الاتحاد

الملحق الثقافي

الخروج على عباءة الشعر العربي

إن “فضيلة” الملتقيات والفعاليات الثقافية العربية، بل حتى معارض الكتب، أنها تثير إشكاليات من نوع ما قد تكون معرفية أحيانا. من هذا النوع من الإشكاليات ما يجري راهنا حول قصيدة النثر في مصر، وما يعنيه الأمر من إسقاطات عديدة بلا معنى السياسي المباشر وكذلك بالمعنى الثقافي العميق.
قبل أسبوع كان ملتقى قصيدة النثر في القاهرة الذي تقيمه اللجنة الثقافية في نقابة الصحفيين المصرية قد أنهى أعمال دورته الثانية التي حملت شعار: “قصيدة النثر والتعددية الثقافية”، بما يشبه الخلاف بين أعضاء اللجنة المنظمة التي قامت بحلّ نفسها، في المقابل انطلقت أعمال الملتقى العربي لقصيدة النثر وهو الذي يقيمه اتحاد كتاب وأدباء مصر مستضيفا لدورته هذه شعراء السعودية ومكرما من بينهم الشاعرة فوزية السندي، أول شاعرة في الخليج العربي تكتب شعرها ذا الطابع الاحتجاجي خارج الوزن.

إذن ما الذي يحدث في كبرى العواصم العربية؛ ما الذي يحدث في البر المصري؟ ولماذا؟ بل ربما يكون السؤال الأكثر جوهرية هو: على ماذا هذا الخلاف إذا كان موضوعه هو الغائب الأكبر أصلا؟.
تناقلت الصحف المصرية والبعض من الصحف العربية أخبار الخلاف بين “المحافظين الذين أسرفوا علينا وعلى أنفسهم في تقديسهم الفائض للماضي، واستخدام عصاه الغليظة في تأديب من يصنفونهم في عداد المارقين” المتواجدين في اتحاد الكتاب والقائمين على الملتقى العربي لقصيدة بوصفهم من مثقفي السلطة، بحسب عبارة البيان الذي تلاه الشعراء القائمون على ملتقى قصيدة النثر في مؤتمر صحفي للإعلان عن موعده، وبين “التجمع الراديكالي” ـ بحسب ما وصفوا أنفسهم به، في خبر شهد رواجا واسعا على شبكة الانترنت وحمل توقيع الشاعرة لينا الطيبي ـ أعلن فيه المؤتمر عن نفسه.

قلعة الآخرين
من بُعد، وبوصف كاتب هذه السطور أحد المتابعين لمنجز قصيدة النثر العربية، وأحد أبناء مشهدها، إنْ جاز لي القول، شعرت أن “قصيدة” هي قلعة للآخرين، وان الحوار بشأنها هو شأن مصري خالص ولا علاقة لمن هو خارج نطاق الجغرافيا به، بل جعلت منا الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام المصرية أشبه بشهود زور على ما يجري هناك حيث وقف شعراء “قصيدة النثر” المصرية على طرفي نقيض بخلاف يتصل بما هو سياسي أكثر مما هو ثقافي أو أقلها خلاف حول قصيدة النثر ومنجزها.
لقد بدت قصيدة النثر المتنازع بشأن موعد ملتقياها هي الغائب الأكبر عن هذا الصراع الذي كاد يبلغ درجة الاتهام بالتطبيع والتمويل الأجنبي، أي العمالة للأجنبي باختصار. ويشعر المرء أن ما تأسس عليه ملتقى قصيدة النثر هو الإحساس بتقصد الطرد إلى الهامش من قبل “السلطة” من طرف مجموعة أخرى تسيطر بدورها، وعلى نحو تاريخي، على منبر أو منابر متعددة تمنع أي صوت آخر من الظهور، الأمر الذي يتكرر في كل الجغرافيات العربية. لذا لا سبيل آخر أمام هذه المجموعات المطرودة من جنة الآخرين، إذا جاز التوصيف، سوى أن تبحث عن الاختلاف والتميز والانجذاب إلى ما هو غير مطروق بحثا عن شرعية شعرية ما. وهذا حق طبيعي وإنساني ومعرفي معا.
لعل أبلغ ما يشير إليه هذا التجاذب السياسي لقصيدة النثر هو أن الوعي العربي بها، إجمالا، أنه يذهب باتجاه أحقية هذا التيار أو ذاك بها وليس باتجاه البحث في جوهرها العميق أو إعادة النظر في منجزها عربيا، هذا المنجز الذي ما يزال منجزا ضعيفا.
وسابقا على ذلك، تبدو النزاعات والخلافات حول قصيدة النثر التي شهدتها الثقافة العربية أكثر نضجا، ربما، بسبب الأسئلة التي كانت تطرحها على قصيدة النثر لجهة الشكل تحديدا على الرغم من أن البعض من التوصيفات التي كان يوسم بها شعراء قصيدة النثر هي توصيفات أخلاقية وتطال شخوصهم واحيانا عائلاتهم الصغيرة، كما حدث في الستينيات، ولا ترقى إلى الحوار الحقيقي بين طرفي نقيض ثقافيين، في ما يؤشر إلى أن المعارك الكبرى ذات الجدل الذي يُحدِث انتقالة نوعية قد مات في الثقافة العربية بوضعها الراهن.
لكن اللافت في الملتقى العربي لقصيدة النثر هو أن من بين محاوره ثمة محور يحمل العنوان: ما بعد قصيدة النثر، بما يذكر بما بعد الحداثة وما بعد العولمة، أو حتى بما بعد موت الإنسان أو موت العقل. إنما، هل حقا ولدت قصيدة النثر عربيا؟ أم أنها ما تزال حلما يراود البعض؟

