الاتحاد

الملحق الثقافي

محمد حسن الحربي.. مفارقات الموت والحياة

لا يتكئ الجيل الأول من المبدعين الإماراتيين، في الشعر وفنون الكتابة عموما، إلا على موهبته الطازجة الطالعة من عناصر التكوين الأولى للإنسان العربي في صحرائه المزدحمة بالرسالات والقيم، التي صاغت روحه وخياله. وحينما راح رموز من هذا الجيل يترجمون مواهبهم، بقصائد متوهجة ونصوص متمرسة، فإنهم لم يكونوا يعكفون على تشييد بنيانهم الإبداعي الخاص، بقدر ما كانوا يساهمون في صياغة صرح أدبي لوطن ناهض.. أصبح هو متكأ لأجيال من المبدعين الإماراتيين، أتوا وسوف يأتون..
هنا اطلالة على سير ونصوص رموز من الجيل الإبداعي المؤسس.


القاص والروائي الإماراتي محمد حسن الحربي له خصوصيته وتجربته المتفردة التي تستحق الوقوف عندها.. رغم أنه اليوم بعيد عن ميدان الكتابة في مجالات القصة والرواية تحديدا، ويشرح ابتعاده بقوله: “أنا اليوم بعيد عن كتابة القصص والروايات كثيرا من ناحية، ومن ناحية أخرى لقد أصبح عدد كتاب القصة القصيرة يزيد على عدد القراء في الوطن العربي، لقد أخذني العمل الصحفي والإعلامي ومنكب على التأليف في هذا المجال”. وهنا (ننبش) في ماضيه/ الحاضر من خلال أكثر من قصة ومجموعة من بينها مجموعته الأولى “الخروج على وشم القبيلة” وتتضمن قصة “إنهم يطاردون العصافير”، وقصة “عصافير الشتاء”، ويقول عنها الدكتور عبد المجيد زراقط في مقالة له بعنوان: “البادية العربية ـ القصة القصيرة الإماراتية” ونشرت في العدد 96 من مجلة “الرافد”: “يؤدي القص الراوي الشخصية سعود مغضوب فنعرف أنه شاب من الإمارات يعيش مع فتاة فرنسية في بيتها في باريس لكنه يعود سريعا إلى صحرائه مشتاقا.. فقد ترك النعيم وأتى إلى الصحراء التي يعشقها”. وتكشف القصة في محتواها عن اختلاف بين الحضارتين الغربية والعربية (الشرق والغرب) من خلال جملة من المواقف والأحداث صاغها الكاتب الحربي من خلال مفردات التضاد والسرد الوصفي ما بين باريس وصحراء الإمارات والناس والعادات والتقاليد بين البلدين. وهناك مجموعته الشهيرة “لفائف الربع الخالي” الصادرة عن دار الفارابي في بيروت عام 1999، وفيها هاجس سردي مقتضب استطاع الإمساك به وتوزيعه على إيقاعات القص ليكون التوجه السيادي في فضاء هذه المجموعة
حيث التمسك الشديد بإبراز دور الإنسان الحقيقي في الحياة فهو الذي يصلح أو يخفف هموم الناس وأوجاعهم، وفي الوقت ذاته يعجز عن إيقاف رغبته في الإيذاء في إطار من تنويعات الصور الفنية الغنية بالعواطف وتقلبات أحوال الشخصيات والحوار الأنيق، لتصبح في النهاية محملة بجملة من التباينات والاختلافات التي تولد صراعات متنوعة.
