الاتحاد

الملحق الثقافي

إذا الشعب يوماً...

حقّاً بعض الأحداث (هل أقول المهمة؟) تقودك إلى المزيد من الملاحظات والاكتشافات والأسئلة، وحتى تدفق الذكريات. حدث هذا معي مثلاً وأنا أتابع ما حدث في تونس، قبل هروب بن علي وبعد هروبه. فلقد لاحظت أن جردات الحساب التي تقدمها الصحف لما حدث في العام الماضي، والتي تصدر في مطلع كل عام، هي على الأغلب ملفقة، فلقد بقي مرمياً على طاولة الأكل في البيت أحد تلك الملفات، والصادر عن صحيفة محلية، وفي عصر أحد الأيام بعد سقوط نظام بن علي، كنت على موعد مع صباغين كي يطلون جدران إحدى الغرف، ولأنَّ طاولة الطعام قريبة من باب الفيلا الخارجي، جلست عليها بانتظارهم، فوجدت ذلك الملف وبدأت في تصفحه.

وبعد الشؤون المحلية، وبلدان الخليج والجزيرة العربية التي تعاني من الاستقرار والتقدم، ومن ثم مصر والسودان ولبنان وصلت إلى المغرب العربي. ولقد كتبت “خلاصة” العام عن تلك المنطقة صحفية متخصصة، ومن أهلها، وتدعي ليلى بن هدنة. الأستاذة ابنة “هدنة” هذه بدأت بالجزائر ومن ثم المغرب، ولأنها تركت ليبيا وموريتانيا إلى آخر تلك “الخلاصة”، كتبت عن تونس التالي:
“جسَّد نجاح الانتخابات البلدية مسار دعم التنمية السياسية في تونس، حيث أكدت نتائج هذه الانتخابات التي مكنت أحزاب المعارضة من الحصول على 25 بالمائة من المقاعد بكل الدوائر التي ترشحت بها. أن المسار الديمقراطي التعددي في تونس يتقدم بخطى ثابتة بفضل الاصلاحات الرائدة للمنظومة الانتخابية.
(...) إن المسار الديمقراطي التعددي في تونس يتقدم بخطى ثابتة (لا يمكن أن يتخيل المرء أبداً كيف يمكن أن تكون الخطى خطى وثابتة في الوقت نفسه) بفضل الإرادة القوية والقيادة الحكيمة للرئيس زين العابدين بن علي”.
وتواصل ابنة هدنة “تحليلها العميق”:
“وما من شك في أن المجالس البلدية بتركيباتها الجديدة وفي ظل النقلة النوعية المتميزة التي شهدها العمل البلدي بفضل الدعم الموصول للرئيس زين العابدين بن علي ستعمل من أجل تحقيق الإضافة وتنمية مكاسب العمل البلدي في إطار تكريس توجهات البرنامج الرئاسي للخماسية القادمة: “معا نرفع التحديات” بهدف دعم مقومات جودة الحياة وتأمين حق التونسيين والتونسيات في محيط متوازن يطيب فيه العيش للجميع”.
وهنا ينتهي ما اقتبسنا من ذلك “التحليل”، ولأن جرس الباب قد دُق وجاء الصباغون، لم تسنح لي الفرصة للتفكير في نظرة ابنة “ابن هدنة” لتحليلها بعد كل ما حدث. فلربما تكون معتادة على مثل هذه الممارسات، وان لم تكن معتادة وسينتابها تأنيب ضمير ما، فلربما يقترح عليها أحدهم أن تعالج نفسها على: “الطريقة البوعزيزية” اياها، تلك “الطريقة” التي لا تخلو من البعد التطهيري.
أما الآن فعليّ أن أفتح الباب للصباغين:
ـ تفضلوا، تفضلوا
أردد لهم، فيدخلون...
أنا منذ فترة أبحث عمن يصبغ جدران تلك الغرفة، وفي يوم تعرفت على شاب تونسي في (المقهى).
