمثالهم قليلون في مصر”. ثم يقول “ وهؤلاء الأساتذة الكبار سفراء غير رسميين من مصر الى العراق، ومما يجعل سفارتهم انجح وأعظم توفيقاً إنهم من المؤمنين بالقومية العربية والمدركين لقيمة التعاون يبن هذه الشعوب العربية التي مزقها الاستعمار وباعد بينها الجهل وسوء التوجيه وقلة الفطنة الى المصالح الحقيقية”.
ركب المازني السيارة من بغداد الى عمّان ومعه صديقه الفلسطيني أسعد داغر، وبينما هما في الصحراء على حدود الاردن، خرج لهم رجل بدوي وعرف المازني من صورته التي كانت تنشر في صحيفة “البلاغ” فسأله ذلك الرجل عن اخر المفاوضات التي تجريها مصر مع بريطانيا، يقصد المفاوضات التي أدت الى معاهدة 1936 كان هذا الرجل هو شيخ عنيزة من كبرى العشائر بالعراق. وسأل المازني: “كيف حال مصر”؟ “وماذا تم في امر المفاوضات؟ لعلها ناجحة ان شاء الله”.
ويقول المازني: “اطرقت وبي خجل، فإن قومي لا يذكرون الامم العربية مثل ذكراها لهم”.
متابعات شامية
وفي لبنان وفي شرق الاردن ـ وقتها ـ وفي العراق وسوريا كان يجد الاهالي هناك يتابعون ادق التفاصيل عن مصر، يعرفون كتابها وفنانيها وسياسييها وعلماءها، وكان ذلك يذكره بضرورة وأهمية القومية العربية أو العروبة، ويتهكم على من ينكرونها خاصة في مصر بالقول “على ان غير المؤمن بهذه القومية لا يلبث إلا قليلا في العراق حتى يهتدي بعد الضلال ويتحول من الكفر الى الايمان، ويكفي ان يرى حب العراقيين لمصر واعجابهم بها، وعنايتهم الرقيقة بتتبع حركاتها من ادبية وسياسية وعلمية وفنية واقتصادية ليدرك ما يخفى احيانا على المقيم بمصر من منزلة بلاده وليفطن الى الوجهة التي هي اولى بها”.
كان المازني يريد ان يثبت لقرائه القرابة الروحية والنفسية التي لا فرق فيها بين العراق والشام ولبنان وفلسطين والحجاز ونجد واليمن ومصر.
ورغم حرصه هذا فإنه لم يكن يجهل ان ثمة فروقا بين هذه البلدان لكنها لا تؤدي الى القطيعة أو التباعد بل تدفع الى التقارب والالتئام ولنقرأ معا هذه الملاحظة وهو في دمشق يقول “وقد تكون اللغة العربية في مصر ارقى، واساليب الكتابة اجود، واحسب ان السوريين لا ينكرون على مصر هذا السبق والتقدم، ولكن الروح العربية هناك اعمق واعم واشمل، وما من سوري متعلم أو أمي، إلا وهو يعد نفسه مغرقا في العروبة فلا فينيقية ولا فرعونية ولا حيرة بين اصول شتى متقاربة أو متباعدة وانما هي العروبة صرفاً”.

اقرأ أيضا