شخصيات قوية
كما كتب الحربي قصة جميلة بعنوان “التقرير” وأخرى بعنوان “حالة وفاة عادية” وترجمت إلى اللغة الإنجليزية، وهناك رواية “أحداث مدينة على الشاطئ” والأخيرة أنجزها العام 1986 وحظيت باهتمام نقدي لافت للنظر كأبرز رواية إماراتية اهتمت بتقديم حكاية المكان.. والمتتبع لأحداث هذه الرواية يكتشف أن الحربي قد ابتنى لنفسه مدينة من مدن الأحلام (مدينة من صنع الكاتب) كان يرتد إليها وكأنها المرفأ الأمين كلما اضطربت فيه أو من حوله الحياة وهي مدينة “المريبضة”. وتناول الدكتور سمر روحي الفيصل في الفصل السادس من كتابه “قضايا السرد في الرواية الإماراتية” وتحت عنوان “عناصر المكان الحكائية” هذا الموضوع، معتبرا أن أهمية الرواية في هذا السياق تنبع من كون السارد فيها سارد عليم ولا موقع محدد له، فكان نتاجه السردي مرتبطا بشخصيات الرواية كلها وبحكاية المكان بدلا من حكاية الشخصيات، مما سهل للقارئ إدراك المكان عبر الكلام. كما إنه قدم معلومات عن مكان روايته بأسلوب متدرج (السرد المتدرج) ولم يقدمها في فقرة واحدة أو صفحة محددة، بل راح ينثرها في صفحات الرواية بطريقة تحترم عقلية القارئ حين يعمل على جمعها في ذاكرته ويعيد بنائها بنفسه. وفي جانب آخر يرى الدكتور ثابت ملكاوي في كتابه “الرواية والقصة القصيرة في الإمارات ـ نشأة وتطور” أن الشخصيات في رواية الحربي وعلى رأسها بطلها أو النموذج المحوري (سليمان العبدالله ـ أبو حصة ـ الرجل القوي، طويل القامة الذي يحترمه الجميع، وهو أول من وجدوه في المنطقة يوم أن تركوا الصحراء باتجاه الساحل، رجل كريم، متعاطف مع الجميع) تظهر في مواقعها، وتكاد تحمل معها مبررات الخلق الروائي، وتتشكل في تنام، وتتصاعد تباعا مع أحداث الرواية، لكنه ليس التشكل الذي يصل إلى النهاية، ولكنه في موقع آخر يرى أن “الرواية تفتقد في أسلوبية السرد إلى نسق فني، حيث نجد صعوبة ونحن نقرأ الرواية في وضع حدود بين ما يقوله المؤلف والراوي والشخصيات، هذه الحدود التي لا غنى عنها في السرد الفني حيث تضع المتلقي أمام بنيان روائي له وقعه وإيقاعه الغنائي” وان كنت أرى عكس ذلك تماما، حيث أن الرواية تقوم على نوعين من السرد: الأول، ويستند إلى النموذج المحوري (البطل) والثاني، وقد سمح فيه لبقية الشخصيات (حمد بن خميس وابنه عوض وحماد السمي وابنه سعيد وأم حصة وغيرهم) بالتحدث عن نفسها وعن تجاربها في الحياة من زوايا النظر المختلفة. فالسرد هنا إذن سرد ثنائي وفيه جانب من الابتكارية كما أن له تنويعات صنعت الكثير من المواقف المتغايره والتداخلات التي كشفت عن حالات وتبدلات في عواطف وسلوك الشخصيات، ونعتقد أن الحربي نجح في تأكيد “خطاب سردي” متوازن ولا يختلف في الاستراتيجية العامة لروايته التي تحمل مضامين اجتماعية وإنسانية متفردة استطاع من خلالها أن يعبر إلى (جوانية) شخصياته، نظرا لتشربه الشديد من