ـ من أين أنت؟ سألني.
ـ من الإمارات، واسمي أحمد أجبت، ولكنه نظر لي نظرة متفحصة عرفت مغزاها فوراً، فقلت:
ـ أنت تونسي، فما اسمك؟
ـ اسمي قيس، ولكن كيف عرفت بأني تونسي...
فقلت ضاحكاً:
ـ ... وأين ليلى أيها المجنون؟
فضحك هو الآخر. وهكذا، كما بدى لي، ذابت التوجسات وبدأنا بالثرثرة عن كل شي، وعن أي شي. فهمت أنه كانت هُنالك ليلى “حقيقية” عند هذا “القيس” إلا أنها تخلَّت عنه، واختارت شخصاً ذا حالة اجتماعية مغرية لا تتوفر عنده هو، وعرفت بأن أخاه الأكبر قد سبقه إلى أبوظبي كي يعمل صباغاً، ومن ثمَّ ساعد أخاه الصغير للقدوم إلى هنا والعمل معه.
لقد كان قيس يعمل وهو ما زال صغيراً (الآن هو لا يزيد عن الخامسة والعشرين)، وكل ذلك لأنَّ الظروف لم تساعده على إكمال تعليمه والتمتع بفترة الطفولة والصبا الذهبية والتي لا تعوّض، فهو وأخوه، كما قدرت يرعيان أسرة من النساء بعد أن مات معيلهما الأب.
وقيس وأخوه الأكبر يتبادلان الزيارة، زيارة عائلتهما هناك في تونس. ولأنَّ “قيس” لم تتح له الفرصة بعد كي يختبر الحياة كما يجب، فإنَّ غربته المبكرة تملأ رأسه بالكثير من الأسئلة الجارحة، ورغم مستواه التعليمي البسيط، إلا أن قيس، كما ظهر لي، متوقد الذهن، يشمُّ نبضه راحة الحياة، وتكاد عيناه أن تخترقا ظلمات المرايا المتلاحقة.
ادراكي لهذا جعلني أتأسف داخلياً على تلك الظروف اللعينة التي تُلقي بأمثال هذا الشاب إلى هذا المصير القانط. فهو يستحق أكثر من ذلك بكثير. يستحق أن يحتفل بشبابه. ويغني “ليلاه” أكانت معه أم هجرته، وبعدها فليكن صباغاً أو غريباً. فالصباغة أو الغربة كلاهما من مقتضيات العيش، كان المرء في مجتمع يدافع عن إنسانه أو في آخر يسحقه. ولكن الفارق الأساسي في الاختيار. في القدرة على الاختيار. في توفر الفرص المساعدة والحاثة على الاختيار: صباغاً أو غريباً، رئيس جمهورية أو زبالاً. كل ما اختارهُ ويحققني. يحقق ذاتي وإنسانيتي يعول عليه. لا يعول على الكره ولا على الظلم، ولا على القهر، يعول على الحب، وعلى الاختيار.
ـ ... ولكن كيف عرفت إنني تونسي؟
يلح عليَّ قيس بالسؤال. أنا أعرف تونس جيداً، أقول له، ليست معرفة جيدة بمعنى المعرفة، أنا أعرفها جيداً لدرجة الحب.
درجة الحب نوع من المعرفة كذلك، أقول، فمن الأشياء التي تعلقَّت بها وأصابت حياتي: المسرح. حدث ذلك منذ كنت صبياً في خورفكان، ولم يكد عمري يخرج من نطاق العشرين بقليل حتى وجدتني هناك في تونس أحضر مهرجان قرطاج (أظن بأن زيارتي الأولى كانت للمشاركة في تأبيني معين بسيسو) ولمرتين على التوالي، كثيرة هي التوقيعات التي تركتها تلك الزيارات على مياه رأسي الجارية. لكن أهمها بالتأكيد هو ما لاحظته من تذوق نوعي للفن المسرحي والموسيقي. وان ذلك التذوق منغرس في النسيج الاجتماعي، وتقوية عملية إعداد متواصلة وحديثة للكادر. واحتفظ بذكريات عديدة تشير لذلك، وخاض تفكيري مع نفسي، ومع آخرين في البحث عن العوامل التي حققت مثل هذه الظاهرة الجمالية النادرة في المجتمعات العربية، ولقد زاد على ذلك ظهور عدد من الباحثين في العلوم الإنسانية والترجمة، والذين أصبح لهم وقعاً خاصاً في تداول المشرق العربي للثقافة، هذا إضافة إلى التجارب الشعرية والقصصية والروائية الملفتة....
لم أقل كل هذا بالطبع لقيس، الفتى التونسي المتوهج، ولكنه وقتها حرّك بعضاً من هذه التوقيعات النفسية في داخلي. ولظروف خاصة به لم يُنفذ ما اتفقنا عليه من أن يقوم هو وأخوه بصباغة تلك الغرفة في منزلي، وقامت بعدها الحركات الاحتجاجية في تونس، وسمعنا هديراً لم نسمعه كثيراً يُسمَّى هدير الشعوب، وهو يردد بيتاً شعرياً لعلَّه سيكون من الأبيات القليلة التي يمكن أن يقال عنها بأنها، ورغم بساطتها، كلمات قاصمة:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
أثناء ذلك جاءني اتصال من محمد اليوسفي.
ـ أين أنت يا محمد؟
قال:
ـ في أبوظبي...
اتفقنا أن نلتقي بعد غد. أي يوسفي هذا، فأنا قد تعرفت على يوسفيان من أبرز الوجوه الثقافية التونسية الأول محمد لطفي اليوسفي المترجم والشاعر، والثاني محمد علي اليوسفي الناقد. الأخير ضخم الجثة، جهوري الصوت، مفعم بألق التفكير ورقة الفواصل، والثاني صوته هادئ، متوسط الطول والحجم، وينطلي هدوؤه على المشهد الذي يحيط به. أيهما يا ترى هو اليوسفي الذي اتصل بي. فاليوسفي الناقد رأيته بشكل متقطع في السنين الأخيرة عدَّة مرّات لأنه مقيم في مسقط ويعمل أستاذاً في الجامعة، أما اليوسفي الشاعر والمترجم فقد رأيته في مرّات أقل إلا أنّ آخرها كان قبل شهور في مدينة سيت الفرنسية الجنوبية. وأرجح بأنني سألتقي الليلة الأخير، رغم أنني أحتفظ بود لكليهما.
وبالفعل، وحين جاء اليوسفي إلى محل موعدنا، تبين بأنه الأخير، وجاء مصطحباً معه ابنه الشاب والذي يعمل في أبوظبي. ثمَّ وبعد السلام أحاط بنا أصدقاء آخرون، فانهمر الحديث عن الحياة والترجمة والثقافة العربية، وكان لابد من العروج على تلك الاحتجاجات المتزايدة في الشارع التونسي.
عدد ممن كان مشارك في تلك الجلسة كانت المشاعر اليائسة تستبد برأسه. بينما كنت ألاحظ تلك الصلابة الخاصة التي يتحلى بها الشاب أنسي ابن محمد لطفي اليوسفي. لقد أعجبني ذلك الشاب، كما أعجبني من قبل الشاب الصبّاغ قيس (لاحظ يا عزيزي القارئ النوعية التي تقترحها يوميات هذه الصدفة بالنسبة للأسماء). إن مثل هذين الشابين لا يستحقون حياة أخرى فحسب، وإنما هم منطوون على حيوية جديرة بالالتفات.
وقبل أن يعود اليوسفي الكبير إلى تونس، كان الشباب التونسي قد أسقط النظام، وهرب بن علي مع لصوصه إلى قمامة التاريخ، وبينما كنت واقفاً مع الصباغين أشرح لهم ما الذي أريد أن يفعلوه في ذلك الحمام كان التلفزيون يتحدث عن عصر جديد في تونس، وعن جملة لن تنسى على ما يبدو في مستقبل الأيام: “... الشعب يريد تغيير النظام”.

اقرأ أيضا