ولادة عسيرة
في أي حال، فلقد بدأت قصيدة النثر عربيا وسط تناقضات حادة كثيرة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وكانت ولادتها عسيرة وفي ظرف سياسي عجيب تواطأ مع ظهور قصيدة التفعيلة أو القصيدة المزونة ونبذ قصيدة النثر إلى أقصى الهامش في الوقت نفسه حيث أخطا الرواد كثيرا بحق الفكرة الأصل لهذه القصيدة على المستوى النظري الأمر الذي رسّخ عنها جملة من المفاهيم والمواقف المسبقة والأوهام ما جعل الوعي بها بوصفه ضرورة شعرية وأسلوبية أكثر نأيا عن جوهرها.
بهذا المعنى بدأت قصيدة النثر العربية غريبة، ويبدو أنها ستبقى كذلك.
ولو حاولنا النظر إلى حقيقة الأمر بدءا من أبجدياتها التأسيسية الأولى، فربما أن قضية التجنيس الأدبي ما تزال واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في أطروحات النقد الأدبي العربي وفي الثقافة العربية بالتالي. وفي صُلب هذا الأمر ما زال قائما السؤالُ الذي تطرحه “قصيدة النثر” على الناقد والشاعر، لجهة أنها تجمع نقيضين لا مترادفين: الشعر والنثر كما هو متلازم في الوعي النقدي العربي بقديمه وحديثه وعلى ما يرشح من معارك خيضت، وتخاض، بين حزبي قصيدة النثر ومعارضيها لا محاوريها أو المختلفين مع صورتها التي ظهرت بها منذ الخمسينات من القرن الماضي. في حين لم تُجْرَ دراسات تُعنى باقتفاء أثر المعنى التاريخي لحضورها كإشكالية بالنسبة للتجنيس، أي لجهة أنّ ذلك معاينة لظهور “نوع” جديد من الأدب هو تعبير عن تحولات اجتماعية - اقتصادية تمر بها المجتمعات بالمعنى التاريخي، ومن الممكن دراستها عبر مناهج علمية صارمة تكشف عن طبيعة السياق الذي نمت فيه بذرة هذا “النوع”.
والأرجح، أنه لم يجر تجنيس للأنواع الأدبية في النصف الأول من القرن الماضي، بل هو نوع من التواطؤ على استدخال هذه الأنواع إلى بنية الثقافة العربية التي فُرِضَ عليها التحديث في ظروف سياسية أثناء الحقبة الاستعمارية حيث تسود بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة ما تزال سائدة فيها تلك الملامح ذات النزعة الإقطاعية غالبا.
في هذه الحال، بدا التثاقف سلميا، فما تمّ استيلاده عبر الترجمة من الثقافتين الاستعماريتين الفرانكوفونية والانجلوسكسونية جرى التصالح معه إلى هذا الحدّ أو ذاك، وأقصى ما حدث هو استفزاز الشكل الأدبي الوافد لعناصر منه تقابله في التراث العربي والإسلامي، كما هي الحال بين الرواية والمقامة، غير أن الأمر في الشعر اختلف تماما، خصوصا في اللحظة التالية على هزيمة مخزية حلّت بالثقافة العربية بإعادة استعمار فلسطين، وهي اللحظة ذاتها التي ظهرت فيها تقريبا قصيدتا التفعيلة وقصيدة النثر.
وحقيقة الأمر أنّه قد تمّ “استيلاد” أو “استدخال” قصيدة النثر باتكاء كبير على التثاقف، وليس بتأثير من تجارب من التراث العربي والإسلامي.