بيئته، مصورا ذلك التكاتف الاجتماعي الحميم في مجتمع الإمارات القديم والتغيرات التي طرأت عليه، معبرا بشفافية عالية عن جملة من العادات والتقاليد في حياة الساحل ورصد الخصوصية الاحتفالية للحياة البحرية ورقي الأخلاق والسلوكيات فيها ضمن إطار من الصور الفنية المتلاحقة المركبة واللمسات الجمالية في نسق المونتاج السينمائي والتقطيعات الغنية بالحركة التي أكدتها الحركة الداخلية للصورة، ونقرأ: “شعور هذا اليوم الحزيراني لا يختلف عن شعور يوم أمس، لكنه الأمل، تلك القوة التي لا يعرفها الإنسان كيف تسري في جسده فتجعله أكثر تفاؤلا في يومه عن أمسه، على أن رتابة الحياة اليومية في هذه المنطقة الساحلية تجعل مثل هذا الشعور لا يشطح بصاحبه بعيدا في أمانيه وطموحه ولا يكسبه مناعة نفسية قوية تجعله لا يدخل في عالم اليأس والكآبة الذي لا يعرف له أفق. يطحن نفسه بنفسه ليكون أمام خيارات محدودة “. ونقرأ أيضا: “لا يعرف أهالي مدينة “المريبضة” من الأعمال سوى ركوب البحر، يبحرون في شهور محددة في الصيف، مستخدمين مراكب مختلفة الأحجام، يغنون على ظهرها، وهم يبتعدون عن اليابسة مودعين نساءهم وأطفالهم الذين يقفون على الشاطئ يغرقون في البكاء حتى تغيب المراكب بحثا عن “دانة” في محارة لا يدري احدهم أي قاع من هذه القيعان تجود بها”، ليصل بنا الحربي في النهاية من خلال هذه التقاطعات إلى طبيعة الحياة والمجتمع والمشاكل التي تعانيها الشخصيات بجانب طموحاتها وأحلامها وهمومها، وذلك التمايز الاجتماعي بين الناس وأثر ذلك كله في بناء الشخصيات والكشف عن الصراعات النفسية في دواخلها، وحجم التغير الذي طرأ على مناحي الحياة والبيوت والناس وتقاليدهم وسلوكياتهم، بعد أن اكتشف الذهب الأسود (طفرة النفط) في البلاد وتدفقت الثروة على المجتمع واستسهل كثيرون سبل العيش وعلى نحو غير مباشر.. تركوا حياة البحر بما لها من ثقافة خاصة ومعادلات إنسانية أصيلة بحثا عن مشاريع كبيرة أكثر ربحا.
رياح العصر
ومن المهم أن نشير في هذا المقام إلى أن الحربي كان في هذه الخانة يلعب في إطار الدعوة إلى عدم التسرع في الانفتاح على الحياة العصرية منبها إلى أخطارها والأمراض التي يمكن أن تحملها رياح الانفتاح غير الواعي والمتسرع نحو نافذة الآخر، وأيضا الدعوة إلى التخلص من الخرافة ومطالبة أبناء المجتمع بنبذ الاعتقاد بالرقى بحثا عن الشفاء أو تغيير الطالع السيئ لهم في ظل التقدم الكبير الذي يشهده العالم وتشهده الحياة الاجتماعية في البلاد. وفي هذا السياق تذكر الباحثة فاطمة خليفة احمد في كتابها “نشأة الرواية وتطورها في الإمارات” (منشورات المجمع الثقافي 2003) إن مثل هذه الدعوات ظهرت “واضحة وقوية لدى كل من علي أبو الريش في رواية “السيف والزهرة” 1984، وعلي محمد راشد في روايته “عندما تستيقظ الأشجان” 1986، ورواية “أحداث على مدينة الشاطئ” لمحمد حسن الحربي”.
