الاتحاد

الملحق الثقافي

صور البيئة العربية

كان للشعر التصويري دور حاسم في تجسيد مظاهر الحياة العربية عبر الأخيلة والأوصاف والتمثيلات الجمالية في أشكال المجاز المختلفة، وليست الخمريات التي احتلت فضاء واسعا في رقعة الشعر العربي مجرد إشارة لنوع خاص من العادات والتقاليد الخارجة في الظاهر على مقتضيات السلوك القويم في الأخلاق والدين، بل هي مجلى واضح في التفنن في الوصف والإبداع في التخييل والتصوير، بغض النظر عن موضوعها وما يتمتع به من حل أو حرمة، فالحياة بخيرها وشرها، بل بشرها قبل خيرها، هي موضوع الفن الأثير ومادته المفضلة.
وقد أسلفنا بعض أوصاف الشعر للأباريق في صورها المختلفة، منها قول البسامي:
إبريقهم بينهم ضاحك باكٍ كإنسان حزين فرح
منتصب كالخشف في ربوة ملثم بالز أو متشَّح
فالإبريق تحول إلى إنسان يقرقر كأنه يضحك، وينساب منه السائل كالدمع في عين الباكي، فهو في الآن ذاته يجمع بين الحزن والفرح، لكنه متربص ومفعم بالجمال وهو منتصب على منصة الشراب مثل الظبي الصغير المطل في ربوة قريبة وقد تلفع بوشاح من الحرير المحيط برقبته، ولأن الخشف نموذج الجمال الغرير والفتنة الآسرة فقد أصبح الإبريق هو المعشوق المتشح بالجمال النافر بينما كان إنسانا مفعما بأحر المشاعر، على أن الشعر يقوم في تجسيد الحياة العربية مقام الفنون التشكيلية من رسم ونحت وتصوير، فنحن لا نعرف أشكال الأشياء ولا مظاهر الترف إلا من أوصاف الشعراء، فهذا أحدهم يقول:
أباريق مفدمة بقزٍّ
أو الكتان أو خرق الحرير
جرت عذاباتهن لنا اهتزازا
كألوية خفقن على أميرِ
فيشرح أنواع الأغطية التي توضع على عنق الإبريق من القز والكتان وخرق الحرير، ويصورها وهي ترتجف، كما يرتجف هو من نشوة منظرها، كأنها ألوية ارتفعت على موكب أمير مهيب، مما يجعلها في وجدانه مقترنة بالعز والمجد والفخر، وليست مما يخجل منه.
ويقول البسامي أيضا مكررا الصورة بشكل آخر:
ترى أباريقهم مفدمة يعلها الفتية المغاوير
كالطير حامت على شرائعها فابتل من وردها المناقير
فوضع الأغطية على أفواه الأباريق مظهر لصيانتها ووثارة منظرها بينما يشربها الفرسان الشجعان، وهي لا تقل عنهم خطرا ولا جسارة، فهي مثل الطيور الجارحة التي تحوم على منهلها فتبتل مناقيرها ثم ترتفع، لكن إسحق الموصلي السهير بمجالس الشراب والغناء في أزهى صورها يقدم صورة مركبة للأباريق ولمن يتنعم بشربها في رفاهية بالغة إذ يقول:
أباريقهم زهر ملاءٌ كأنها
ظباء بأعلى الرقمتين قيامُ
وقد شربوا حتى كأن جلودهم
من اللين لم يخلق لهن عظامُ
فالأباريق زهر ممتلئة تنتصب على أعلى الرقمتين كأنها ظباء قيام طبقا لما جرى عليه عرف المجاز والأخيلة الشعرية، لكنه يضيف إلى ذلك وصفا دقيقا للترف والنعمة والرفاهية التي يغرق فيها الشاربون حتى تصبح جلودهم من اللين والرقة كأنها خلقت بدون عظام.

اقرأ أيضا