الاتحاد

ألوان

العلماء: التكفيريون.. «خوارج» هذا العصر

أحمد مراد (القاهرة)

حذَّر علماء في الأزهر من خطورة الجماعات التكفيرية التي تنشر سمومها في أوساط الشباب المسلم، ووصفها بأنها خطر عظيم، وشر جسيم، يثير الفتن، ويغتال الأمن والأمان، وهذه الجماعات ليست إلا امتداداً لجماعة الخوارج التي أفسدت في الأرض، ونشرت في ربوعها العنف والدماء، والإسلام منها برئ.
وطالب العلماء كافة المؤسسات الإسلامية الدعوية والتعليمية والثقافية والإعلامية والتربوية بتبني إستراتيجية شاملة لإخماد فتنة هؤلاء التكفيريين وكشف زيف ادعاءاتهم.
وأوضح الدكتور إسماعيل عبد الرحمن، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن الإسلام هو الدين الخاتم الذي اختاره الله عز وجل للبشرية منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم حتى قيام الساعة، ونعمة هذا الدين الحنيف تستلزم منا أن نتمسَّك به، وندعو غيرنا إلى الوقوف على جوهره، ثم هو بالخيار بين أن يعتنقه أو لا، لأنه لا إكراه في الدين، وواجب علينا أيضاً أن نحمي هذا الدين وندافع عن حياضه ومحارمه ضد أي معتد أو منتهك، وهذا الانتهاك والتعدي قد يأتي أحيانا من بعض المسلمين الذين انحرفوا عن المنهج الإلهي الذي حدد دور هذه الأمة ورسالتها في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...)، «سورة البقرة: الآية 143»، وكم عانى الإسلام منذ عصره الأول من الانحراف الفكري والغلو والتنطع والتشدد في الدين متمثلاً في ظهور العديد من الفرق التي حادت عن الوسطية، وأولها فرقة الخوارج التي كفرت مخالفيها، واستباحوا دماءهم، وخرجوا على الحاكم والشرعية في الدولة.
وقال: التاريخ يعيد نفسه حينما ظهرت في أيامنا هذه جماعات تبنت فكر الخوارج وعقيدتهم فشقوا عصا الطاعة، وخالفوا الجماعة، وكفّروا من خالف فكرهم، وقتلوا النفس التي حرم الله قتلها بغير حق، وغير ذلك، ومن ثم واجب على المس لمين، خاصة ولاة الأمر والعلماء، أن يحصنوا الأمة ضد هذه الأفكار الضالة، وأن يصححوا مسار هؤلاء المغالين ويأخذوا بأيديهم إلى طريق الجادة والصواب.
وتابع: الباحث في السنة المطهرة عن علاج ظاهرة التكفير والغلو في الدين سيرى أنه أتى على مرحلتين، المرحلة الأولى تتمثل في التحذير من الغلو في الدين وبيان صفة الخوارج والتكفيريين حتى نحذرهم، وفيهم يقول صلى الله عليه وسلم: «سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة»، وهذا نوع من العلاج الوقائي.
أما المرحلة الثانية وفقاً لما ذكره الدكتور إسماعيل عبد الرحمن فتتمثل في تصحيح فكر المغالين والمتشددين والتكفيريين وتصويبه، وقد تمثل ذلك في حديث النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبِروا بها كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر فلا أُفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، وهذا نوع من العلاج الدوائي، وقد سلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تعامله مع الخوارج هذا المسلك، والذي يعد القاعدة الأمثل في علاج التطرف والمتطرفين، حينما بدأهم بالوعظ والنصحية والمحاورة، ولم يقاتلهم إلا بعد أن استحلوا دماء المسلمين ومحارمهم.

غاية الخطورة
وأكد الدكتور أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، أن التكفير أمر في غاية الخطورة، وعلى المسلمين العلماء أو العامة التنبه لخطورته، ودحض افتراءات وأكاذيب التكفيريين الذين يروجون لها في أوساط الشباب.
وشدد على أن التكفير خطر عظيم وشر جسيم، يثير الفتن، ويغتال الأمن والأمان، فكم عانت الأمة من غلاة التكفير والتعصب، وما زالت هذه الجماعات تنشر سمومها، ولكن بأشكال مختلفة، مؤكداً أن جماعات التشدد والتكفير التي تنتشر بيننا الآن ليست إلا امتداداً لجماعة الخوارج التي أفسدت في الأرض، ونشرت العنف والدماء، والإسلام منها بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
وأوضح أنه لا خلاف بين فقهاء كل العصور على أنه لا ينبغي أن يكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان في كفره خلاف، فإن المسلم لا يخرجه من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، إذ الإسلام الثابت لا يزول بالشك مع أن الإسلام يعلو، فإن كان في المسألة وجوه توجب التكفير، ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير، لعظم خطره وتحسينا للظن بالمسلم، ولأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية، ومع الشك والاحتمال لانهاية يقول الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا...)، «سورة النساء: الآية 94»، فإذا أعلن الإنسان إسلامه بأي إعلان شرعي معتبر مثل قوله «السلام عليكم» فلا ينبغي تكفيره لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، فيقبل إسلامه لأن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع وإطلاع السرائر.
وأضاف: أنكر ابن تيمية على من يكفرون الناس بذنب أو خطأ، ودعا إلى التزام الجماعة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم له مالنا وعليه ما علينا»، أما من نطلق عليه كافرا فهو كما اتفق العلماء من لم يؤمن بالله ورسوله وبكل ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مما نقل عنه الكافة، أو شك في التوحيد أو النبوة.

اقرأ أيضا