فنون الهوية
إذن، لقد اختلفت المقاييس في ما يخص الشعر العربي، فهو أكثر الفنون التصاقا بالهوية، وليس سواه من الفنون التي باتت وافدة بالقياس إليه. وبسببها استُفِزتْ “الذات” في لحظة كانت تنهزم فيها من تلك الأمم ذاتها التي نقلت منها إلى ثقافتها أنواعا أدبية حديثة هضمتها إنْ بشكل أو بآخر؛ إنْ بهذا القدْر أو ذاك من الاستيعاب والتواطؤ. ما يعني أن التثاقف ها هنا في ما يخصّ قصيدة النثر لم يكن سلميا، فالذات قد استفزت تجاه كسر أكثر القوانين انتسابا إلى ما يميز هذه الذات عن سواها من الأمم. ففي التمسك بعروض القصيدة العربية ما يعبر عن “أصالة” هويتها.
وحتى لو أخذنا في الاعتبار البدايات العربية الأولى في كتابة شعر خارج العروض بوصف ذلك مبشرا بها، فقد ظهرت قصيدة النثر العربية بقدر من التثاقف مع المستعمر الذي تدور معه “الآن، وهنا” المعركة التي ستكون الأكثر حسما وتدعو إليها دولٌ عربيةٌ غيرُ متصالحٍ خطابُها التثويري والتعبوي مع قدراتها العسكرية؛ بل ومع نواياها الخفية في خوض حرب ردّ الاعتبار.
في الوقت نفسه، لم يلاحظ أحد تلك التحولات في البنية الاجتماعية ـ الاقتصادية العربية والكيفية التي أثرت بها هذه التحولات علي الشخصية العربية ذاتها. وربما، لذلك فقد ترافق ظهور قصيدة النثر العربية التي تُعْلي من شأن فردية الفرد المطلقة مع ظهور الدكتاتوريات العربية أكثر مما كان مرافقا لظهور قصيدة التفعيلة أو القصيدة الموزونة التي أوجد العقل العربي سبيلا “شرعيا” لانتسابها إلى الشعرية العربية ربما بدءا من كتاب الناقد الراحل إحسان عباس التأسيسي ذائع الصيت: فن الشعر.
في هذا السياق، يكتب الشاعر زهير أبو شايب، في كتابه “ثمرة الجوز القاسية”، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2008، ما يلي: “لقد ولدت قصيدة النثر في سياق تقوض الذات العربية الذي بدأ مع الحقبة الكولونيالية مرورا بنكبة فلسطين 1948 وآل إلى نكبة العراق....، ولقد كانت، أي قصيدة النثر، نصّ التقوّض الأبرز الذي أنتجته الذات العربية منذ منتصف القرن العشرين”، ربما تخلو هذه المعاينة التاريخية من النظر إلى إشكالية غياب حضور الفرد ووجوده المحض بوصفه منتجا للأفكار على أقلّ تقدير. الأرجح أنّ ما حدث من تحولات عميقة في بنية الفرد العربي الثقافية والاجتماعية والنفسية كانت بسبب الهزائم المقرونة بقمع السلطة العربية وعجزها عن تبرير هذا القمع بإحراز نوع من النصر ولو سياسيا، وليس النكبات التي عادة ما يكون طابعها قَدَريا ولا يدَ للجنس البشري في صناعتها، كالزلازل مثلا لا حصرا، الأمر الذي يخالف تماما ما حدث للفرد العربي، فالنكبات بسبب طابعها ذاك لا تُحدث اغترابا بين الفرد والجماعة، بل تحدث العكس تماما. إنّ اغتراب الفرد في المجتمعات العربية وانزواءه في الهامش، هو صنيع الهزيمة وغياب المجتمع المدني الأصيل. ما يعني أنّ قصيدة النثر هي نصّ الاغتراب وليست نصّ التقوّض. أضف إلى ذلك، أنّ المجتمعات العربية، في إثر تجزئتها غالبا، تحت وطأة أنظمة أبوية، قد عجزت عن إفراز جملة القوانين التي يتحقق إحساس الفرد بذاته. لقد سرّع هذا الأمر، أي إقصاء الفرد إلى الهامش، في ظهور قصيدة النثر مثلما سرّع بظهورها على ما هي عليه من قصور معرفي. إنها الولادة غير المكتملة.
والأرجح أنّ ما حدث في تلك الأثناء هو نفور، من سماته النخبوية، أودى بالحضور الخجول لقصيدة النثر إلى حضور علني جعل الهجومُ عليها من مشايعيها حزبا في مقابل حزب. ما نفى عن ظهورها من البدء أن يكون ظهورَ ظاهرة أدبية محض في سياق اجتماعي اقتصادي محدد الملامح يتصالح فيه السياق الاجتماعي مع السياق التاريخي، وبالتالي تكون قصيدة النثر ظاهرة أدبية من الممكن دراستها من وجهة نظر التجنيس الأدبي.

