ثقافة

الاتحاد

إبداع «إينودي» في «دبي أوبرا».. الموسيقي مثل فراشة!

الموسيقي مثل فراشة

الموسيقي مثل فراشة

أُسلم نفسي أخيراً، أسُلمها للحقيقة، تلك التي لا تعود كما كانت. فمتى سكنت فيها تُصبح وهماً للآخرين، إذاً كنت الوحيد الذي اكتشفها وتجرد منها، إنه الحق الأبدي في أن يكون لكل منّا حقيقته.. هكذا سلم الضوء أسرابه للهواء وانطفأ كل شيء، وظلت أقدام العاشق ترتعد، إنه المثقف الأنيق العائد من الخسارات الكبرى، يجلس اليوم وحده، في عزلته الجماهيرية، يستطرد الفكرة العجول التي بعد كل نظرة تعال من عينيه الحائرتين نحوها تموت. رغم كل سيل الخذلان المستمر، ظل هو الشخص الوحيد الذي يحتمي بالفكرة، إنه خائفٌ جداً من الموسيقا النابعة من الظُلمة، لأن خشب المسرح العريق يشكل عبر الصوت «فزاعة» تُشبه طفولته الذي ظل يهرب منها، إلا أنه في كل مرة تمسك المرأة تلك العيدان الخشبية الرفيعة وتذيبها في الحُب، يا للهول يعوض الرجال طفولتهم عبر النساء، وهو أمر شبه مستحيل.
والمضحك في الأمر أنه من النادر ما يعرف سبب معجزة الصمت بعد كل الصراعات الأخيرة في جّل علاقات الحب، إنه اكتشاف الحقيقة يا أعزائي، لا كلمات فيها، فقط موسيقى.. عطرٌ شتوي قادم من الصف الأمامي، زهرة ثقيلة بزيت الذاكرة، وطن بأكمله في زجاجة صغيرة، بعد حفلة الرذاذ الفاتنة في كل اتجاهات اللحظة، أحيتها شابة عشرينية، استنفرت امرأة مسنة، ووقفت من على كرسي الجمهور، لتعاود الجلوس بابتسامة مخشبة. تخرج منديلها، وتغطي أصابعها، إنه لأمر غريب فعلاً، هناك من يشتم الأشياء عبر أصابعه، وما المشكلة في رائحة بريه مركزة، لا أحد سيكتشف ذلك بالطبع، سنحتاج إلى الموسيقا، ربما ستكون الأقدر في جعلنا نتقبل أن الأصابع وطنٌ كذلك!

* لِمَ كل هذا التأمل الموسيقي؟!
حسناً، هل يُمكن تخيل أن هذا الأمر حدث في حفلة موسيقية للعازف الإيطالي الشهير لودوفيكو إينودي، الذي أحيا حفلاً مؤخراً في دار دبي للأوبرا، أليست هي قوة رسم الاحتمالات اللانهائية للحياة، وخاصة في حضور موسيقى إينودي، فنحن ليس بمقدورنا وصف الأشياء كما هي، بل علينا أن نكون كما قال لودوفيكو بنفسه قبل أن ينهي الوصلة الأخيرة: «الموسيقى تتشكل بحرية، وتتحرك حيثما تريد مثل فراشة». قبل أن يضع أصابعه على مفاتيح البيانو، كُنت أسأل نفسي: كيف يعتني لودوفيكو إينودي بها، ولِمَ لا تخاف أبداً، تقف برشاقة راقصة البالية، وتتحرك بخفة الشاعر الفرنسي زينو بيانو وهو يقرأ قصيدة «إيمان»: «أؤمنُ بأنَّني أبداً لنْ أعرف كراهيةَ ما أفعل. بالنظرة المُنصعقةِ أؤمنُ. وأؤمنُ بأن للكل أن يخرج من هنا حياً يُرزَق، بالملمومِ في ذاته أؤمن»(1)، لا لا تكفي الممارسة والخبرة لذلك، هناك ما هو أعمق في حسه الوجودي، ومنها يصر الجمهور على أن يسأله عن مصادر الإلهام، من أين تأتي كل هذه الموسيقا، من يُحرك بنية الميلودي، من يقود الفضاء الجديد في كل حركة موسيقية، ما الذي تفعله عندما تدخلك الموسيقى إلى منطقة مجهولة؟ بصراحة تامة، لا نريد أن نسأل نحن أيضاً أسئلة اعتيادية، يجب أن يحدث فينا تحول حتى في الأسئلة، وإلا لِمَ كُل هذا التأمل الموسيقي. لذا بعد أن استمعت إلى معزوفة اليوم الأول من ألبوم «7 أيام من المشي»، أغمضت عيني وجربت أن أبني احتمالاً مشتركاً بيني وبين المعزوفة والعازف، فما هو هذا الاحتمال يا تُرى؟!