وفي الرواية ذلك (الإيقاع الغنائي) الجميل، فقد كان التوظيف الفني للغة ممتلكا وظيفته الدلالية وبعده الإيحائي، مقصيا بذلك الوظيفة “التزينية” التي حفل بها التوظيف التقليدي للغة وكان سببا في طغيان شعرية وغنائية هذه اللغة والنجاح في خلق صورة فنية ومشهدية بصرية عالية المستوى، ونقرأ: “على أن الهواء بنسماته الباردة يلفح الوجوه الملفعة بالأردية”، أو “أبو حصة جالس مثل الأخرس يحدق في اللاشيء”. ومما يلفت الانتباه أن لغة الحربي هنا هي أكثر شاعرية من لغته في قصصه الأخرى، فقد استطاع أن يحل الكثير من عقد اللغة في السرد والحوار الذي يصنع نوعا من الصراع الداخلي في أحيان كثيرة، حينما ترك شخصياته تتحاور وتتخيل على سجيتها وهو أيضا لا يتردد في استخدام الكثير من المفردات الشعبية أو من مألوف الكلام من البيئة المحلية ليتمكن من خلالها تحقيق التعبير الواقعي للمواقف ونسج تلك “الشحنة الإنسانية” في المواقف. ونقول إن لغة الحربي في هذه الرواية بسيطة وشاعرية في المضمون والإمكانيات، وتسجل له نقطة تطور في أسلوبه واتجاهه إلى البساطة والدماثة في إطار عصري لا يخلو من تقنية مدروسة في المضمون وخطة البناء الفني التي تؤكد على مهارته وتمكنه من طبيعة صيغة إطار روائي عصري محكم، محافظا بدقة على اتساقه وطابعه التوصيلي من خلال بساطة السهل الممتنع، وظلت المفردات تملك تلك القدرة في اختزان رحيق الحياة وطموح الشخصيات وعباراتها المتجددة والمليئة بالجماليات وتوصيف الحالات وتطورها عبر رؤية متجددة لرؤية الكتابة المستشرفة.
التجربة وصاحبها
وبين تلك الآراء في روايته “أحداث مدينة على الشاطئ” يقول الحربي في لقاء خاص أجريناه معه: “أهم ما أردت قوله في روايتي، إنه يختلط فيها التاريخي بالمتخيل في أساليب سرد واقعية هجرها الناس إلى الخطأ. والرواية عامة تؤشر إلى ذلك التغيير والوعي والتهور وغياب التجارب الحياتية والتراكم المعرفي.. التنظير المسبق هنا قد يقتل المتعة في القراءة.. أنا شخصيا أكره التنظير لما فيه من خطورة على القاص والروائي والمبدع عموما”.
نستطيع القول إن الحربي وبما حبته الطبيعة من أغوار خصبة وموهبة خلاقة وخيال جميل، هو من أقرب كتاب الرواية المحلية إلى اجتياز تخوم الإقليمية والمحلية إلى رحاب الإبداع الإنساني الذي تسقط فيه الحواجز رغم أن معظم كتاباته لا تخلو من محلية واضحة في المناخات والتنويعات من الأحداث والبيئات والشخصيات.. فالمشكلة التي يطرحها في رواية “أحداث مدينة على الشاطئ” هي مشكلة محلية بحتة وذات خصوصية نابعة من البيئة.. لكنه في ذات الوقت يصيغ أفكاره ورؤاه ومضامينه بطريقة تشير إلى قضية يمكن أن تناقش في أي بلد خارج الحدود، كونها مشكلة إنسانية تعنى بتبدل الإنسان وتغيره نتيجة التطور والتغيير الذي يحدث لكل مجتمعات العالم من خلال طرح مشكلة “التواصل مع المختلف” على نحو ما فعل كل من لوركا الاسباني في معظم أعماله، ومثلما كان يفعل الروسي أنطون تشيكوف في غالبية قصصه القصيرة وبعض أعماله المسرحية.
إن أغلب الشخصيات في قصص الحربي، تتجه نحو الموت الجميل باعتباره معادلا موضوعيا للحياة، في معالجة فنية راقية تقوم على عنصر (التضاد) وهذه ضمنا تشكل ظاهرة بارزة في مجموعته القصصية التي نالت حظا وافرا من النقد والمتابعة (حكاية قبيلة ماتت). يأخذ الموت أشكالا متعددة كنهاية لهذه الشخصيات، ففي قصته “انتهت الحفلة” يكون موت الشخصية، وهي عامل في إحدى الشركات، عنوان اتهام وإدانة مريرة للدوافع التي قادت هذا العامل البسيط إلى الموت في حفلة تكريمه “فتصلبت أعضاؤه فارتمى أرضا كجذع نخلة منخور.. حمله الحضور إلى خارج القاعة ليموت بعيدا عنهم، فقد انتهت الحفلة وحان وقت العمل” (من “حكاية قبيلة ماتت”).
أما في قصته “قراءة داخلية” فنقرأ شكلا آخر للموت.. انه ذلك الانسحاب القسري من الحياة المؤلمة والمتعبة في تفاصيلها، كل ذلك يأتينا في ظاهرة فنية اعتمدها الحربي في بنائة الفني، معتمدا على فنية (التشخيص) لحالة الموت، فهو يرى ضمنا أن هذه الفنية تعطي القصة أبعادا جديدة، ويجعل منها كائنا فنيا أكثر صحة وسلامة في تصوير أخطر حالة في حياة الإنسان ألا وهي الموت، وهي آخر دائرة في دورة الحياة. نجد في هذه القصة الخلاص من الحياة بالإقدام على الانتحار: “في صبيحة اليوم التالي، خرجت من المنزل ثلاث جثث، نشرت الصحف خبر الوفاة دون تفاصيل”. نعرف من القصة أن تلك الجثث هب لثلاث عوانس يئسن من تعب الحياة، ومن انتظار علاقة شرعية مع الرجل. وقد وجدنا في مفردات الحربي في هذه القصة وعلى لسان شخصياتها الرئيسية، وأحيانا في ثنايا المونولوج الداخلي، أسى غامر، وإشفاق على الآخرين ونحن نرى الموت يزحف على أعمارهم من غير أن يعيشوا تجاربهم الإنسانية الحقيقية، ولهذا كله نرى أيضا أن معظم أحداث قصص الحربي تقوم على المفارقة، وما يستطيع القارئ أن يحسّه منذ السطور الأولى للقصة هو أن الشخصية تلعب دور الراوي دون أن تشعر، لكن الداخلي لهذا الراوي موجع ومؤس، ويكشف عن عوالم الشخصية الساعية إلى الانعتاق والتوق إلى الحرية، حتى لو كان عن طريق الانتحار، حتى لحظة كشف العذابات. وبهذا المعنى يمكن إدراج هذا النوع من التقنيات الفنية تحت ما يسمى في المسرح بـ(المفارقة الدرامية)، وقد منح مثل هذا الاستخدام ثراء فنيا للقصة.
نموذجان متقابلان
قصة “حكاية عربية” التي تعد من قصص الحربي المتطورة على مستوى الأسلوبية وبناء الشخصيات ومرونة الحوار وروعة السرد الوصفي، يأخذ فيها (الموت) شكلا من أشكال التمرد وإخلاء الساحة بدافع الشعور بالغيظ والمرارة، حينما يقطف الآخرون ثمار كفاح وبطولة شخصية “شليويح”: “لم يذكر أي أحد فيما بعد، أنه شاهد شليويح أو سمع عنه في قبيلة من القبائل أو صقع من الأصقاع”.