ارتجال القوانين
وما أضاف إلى الطين بلّة وزاد من وعورة الطريق هو أنّ الارتجال طبع تلك القوانين والمواصفات التي حددها الرواد لقصيدة النثر والتي بناء عليها تعاملوا مع منجزهم بوصفه تأصيلا ترافق مع تقصّد إخفاء المرجعية الثقافية الفرنسية آنذاك لأمرٍ أو لآخر. علما أن الوعي بمواصفات قصيدة النثر الآن، ينفي عن ذلك المنجز انتسابه لقصيدة النثر واقترابه من الشعر الحرّ أو ذلك الشكل الشعري الذي يمكن القول إنه تجريبي لخلطه بين شكلي النثر والحرّ سواءً تقصّد الشاعر هذا الأمر أم لا. ما يعني أن “الطرد” المبكر لقصيدة النثر قد جاء متصالحا مع ظهور الديكتاتور بالمعنى الاجتماعي ـ الاقتصادي من جهة وظالما لفكرة قصيدة النثر عن نفسها، على الأرجح.
إنّ أحادية المرجعية الفرنسية بعيدا عن أنّها استعمارية آنذاك قد منع الوصول إلى وعي حقيقي أو متعدد بالماهية العويصة لقصيدة النثر. إذ أنه حتى ذلك الوقت لم تكن قصيدة النثر تنتسب إلى الثقافتين الاستعماريتين وحدهما بل امتد ذلك إلى كل ثقافات العالم الحيّة في أوروبا الشرقية منها أيضا التي كانت ترزح تحت وطأة أنظمة شمولية حالها في ذلك حال الثقافات الأميركية اللاتينية وثقافات آسيوية أخرى فضلا عن أميركا الشمالية كلها لا الولايات المتحدة وحدها والتي تُعَدّ الآن من أكثر مناطق العالم وثقافاته إنتاجا لقصيدة النثر المتصالح سياقها التاريخي مع سياقها الاجتماعي بسبب الدور الثقافي المؤثر للأكاديميات الجامعية في المجتمع وثقافته إلى حدّ أنّ قصيدة النثر لا تخضع مشروعيتها لأي جدل في راهن أي ثقافة في العالم، باستثناء الثقافة العربية وحدها. وبالطبع هذا لا ينفي أنّ قبولها من أوساط بعينها غير محبّذ أو نسبي، لكن الجدل في مشروعيتها تحديدا قد مات.
لقد باتت قصيدة النثر متعددة المرجعية الثقافية إلى حدّ أنه من غير الممكن نسبتها إلى ثقافة أو أخرى وحدها. هي حلم رآه أحد الشعراء الفرادى وبات يخصّ شعراء فرادى ينتمون إلى ثقافات العالم كله منذ قرن من الزمان، أقلّها.