*الاحتمال الأول: ماذا لو كنتُ العازفة؟
صنعتُ لنفسي ظلاً خفيفاً، وقفزتُ بروحي إلى قلب العازف الإيطالي لودوفيكو إينودي، كان ينظر لحظتها إلينا.. إلى الجمهور، واصفاً سحر المشي الذي بدأه قبل سنتين، أثناء تقضية إجازته، بالقرب من الطبيعة، في استراحة من جولاته الموسيقية، وهو عادةً يعكف فيها للبدء بأفكار موسيقية جديدة، قائلاً: «كنتُ أحاول ابتكار نفس عميق عبر الموسيقى، من دون تقسيمها وتحويلها إلى شيء يشبه مقاطع الأغاني، اخترع حالة من التأمل الموسيقي الطويل»، وهنا تحديداً أسألُ كعازفة: «لماذا أحتاجُ النفس العميق، متى آخر مرة تنفستُ فيها، وهل للنَفَس معنى ثقافي، وإذا ما كان اتصالاً كونياً، لماذا إذاً يشعر الناس بالانفصال رغم أنهم يتنفسون؟». يتابع لودوفيكو: «عندما تمشي تبدأ بالتفكير بفكرة عميقة، وبينما أنت في الطريق، تلتقي بشخص يمر بجانبك، أفكارك وقتها تتشتت، ومن ثم تعود مجدداً لفكرتك الأساسية التي كنت تفكر فيها، وهو ما يحدث في الموسيقى، تبدأ بحالة ثم تتغير وتنتقل إلى منطقة مختلفة ومن ثم تعود، وهو يعبر عن حرية حركة الموسيقا، والمدهش في الأمر بالنسبة لي هو أنني أرى موسيقاي تتشابه مع حركة قدمي».

*الاحتمال الثاني: ماذا لو كنتُ المعزوفة؟!
أصعب فعل في الحياة، أن تكون في حالة مجردة من كل شيء وتقول لشخص ما: كن معزوفة، كأنك تطلب منه أن يتخلى عن كل شيء، أن يتحرك وفق عفوية ذاته الحقيقية، المنسجمة مع الحركة الكونية، وهي تحصل فعلياً للكثير من الناس، كالشعراء والفنانين، ولكنها تأتيهم في لحظات عابرة، تهديهم سحر اللحظة الذي لا يعوض. ولو كنت افتراضاً المعزوفة، ستتلاشى عندها الإجابات الاستثنائية، ولن أسأل عن مصدر الموسيقا لأن ذاتي الحقيقية هي مصدرها وقوتها، ولن أسأل عن شيء أبداً، لأن كل الأسئلة تسقط أمام أن يتحول الإنسان من مسألة أن يعيش الحياة إلى أن يكون الحياة نفسها. ما يعود بنا إلى حديث لودوفيكو إينودي عن معزوفته المستلهمة من روح الجبال: «كان منظر الجبال أمامي رائعاً، وكنت أراقب تفاصيل الجبال، وماهية المستويات التي ترتفع فيها ومن ثم تعود للهبوط، ما يوحي للناظر بأن هناك ذكاء مذهلاً أبدع هذا التماهي الطبيعي المذهل، فقررت أن أشتغل على ميلودي يتحرك وفق الحالة التصاعدية والتنازلية لشكل الجبال وجعلها تدير موسيقاي وتذهب بنا إلى فضاءاتها».

*الاحتمال الثالث: هل أنا التي استمعت إلى المعزوفة؟
لا أدري إن كنت بشكل فعلي استمعت للمعزوفة. ربما سيضحك القارئ، ولكنه سؤال أعمق من الحضور المادي في قاعة مسرح دبي أوبرا الساحرة، فنحن نحضر الكثير من الأماكن، ولا نعرف إن كنّا نحن من تواجدنا فيها، أم أنها أفكارنا هي التي عايشت اللحظة المكانية أكثر منّا، فلا يمكن أن يكون الشخص هو نفسه أفكاره، إلا أنني قد أجزم أني حضرت أكثر من أفكاري، إذ استطعت أن أترك أفكاري في حقيبة اليد، مثل صاحبة المنديل السيدة العجوز، ولم أسمح لرائحة عطر خاطفة، بأن تستحضر ذاكرتي وتُجلسها أمام الجميع فوق خشبة المسرح، ويعترف بها المثقف الأنيق ويخلع ساعته، معترفاً بالهزيمة !

 

اقرأ أيضا

الفائزون بجائزة «زايد للكتاب»: تكريم محفز على العطاء والإبداع