بعيدا عن عنصر (التقابل) والكيفية الذي وجدنا في قصص أخرى للحربي، نجده ينجح في استخدام عنصر (المقابلة) أو التقابل، حيث نقف في هذه القصة أمام نموذجين متقابلين، نقيضين لبعضهما، صالح العربيد، الذي جيَر ونسب البطولة لحسابه، كونه الأقوى اجتماعيا، وشيلويح البطل الحقيقي الذي تسلب منه القبيلة هذا الدور. إن هذا الرسم التقابلي لهاتين الشخصيتين يجعل المتلقي يدرك أنها نماذج واقعية، أو على نحو ما يقول الدكتور صلاح فضل في هذا الصدد في كتابه “منهج الواقعية في الإبداع الأدبي”: “والنماذج الواقعية تتكون فحسب عندما يتاح للكاتب أن يقوم بعملية مقابلة خصبة وصارمة، معاشة في الحياة العملية ومبررة من خلالها، بين أفراد متعددين وعندما تكشف هذه المقابلة عن الأسباب والقوانين الفردية والاجتماعية وما بينهما من تشابه”. من ذلك نعرف أن الحربي قدم لنا في قصته هذه نماذج إنسانية أيضا، وقد استمدت هذه النماذج إنسانيتها من واقعيتها، وهذه ركيزة أقام عليها معظم الكتاب العالميين كتاباتهم وقصصهم، وبخاصة تلك القصص الإنسانية التي أنجزها لنا الروسي انطون تشيكوف، كما جسدت لنا الرواية خلال القرن التاسع عشر الغنى والفقر في العالم البرجوازي بشكل رائع، ولعل هذه ثيمة أثيرة لدى الحربي في قصته هذه، وكيف نجح في أن ينسج لنا صراعا مؤثرا بين القوة والضعف، ليصنع لنا في النهاية مشهدا مؤثرا لاغتصاب الحقوق والسطوة والتسلط، الذي نراه اليوم مجسدا في صورة هيمنة الأقوى، تماما كما نراه في شخصية صالح العربيد التي يمكن أن نسقط عليها فنيا كل ما جاء في هذه القصة المفعمة بالمشاعر الإنسانية المنهارة أمام القوة، حيث (شليويح) الذي يعيش في داخل الملايين من المهمشين والضعفاء الضائعة حقوقهم في عالم يتسيده الأقوى. تماما على النحو الذي رأيناه في كتابات الكاتب الفرنسي الشهير جان ماري غوستاف لوكليزيو والذي يحتل موقعا مهما وفريدا في المشهد الثقافي الفرنسي، حينما ركز في كتاباته على الثقافة الغربية ووصفها بأنها أحادية المصدر، عقلانية وغير واقعية، لأنها تركز كثيرا على الجانب الحضاري والتقني، وفي الوقت ذاته تمنع تطور أشكال التعبير الأخرى كالمشاعر والتدين على سبيل المثال، حتى الأعماق المجهولة في الإنسان محجوبة باسم العقلانية والقوة والجرأة وغيرها مما يخرج التعبير الإنساني عن واقعيته وأصالته. وفي السياق يعبر الحربي بدقة عن فكرة العدالة الاجتماعية، حتى لو كانت مستحيلة، فالتعبير مرهون برؤية ورسالة الكاتب ضمن إطاره الاجتماعي.
لا بد من الإشارة إلى أن القصة المحكمة التي يصيغها الحربي، لا تستمد ثراءها فقط من واقعيتها وجمال حوارها وحركتها، بل أيضا من صورها الفنية ولغتها وبساطة شخصياتها وانفتاحها على الدلالي الفني، فاللغة هنا لا تطفح بالكثير من الانزياحات، ولا تتأجج بالمفاجآت والانعطافات بطريقة استثنائية. إن براعة القصة عنده وتأثيرها يكمنان وبشكل مدهش في تضامن النص والبناء بمجمله للإفصاح عن دلالته إفصاحا حسّيا، يقوم السرد في الغالب بالعبء الأكبر منه، وشرارة التعبير في القصة لا تندلع من لغتها وحدها، بل من بنيتها السردية أيضا، وبساطة وجمال المشاعر التي تمتلكها الشخصيات، تماما على النحو الذي نجده في قصته (تحولات)، حيث ينتهي سعيد بالموت: “استقبلته الامداء كما لو أزلفت له، فتحول مجهولا مثلما جاء وعاش بيننا مجنونا، يموت مجهولا، لماذا تموت هكذا يا سعيد؟” (من “حكاية قبيلة ماتت”). وجاء في القصة أيضا: “وسعيد إنسان بسيط، ضعيف قوي ومحزون، فرح يبكي لكنه يضحك، وسعيد لا تمسكه في مدينة ولا في حيّ، ولا في شارع ولا في مقهى، يتجول في الطرقات والحواري، ويدخل في البيوت، بعضها يعرف أهلها، يسألهم عن أحوالهم، حياتهم، مشكلاتهم، تفاؤلهم، تشاؤمهم، أطفالهم، مستقبلهم، يسألهم عن كل شيء، كل شيء”.
