الاتحاد

الملحق الثقافي

امرأة تسقط مدينة من حياتك

تتناول رواية “القوس والفراشة” للروائي المغربي محمد الأشعري موضوعي التطرف الديني والارهاب من زاوية جديدة، وتستكشف تأثيرات الارهاب على الحياة العائلية، إذ تروي قصة والد يساري يتلقى في أحد الأيام رسالة من تنظيم “القاعدة” تفيده بأن ابنه، الذي يتابع دراسته في باريس بحسب اعتقاده، مات شهيدا في أفغانستان. تنظر الرواية في وقع هذا الخبر الصادم على حياة بطلها، وبالتالي على علاقته بزوجته. هنا نص من الفصل المعنون بـ”كتاب المراثي” من الرواية.

توقفت عن كتابة “رسائل إلى حبيبتي”.
ذات صباح جلست إلى مكتبي وأدركت حتى قبل أن أفكر في الموضوع أنني لن استطيع كتابة رسالة أخرى إلى المرأة التي أحببتها، ونسيتها.. دون أن أنسى أنني مازال أحبها. فانتبهت عندئذ إلى أن كل قصة حب تنطوي على تمدد في الزمن. فما أكثر العشاق الذين يقولون لبعضهم أنني أحبك قبل أن أحبك.. أحبك منذ كنت مجرد فكرة في هذا الكون. احبك خارج الزمن الذي يجمعنا.. احبك في زمن لم يعد لنا، أحبك إلى الأبد.. وأشياء كثيرة من هذا القبيل يستعين بها العشاق لوضع فيض حبهم في لانهائية مستحيلة، ثم انتبهت أيضا إلى أن قصة العاشق الذي فقد ذاكرته، ولم يعد يستطيع أن يعثر على حبيبته في شكل محدد، هي إلى حد ما قصة علاقتنا بكل ما نبنيه في حياتنا، ونخلط بينه وبين أوهامنا واستيهاماتنا. إننا بعد مضي وقت ما لا نستطيع أن نجزم ما هو الجزء المادي المحسوس لهذا البناء، وما هو الجزء الذي لم يكن سوى أحلام مخذولة. ما هو المتحقق فعلا من هذا الخليط. ما الذي نسميه حياتنا، هل الأشياء التي وجدت أم التي كان يمكن أن توجد؟
عندما وضعت هذه الأسئلة حصل نوع من التداخل بيني وبين الشخصية التي ابتدعتها. وتهيأ لي أن فقدان الذاكرة، هو الشيء الذي أصابني خلال سنوات، عندما كنت اكتب تلك الرسائل واعتبرها نوعا من التعويض العاطفي أو نوعا من الاستباق لحالات الفقدان التي ستعتريني، ربما قمت بنوع من الإسقاط على ليلى عندما التقيت بها. ووجدت في علاقتي بها شكلا من أشكال التبادل بين ما كان وما لم يكن أبدا. لكن علاقتي معها وعلى نحو مفارق هي التي وضعتني بقوة في “الآن”، لأنها أقامت حولي سياجا من الواقعية، جعلني استرجع دفعة واحدة تفاصيل هامة في علاقتي بالأشخاص والأمكنة، ليس كتذكر، بل كإمكانيات متعددة وفعلية.
كانت فاطمة أول من ابتهج لتوقفي عن كتابة الرسائل. وقالت لي إنها تتفاءل من ذلك وتعتبره إيذانا باستئناف حياة جديدة، ثم سألتني عن ليلى، فقلت إنا نعيش مشتبكين تماما ولكن على مسافة!
أما ليلى نفسها فلم تهتم بتوقفي، مثلما لم تكن مهتمة بكتابتي. كانت لها نظرية خاصة تزعم بمقتضاها إنني أضيع موهبة مؤكدة في نصوص غير مؤكدة، وكانت تقول لو أن لها مثل هذه الموهبة لكتبت نصوصا أدبية خالدة، عوض إهدارها في مقالات تموت فور ولادتها.
