ذكرنا في المقالة السابقة أن قارون كان أحد النماذج القرآنية للمعاجز، فماذا كانت عاقبة ذلك المعاند؟ قال تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين· وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون· تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (القصص :81-83)· فقد عوقب لفرط غروره، وكانت كلمته التي سجلها القرآن هي: (إنما أوتيته على علم عندي) ولم تكن هذه مقالة قارون وحده، وإنما هي مقالة كل إنسان مغرور بالدنيا وبما آتاه الله منها، قال تعالى: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون) [الزمر :49 ] فالمعاجزة إذن حالة وهمية يتوهم فيها الإنسان المغرور أمورًا منها: أنه له قوة أصلا وله ملك ذاتي، ولا يعلم أن القوة جميعا لله، وأن الله المالك وحده، ثم يتوهم أن ما يظهر عليه من قوة هي من الله، ومن ملك هو لله، توهم أن ذلك لا يمكن أن يزول منه، ويتوهم أنه قادر على إبقائه وحراسته، ثم يتوهم بعد ذلك أن هذه القوة التي توهم أنها ذاتية وأنها باقية أنها تقوى على معاندة أمر الله· فالإنسان مقهور بقدر الله وأمره، وإن توهم غير ذلك، قال تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) [آل عمران :،83 وقال تعالى: (ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) [الرعد :15] والله سبحانه هو القدير الذي لا يعجزه شيء في السموات والأرض، ولقد أكد الله تلك الصفة، فقال تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا سبَقوا إنهم لا يعجزون) [الأنفال :59]· وضرب الله الأمثال لذلك من التاريخ والآثار، فقال سبحانه: (أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء فى السموات ولا فى الأرض إنه كان عليما قديرا) [فاطر :44]· وقد تيقن فريق الجن الذي سمع القرآن أنه لا يعجز الله، ولا يمكنه الهروب منه، قال تعالى حكاية عنهم: (وأنا ظننا أن لن نعجز الله فى الأرض ولن نعجزه هربا) [الجن :12]، و(ظننا) هنا ليست على معناها الأصلي من عدم التأكد، وإنما هي بمعنى (علمنا) و(تيقنا)، وذلك كقوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون) [البقرة :،46 وقوله سبحانه: (وظن أنه الفراق) [القيامة :·28] فالله خلقنا وأمرنا بعمارة الأرض، وحد لنا حدودا، وأمرنا بأوامر ونهانا عن نواه، وينبغي على العاقل أن يقف عند حدود الله، وأن يأتمر بأمره، وينتهي عن نواهيه، فإن التعامل مع أوامر الله ونواهيه فرع عن معرفة الله سبحانه وتعالى والعلم به، فلابد أن يتقين المسلم أن الله هو الفعال لما يريد، وأنه على كل شيء قدير، وأنه تقدست ذاته، وسما قدره، لا مثيل له، ولا ند له، ولا ضد له، ولا يعجزه شيء· فتدبر أيها المؤمن كتاب ربك، واعلم أنه قد أنزله ليخرجك من الضلالة إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، رزقنا الله الاستقامة والإيمان والتسليم· وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين·