الملحق الثقافي

الاتحاد

الحب هو الحل

بعد غياب قرر أن يرسل مجموعة من الرسائل دفعة واحدة لعلها تبرر غيابه وانقطاعه عن محبيه، وجاءت رسائله كفيض من المشاعر المتدفقة معطرة برائحة البحر الذي تقطر كلماته الصادقة عذوبة وشجنا، وبين السطور العديد من الأفكار التي يكتشفها من يجيد قراءة لغة السينما كل على قدر معرفته بعالم السحر والجمال. إنها “رسائل البحر” التي كتبها وأرسلها وأخرجها داوود عبدالسيد وألقاها لتتلقفها أيدي وعقول عشاق الفن السابع ولعب بطولتها آسر ياسين وبسمة ومحمد لطفي ونبيهة لطفي وسامية أسعد وصلاح عبدالله ومي كساب.
وتقول الرسائل معنى واحد هو أن السينما هي ذلك الوهج والمتعة التي تخاطب الحواس الخمس، أما الأحداث فلا يمكن أن تستعرضها حدوته فهي مغزولة بالمعاني النبيلة والتأملات العميقة، وتمتزج فيها مرارة الواقع بالأمل في الغد الأفضل.

تدعو أولى الرسائل إلى الدهشة التي تغمرنا ونحن نتابع “يحيى” الطبيب الذي قرر العودة إلى منزل العائلة في الاسكندرية بعد رحيل والده وسفر شقيقه إلى أميركا واختار التخلي عن مهنته كطبيب رغم تخرجه بامتياز إرضاء لوالده، ولعل هذا سبب إصابته بالتلعثم في الكلام وهو يعيش في عزلة تامة عن العالم يصطاد السمك ويبيعه بجنيهات محدودة ويتعامل ببراءة ورضا ويلتقي بصديقته القديمة وجارته الإيطالية “كارلا”، الوجه الجديد سامية أسعد، وتعمل مصممة أزياء وكل عميلاتها من الطبقة الراقية وتدعوه لتناول العشاء مع والدتها فرانشيسكا (نبيهة لطفي) مخرجة الأفلام التسجيلية المعروفة والتي تحمل كل معاني الزمن الجميل وتصارحه بمخاوفها من التغير الذي أصاب الحياة، وان صاحب البيت القديم باعه لمشتر جديد هو الحاج “هاشم” (صلاح عبدالله) وهو يتفاوض مع السكان لانه ينوي هدم البيت وبناء مول تجاري ضخم.
ولا يتوقف “يحيى” أمام تلك الرسالة ويتصور أنه يمكن أن يستعيد علاقته العاطفية مع “كارلا” ويسعد بفكرة إنها مازالت تهتم به رغم تجاربها المحبطة خلال السنوات العشر التي افترقا فيها، ويتعرف على “نورا” التي تقدم له نفسها على أنها امرأة لكل الرجال ويرفض أن يقترب منها لأنه لا يمكنه دفع الثمن ولا يريد استغلالها في علاقة عابرة، ويكتشف أن صديقته “كارلا” قررت الانسياق في علاقة أخرى واستسلمت لغواية إحدى عميلاتها وقررت كارلا في نفس اللحظة أن تعود الى إيطاليا مع والدتها، ويلتقي “يحيى” مع قابيل (محمد لطفي) الذي يعمل “بودي جارد” في أحد الملاهي الليلية وتنشأ بينهما صداقة ويعترف له “قابيل” بأنه لايستطيع ضرب أي إنسان لأنه قتل شخصا منذ سنوات وعاهد نفسه على عدم استخدام قوته مرة أخرى، وهذا السر لا يعرفه أحد خاصة صاحب الملهى والا فصله من عمله، ويكتشف “يحيى” أن “قابيل” مصاب بورم في المخ ويخشى إجراء الجراحة التي تهدده بفقدان الذاكرة ولهذا قرر أن يروي كل ذكرياته لحبيبته بيسه (مي كساب) التي تدون كل ما يذكره عن معارفه وأقاربه لتصبح هي ذاكرته المهددة بالضياع في مشهد بالغ الرقة والجمال.
يحرص “يحيى” على الاستماع إلى البيانو من خلال توقفه يوميا أمام شرفة أحد المنازل ليستمع إلى عزف شخص لا يعرفه وتتردد عليه “نورا” ويدعوها لمشاركته متعة الاستماع إلى الموسيقى وتشعر بأنه مختلف ويبدأ التعلق بها ويطلب منها قضاء ليلة رأس السنة معها ويدخر ما حصل عليه من إيراد الأرض التي ورثها ليمنحها ثمن تلك الليلة، لكنها تصارحه بأن علاقتها به ليس هدفها المال.