اللغة والرمز
يقدم لنا الحربي في قصته شخصية تبدو لنا كاللغة أو الرمز الاجتماعي غير المرئي، إنها شخصية منبوذة من المجتمع، وقد لمحناها كثيرا في السينما العربية، وحتى الدراما التلفزيونية، لكنها في الحقيقة ليست بعيدة عن الواقع. وحينما يتساءل الراوي في القصة: لماذا تموت هكذا يا سعيد؟ فهو تساؤل منطقي ومبرر فنيا، كما يشير الى وعي الكاتب بأهمية الراوي وتوظيفه لمصلحة التنويعات السردية.
في قصة “عصفورين” يجسد الكاتب فكرة الانطلاق والحرية المفقودة داخل القفص، حيث ينتهي بطريقة منطقية ومسببة أحد العصفورين إلى الموت من أجل حريته المقيّدة.. وقد نجح الكاتب من خلال الصورة الفنية أيما نجاح في تصوير حركة العصفورين في مسعاهما اليومي المتواصل نحو الانعتاق. وبناء القصة والسرد فيها يبدو ناضجا ومتقدما ويشي ببراعته في التماس مع الواقع المعاش: “كنت تراهما يقتربان من بعضهما بعضا: هو يقترب منها يسارا وهي تقترب منه يمينا، ليلتقيا في منتصف عود ثبت لهما في طرفي القفص من الداخل، فبدا مثل قطر دائرة.. يلتقيان في منتصف القطر يزقزقان مرة واثنتين وثلاثا، ثم يلتقي المنقاران ببعضهما بعضا بلهفة وشوق وكنت تسمع لهما وصوصة حميمة لا يعرف سرها سواهما.. يبتعدان هو إلى جهة اليمين وهي إلى جهة اليسار حتى نهاية قطر الدائرة، ثم يعيدان الكرة تلو الأخرى”.
هذه الحركة المتصلة من العصفورين الصغيرين تنتهي إلى تدبير يقومان به من أجل الخلاص من قفصهما (سجنهما)، ويصف الكاتب بمهارة عالية هذا التشكيل البصري نحو الفضاء والحرية، ولكن كما هو الواقع فان الحرية دائما لها ثمنها الباهظ، حيث يموت أحد العصفورين حين ينزل على رقبته باب القفص: “لقد مات العصفور الأخضر مختنقا، إذ ليس ثمة ما يجعلنا ننفي هذه الحقيقة وان نقول بميتة غير هذه.. لقد مات وهو يحاول بالتعاون مع العصفور الأصفر الهروب من القفص”.
أما شخصية عوض المهباج في قصة “الموت والدخول في المبهم” فهي قريبة الشبه من شخصية سعيد في قصة “تحولات” حيث تسعى الشخصية إلى التطهير، أو تطهير المجتمع: “قالت لنا مدرسته التي كانت تهتم بالأساطير القديمة: دائما كان يحلم بالمطر، يفسر ارتباط أحلامه بالمطر، تفاسير عدة”.
يكتب الحربي بروح وثابة وعقلانية، كما أنه يقيم تلك الوحدة الموضوعية بين شخصيات قصصه ورواياته، وله طريقة جاذبة للقارئ، تستشفها منذ بداية القصة بإيجازها الجميل وايحاءاتها الشديدة، ما يدفعك إلى المتابعة حتى نهاية الحدث، وهي صفة تؤكد الاحترافية وحسن استخدام الأدوات وعناصر الكتابة. إن الحربي كاتب شفاف وحسّاس في ذات الوقت ويعرف كيف يلتقط شخصياته، وكيف يطور مشاعرها بروح واقعية بسيطة، كما يعرف كيف يجتذب القارئ مهما كانت مزاجيته للقراءة.. فهو من ذلك الجيل الجميل الذي خط أول الحروف في مسيرة بناء القصة والرواية في الساحة الثقافة المحلية، موشى بروح كتابية نادرة.

اقرأ أيضا