أبوديب يقرأ قصيدة النثر بأدوات علم العروض


يدرس د. كمال أبو ديب قصيدة النثر باتكاء كبير على منجزه النقدي في كتابه ذائع الصيت: “البنية الإيقاعية للشعر العربي”؛ أي بأدوات تنتسب إلى علم العروض، فيرى: “أما في قصيدة النثر فإن الإيقاع لا يستند إلى علاقات التراتب بين نواتين إيقاعيتين متعارضتين والى تكرارهما على مسافات منتظمة تختلف ويؤدي اختلافها إلى تكوين بحر أو آخر بل يتنامى الإيقاع من نوى إيقاعية ليس بينها علاقات محددة من حيث تركيبها الصوتي وترد في السطر الشعري ورودا اعتباطيا لا يحكمه مبدأ منظم من جهة أخرى”.
ربما تكون قصيدة الشاعر الراحل محمد الماغوط هي النموذج الأوفى الذي يدرسه ويفكر فيه ويتأمل شرطه د. أبوديب في بحثه هذا بأدوات علم العروض العربي، أي تلك القصيدة التي تُكتب خارج الوزن العروضي في أشطر شعرية غير قائمة في بنيتها على الجملة غالبا كما هي حال النثر الخالص أو الصافي، بل ثمة انتقالات من شطر إلى آخر غير مبررة في أحيان كثيرة، وهو شكل من الكتابة الشعرية يتواجد في أغلب ثقافات العالم، وقد يكون موزونا أو غير موزون ويدعى بالشعر الحر ومن خلاله يجري إنتاج أغلب الشعر في العالم، إلا أنه ليس بأي حال هو المقصود بقصيدة النثر أو القصيدة بالنثر.
إن هذا الشكل لقصيدة النثر ينبني إيقاعيا على تجاور الوحدات الصوتية من دون تقصد الانتساب إلى أي نظام عروضي مسبق من جهة، وهذا اللا نظام الإيقاعي المتكرر في قصيدة النثر، من جهة أخرى، وبسبب طبيعة اللغة العربية ذاتها، من غير الممكن استيراده أو استعارته من ثقافة أخرى. ما يعني أن النتيجة المذهلة التي يخلص إليها المرء من قراءة هذا النقد التطبيقي، أن د. أبو ديب يقوم بإجراء نقد تطبيقي في حقل ليس هو بحقل قصيدة النثر، وبأدوات نقدية لا تنتسب إلى هذا الحقل، بل إلى حقل آخر ليس هو المقصود بقصيدة النثر ولا تقوم بنيته على النثر أبدا، أي بدءا من الجملة فالسطر ثمّ الفقرة وصولا إلى تعدد الفقرات مثلما يُكتب النثر تماما.
إن ذلك “اللانظام” المتكرر من التجاور الصوتي القائم على الجملة، الذي هو أحد أبرز محَددات قصيدة النثر، ذو دلالة سوسيولوجية عربيا، فهذا “اللانظام” ينتمي إلى المدينة العربية أكثر من انتمائه إلى الريف حيث المحيط والبيئة أكثر انتظاما في إنتاج الإيقاعات بين العناصر التي يضمها هذان المحيط والبيئة ومن بينها، أي هذه العناصر، الإنسان والطبيعة التي ربما تكون أكثر ما ألهم الإنسان من مشاعر متناقضة وإيقاعات وجدت أبرز حضور لها في اللغة؛ في كلام الإنسان.
والحال، أن هذا ليس بسياق دراسة أثر الحراك الاجتماعي - الاقتصادي في المدينة العربية التي تظلّ تختلط فيها عناصر المحيط والبيئة باستمرار وتظلّ في حال من الانبناء فالهدم وبالتالي إعادة إنتاج إيقاعات يومية تختلف جدّتُها باختلاف إدراك الأفراد لحضورها، ما يعني أن الإيقاع الذي تنتسب إليه قصيدة النثر ليس في القصيدة وحدها بل في ما يظلّ يمنحه المحيط والبيئة من إيقاعات غير متكررة أو قابلة للتكرار. بالتالي فإن الإيقاع من غير الممكن له أن يكون جمعيا بل هو فردي بالمطلق لأن الإحساس بالخارج لا يتأتى بناء على إيقاعات مبنية سلفا، بل مستقاة ومتشرَّبة بعمق من المحيط والبيئة لتصير جزءا من اللاوعي وتستقر في الذاكرة اللاواعية للشاعر فتترك أثرها في القصيدة إلى جوار مؤثرات أخرى كثقافة الشخص وموهبته وكل العوامل الأخرى المؤثرة في تشكل الشاعر وتشكل قصيدته أثناء كتابتها.
وأخيرا، إن الجدل والخصومة والعراك حول قصيدة النثر هو أمر يتعلق بالتسمية وحدها لا بالمنجز الشعري لها، لأنه ما من منجز واضح وراسخ يمكن دراسته وبالتالي يمكن عبر هذه الدراسة أن يجري نوع من التقعيد لهذا الشكل الشعري في الشعرية والثقافة العربيتين، أي أن التأسيس النقدي لقصيدة النثر عربيا لحظة الإعلان عنها لم يكن قائما على الإنجاز، بل على الخلط في المفاهيم.
إن الطبيعة الحادّة للصراع على الشكل قد اتخذت شكلا سياسيا منذ البدء بسبب القصور المعرفي في حقل قصيدة النثر لدى الطرفين، واستمر هذا الخلاف بين الأجيال اللاحقة على الرواد من دون إحداث منجز حقيقي في الحقل نفسه، ومع بدايات الألفية الثانية، على الأرجح، بدأت مراجعات فردية هنا وهناك للمنجز الشعري الشخصي في ضوء أزمة وعي حادّة بطبيعة قصيدة النثر، وفقا لما تُكتب عليه في أغلب ثقافات العالم راهنا.

اقرأ أيضا