وتمضي الأحداث لنرى واقع حياة “نورا” فهي الزوجة الثانية والسرية لرجل ثري لا تربطها به سوى تلك الساعات التي يقضيها معها كل أسبوع أو عدة أسابيع، وتشعر بأنها لا تختلف كثيرا عن بائعات المتعة وتجد لدى “يحيى” الحب والدفء الذي تفتقده. ويعيش “يحيى” صراعا بين حبه لنورا ورفضه لها وفي النهاية ينتصر الحب ويقرر أن يقبلها كما هي ويتخلص “يحيى” من التلعثم في حديثه مع “نورا” وتقرر هي أن الحب الصادق الذي تجده مع يحيى هو الذي يحررها من الشعور الذي يسيطر عليها، ولكن الحاج هاشم قرر أن يستولي على شقة يحيى الذي رفض بيعها له ولا يجد الاثنان ملاذا لهما سوى البحر، وفي مركب بسيط يحمل اسم القدس يصلهما صوت انفجار الديناميت الذي يصطاد به الحاج هاشم وتطفو مئات الأسماك المقتولة تحيط بهما في مشهد لا يغيب عن الذاكرة، ورغم كل ذلك تقفز نورا وخلفها يحيى ليسبحا في البحر ويستمتعا بما يمتلكان من أمل في حياة بسيطة لا تخلو من الجمال الذي خلقه الله في الكون ومنحهما نعمة تذوقه في أشياء صغيرة.
تتميز سينما المؤلف/ المخرج بأنها تيار له خصوصيته، وداود عبدالسيد أحد المخرجين الذين تركزت أعمالهم حول الحب باعتباره الحل والخلاص من كل المشاكل. وفي فيلم “رسائل البحر” رسم شخصياته ببراعة وجعل المشاكل ترجع إلى زحف القيم المادية بما تمثله من قبح وقسوة، لكنه انتصر للأمل ونجح في أن يجعل المتابع للأحداث يعيش ويصدق أبطاله ويتعاطف معهم، ومن خلال السيناريو يلقي رسائله لان لكل إنسان رسالة وهدفا من وجوده، وكثير من الناس لا يعرفون كيف يفكون شفرات الرسالة إلا عند الوصول لنهاية الرحلة، وهي الإشارة التي ألمح إليها الفيلم في الرسالة التي عثر عليها يحيى ولم يتمكن من قراءتها ولم يعد يهمه معرفة ما بها بعد أن عرف ماذا يريد ولعل سر الانسجام بين الحوار والصورة هو أن المخرج والمؤلف شخص واحد. ويحسب لداود عبدالسيد أنه استطاع أن يعيد اكتشاف نجوم نعرفهم لكنه يقدمهم بملامح جديدة وكأننا نراهم لأول مرة مثل آسر ياسين وبسمة ومحمد لطفي ومي كساب، ويحسب له قدرته على قيادة الوجوه الجديدة التي تقف لأول مرة أمام الكاميرا مثل سامية أسعد التي جسدت شخصية كارلا باتقان ويأتي أداء آسر ياسين ليؤكد حجم موهبته واجتهاده المميز في شخصية “يحيى” الشاب الذي يعيش بقلب طفل بريء ويصاب بالتلعثم عندما يتعرض لضغوط نفسية أو توتر ويتحدث بطلاقة مع حبيبته. أما بسمة فقدمت واحدا من اهم أفلامها وكانت مفاجأة الفيلم بالشكل الجديد الذي ظهرت به واضاف الفيلم لرصيد محمد لطفي الذي استولى على المشاعر بادائه السلس التلقائي وانتقل بذكاء بين التراجيدي والكوميدي ورغم أن شخصية الفتاة الشعبية ليست جديدة على مي كساب فإن ما رسمه السيناريو لها من ملامح إنسانية جعلها فنانة لها حضور وبريق ولا تملك إلا أن تصدقها وربما يصعب تصور أي فنانة أخرى في شخصية “فرانشيسكا” التي أدتها المخرجة التسجيلية نبيهة لطفي.
واذا كانت الموسيقى التصويرية الساحرة لراجح داوود أحد عناصر المتعة في الفيلم فإن تأثير الاضاءة وبراعة مدير التصوير أحمد المرسي لا تقل جمالا مع لمسات المونتيرة منى ربيع التي احتفظت بنبض متوازن للأحداث تناغم مع الحالة الفنية التي تنوع فيها الإيقاع وكشفت زوايا التصوير واجتهد مهندس الديكور في اختياراته الدقيقة للأثاث والاكسسوار وللارضيات وأسلوبه في ديكور السوبر ماركت الذي يمتلكه الحاج هاشم والذي يعكس ذوقه الرديء وعدم إحساسه بالجمال.

اقرأ أيضا