وبينما كنت استعيد شيئا فشيئا بعض الرغبات المنسية، وأتدرب على الحياة في تجلياتها البسيطة، دون خضوع للمرارات المتوفرة بكثرة في الأجواء العامة. كان إبراهيم الخياطي يقود معارك حامية الوطيس في غابة الدار البيضاء، ويغرقنا معه في قضايا لم تكن تخطر لنا على بال، حتى أن أحمد مجد وجد في ذلك مادة خصبة لسخريته فسمى هذه المرحلة مرحلة النضال البيولوجي، نظرا لارتباطها الوثيق بالحياة الجنسية لعموم المواطنين.
كنت اقضي عطلة نهاية الأسبوع في مراكش مع ليلى أحيانا إلى أن أسرت لي في إحدى رحلات العودة إنها لن تعود معي أبدا إلى هذه المدينة. وعندما حاولت أن أقنعها بأن البيت الكبير والغالية وأحمد مجد وحتى ليلى وابنتها، كل ذلك يشكل جزءا أساسيا من حياتي، وإنني اعتمد عليه كمرفأ اهدأ فيه من عواصف الدنيا، قالت إنها تكره المدينة بسبب هذا المرفأ بالذات. وإنها ستنتهي إلى كراهيتي إذا استمر هذا الجو المقرف يهيمن على حياتي.. وأنها لم تقطع صلتها بأشياء كثيرة في هذه الحياة لتلقي بنفسها في خليط من فضلات ماض سحيق، وحاضر مفصول عن محيطه.. قلت ان مراكش مدينة فحسب.. ليست أسطورة، ولا أكذوبة.. إنها مجرد مكان يسمح لك باختيار مسارات متعددة لا يتحكم أحد في تدفقها! فقالت إنها لا تريد مدينة نحتاج في تعريفها لكل هذه الألاعيب اللغوية!
ثم حسمت الموضوع مؤكدة:
هل تعرف ما معنى أن تفرض علي مدينة اكرهها؟ انك تدعوني إلى كراهيتك!
وقد وجدت في ملامحها وهي تقول ذلك توهجا لا اثر فيه للغضب ولا للعناد، بل فقط لحيرة قاتلة، كما في ملامح شخص وقع في متاهة. فضممتها بقوة وقلت:
بلا مراكش.. إلى الجحيم بالبهجة، سأذهب إليها وحيدا من حين لآخر لأتفرج على انهياراتها الخفية.. معك حق! هذه مدينة لا تصلح لقصتنا، إنها عبارة عن زخرف كثيف، وطلاءات متراكبة، أما نحن، فنعيش حكاية بيضاء.. مثل حديقة يابانية لا نبات فيها ولا ألوان، مجرد قطع صخرية متراصة ترقص في عتماتها ملايين النبضات العذبة.
وقلت في نفسي هذه هي امرأة حياتي. عندما تستطيع امرأة أن تسقط مدينة من حياتك كورقة ميتة، فمعنى ذلك إنها بنت في دواخلك مدنا بلا حساب، وكدت أقول لها ذلك، لكن الخواء الذي يسكنني عاد من جديد ليقتل البذرة في مهدها.
صحبت إبراهيم الخياطي إلى زرهون لأساعده على التقاط معلومات تتعلق بملف زواج المثليين بقرية سيدي علي. وفي الطريق اتصلت بالفرسيوي، وعبرت له عن أسفي لما قُلته في المكالمة السابقة، كان هادئا في البداية ثم انفجر باكيا. أزعجني أن يكون متأثرا لهذا الحد بخصامنا، فكررت له أسفي وقلت إنني لم اعن حرفا واحدا مما قلت. لكهنه استمر في الإجهاش، فاعتقدت ان نوبة اكتئاب جديدة قد داهمته من تلك التي أصبحت ملازمة له منذ أصيب بالعمى، فبدأت أمازحه مفتعلا خفة روح بلا معنى، إلى أن أوقفني بجملة جافة.
ـ لقد سرقوا فسيفساء الفندق.
قلت إنني قادم فورا. وأنهيت المكالمة.
في بهو الفندق. كان الفرسيوي واقفا وسط الخراب الذي خلفه الزمن واللصوص. فأحسست لأول مرة منذ سنوات بارتعاش داخلي، مزيج من إحساس بالظلم والغضب والمرارة والمحبة لهذا الرجل الذي يقاوم بقامته العمياء وحدها، عناد تراجيديا يريد تقويضه كلما رفع الرأس.
قال الفرسيوي إنه يعرف اللص، لا يوجد أحد سواه، منذ جاء إلى المنطقة وهو لا يريد شيئا أكثر من الاستيلاء على ما بقي من الإرث الروماني؟
قال إبراهيم الخياطي:
ولكن هذا ليس إرثا رومانيا، انه ملكية خاصة!
امسكني الفرسيوي من ذراعي وقادني نحو بهو الاستقبال القديم.
من يكون هذا الرجل؟
صديق قديم، إبراهيم، انك تعرفه!
لا أريد أن أتكلم مع شخص من شاكلة أحمد مجد وما جاوره.
إنه ليس من شاكلته.
طيب، يجب أن يفهم أن اللص يعرف أن في فسيفساء الفندق قطعا من العهد الروماني، أي خبير مبتدئ سيعرف كيف ينتقيها من ركام الفسيفساء الجديدة!
ولكن لماذا تصر على أنه هو اللص؟!
أعرف ذلك، لأنه صاحب المصلحة في تخريب الفندق والضغط علي لبيعه، لأنه هو الذي سرق القناديل من مخزن الموقع قبل سنتين.. هو الذي سرق الخاتم الذهبي الذي عثر عليه الإنجليز قبل سنة!
دعك من هذه الأشياء، يجب أن تهدأ وتفكر فيما يجب عمله دون تشنج، ثم إن الأجزاء المسروقة قليلة جدا قياسا لما تبقى!
تكلمنا مع إبراهيم فخلص إلى القول بضرورة تسجيل دعوى ضد مجهول، عوض المغامرة باتهام رجل سلطة بدون حجج دامغة: ثم أضاف انه لا يرى ضرورة التصريح بان الفسيفساء تحتوي على قطع رومانية حقيقة. لأن ذلك سيعني أن اللص الوحيد المعروف والمعترِف هو الفرسيوي! فاستقر رينا جميعا على ذلك وذهبنا إلى وسط المدينة لتناول وجبة الكفتة المشوية التي اشتهرت بها المدينة في الشرق والغرب، والتي يصر الفرسيوي على أن ميزتها الوحيدة هي الوسخ وذباب!
وأثناء ذلك التقيت ببعض المعارف القدامى لاستيضاحهم في موضوع الأعراس المثلية بسيدي علي. فلم ننل شيئا كثيرا. كانت لهم نفس النظرة المشوشة عما جرى. ونفس الانطباع حول الضجة الكبيرة التي رافقت الحدث، لكونها كانت ضجة يفوق حجمها بكثير ما عاشه الناس في عين المكان. وعندما ذهبنا إلى قرية سيدي علي، لم نجد أحدا حضر عرسا من هذه الأعراس ولا وصفا دقيقا للطقوس التي نظمت بالمناسبة. كان الناس حول الضريح يكررون أن الزوار يعيشون في أجوائهم الخاصة كما يحدث في كل موسم. منهم من يتبع فرق حمادشة ويقاسمها جذبتها المعروفة. منهم من يتفرج على طقس الدم، عندما يعمد بعض المجاذيب إلى تكسير القلل الطينية على رؤوسهم الحليقة، أو إعمال الشواقير الحادة في تلك الرؤوس المترنحة على إيقاع الدقة الحمدوشية، منهم من يمرر قطعة خبز على الجروح الغائرة، منهم من يذبح معزة في لجة للاعيشة، أو يعلق قطعة ثوب على شجرتها “المقدسة”، ومنهم كذلك من يجلس الساعات الطوال ينتظر دوره أمام خلوة عرافة من عرافات الموسم. أما السكان فإنهم يلهجون بحمد الله، وبالترحم على الولي الصالح، جراء ما ينالهم من مداخيل استثنائية من الذبائح والأكرية، والحركة التجارية التي تبلغ أوجها في هذه القرية الجبلية المستكينة تحت ظلال الزيتون والخروب، لا أحد يسال أحدا، لا أحد يحشر نفسه في ما لا يعنيه، ولا أحد يستطيع أن يتوقع بالضبط ماذا سيجري في البيوت المغلقة إذا اقبل الليل واستقرت الجذبة الحمدوشية في رتابتها الآسرة.. من يتزوج من؟ ومن يطأ من في هذه الغابة البهيمة؟ لا أحد يعرف، لا أحد يريد أن يعرف، إذا حدثت أشياء من هذا القبيل فإنها حدثت بمعرفة المخزن.. إذا كان المثليون يقبلون على الموسم فلا أحد يعرفهم أو ينكرهم.. إنهم هنا ذائبون في ضجيج الموسم، وربما الشرطة السرية وحدها تعرف ذلك، ربما بعض المتحذلقين ممن يخلطون بين فرويد وسيدي أحمد الدغوغي، ربما بعض الصحفيين الذين لا يهيج خيالهم سوى قصص المؤخرة. أما نحن فقد طوانا النسيان لمدة قرون، عشنا حروبا ومجاعات وأنجبنا علماء ودهاقنة وأولياء لم يهتم بنا احد ولا نشر عنا خبر أو تعليق إلى أن ظهر وباء الفأر في قرية موساوة، ووباء الفأرة في سيدي علي.. ثم ما علينا، أين هم هؤلاء المثليون؟ هل فيهم شخص من سيدي علي أو موساوة أو لمغاصيين أو غيرهما من مداشر الجبل؟ طبعا لا احد! لا نعرف وجها ولا اسما من هذا الصنف إذا وجدوا بالفعل فقد جاؤوا في ركاب التنمية المستدامة.. جاؤوا من اجل ازدهار المنطقة، وتشجيع السياحة الثقافية، جاؤوا مثلما جاءت الكاميرات والباحثون وتجار العجائب. هل حقل جاؤوا لأول مرة؟ كيف يعقل أن يرتجل طقس بهذه الدقة هكذا بين عشية وضحاها؟ وإذا فموقع للاعيشة بنبعه المضمحل، وأوحاله وشجرته وذبائحه، وسومته الكرائية التي ارتفعت إلى أربعمائة ألف درهم في أسبوع الموسم، كل ذلك ارتجل هذه السنة أيضا، والعرافات والعرافون الذين يقصدهم أثرياء وأكابر من الدار البيضاء، والرباط وفاس ومكناس ومراكش وطنجة، ودول الخليج، كل ذلك ارتجل فجأة؟ يكذب عليك الكذاب يا سيدي، كل ما يمكن ان يخطر على بال يوجد في هذه القرية الوديعة، وفي موسمها بالذات، وبمعرفة المخزن!
عندما نزلنا من القرية صوب مكناس تساءل إبراهيم الخياطي عما إذا لم تكن الضجة افتعلتها جهة ما لغرض ما من أغراض المرحلة، فقلت إنني اعرف القرية منذ صباي. ولم اسمع فيها أبدا عن هذا الطقس ولكن لا احد يعرف كيف تنشأ الظواهر وتختفي في بلادنا. هناك كمياء غامضة تجعل أشياء متناقضة تخرج من نفس النبع. هذا موسم يقام احتفاء بالمولد النبوي، حول ضريح سيدي علي أحد أحفاد الهادي بنعيسى، واحد كبار متصوفة المغرب، يصبح ملاذا لطقوس المثليين والعرافين. في نفس الأمكنة وانطلاقا من نفس المشاعر الروحية، تلتقي ابتهالات المتعبدين، بصخب الأجساد المضطربة.. كل ذلك يتم تحت هيمنة الطقس الشعبي المنوط بعائشة مولات الواد، تلك المرأة التي استخدمها سيدي احمد الدغوغي تلميذ ومريد سيدي علي من الشرق ليعقد لشيخه عليها ويضع حدا لعزوبته المزمنة.. فلم يكن له ذلك، لماذا لم يتزوج سيدي علي أبدا؟ ولماذا يتزوج المثليون حول ضريحه؟ لا أحد يعرف؟

اقرأ أيضا