الاتحاد

الملحق الثقافي

الهارب من السيرة الذاتية

الدوائر الأدبية في نيويورك ـ وبقية العالم ـ ستحتفل ولا شك بما كشف عنه النقاب مؤخرا من مجموعة من الرسائل كتبها الروائي الأميركي جيه دي سالينجر، مؤلف رواية The Catcher in the Rye “الحارس في حقل الشوفان”، التي ترجمت الى سائر لغات العالم الرئيسية. فقد ألقت تلك الخطابات بضوء جديد على حياة هذا الرجل ورحلة تمرده التي بدأت به كاتبا يافعا محتفى به بحيث صار النجوم من أمثال لورانس اوليفييه وفيفيان لي من أقرب أصدقائه، الى العزلة التامة التي فرضها حول نفسه وأسرته هربا من “هذا العالم التافه الكريه” على حد قوله.

المجموعة، التي بدأت عرضها مؤسسة “مورغان لايبراري” في نيويورك، تضم 11 خطابا كتبها سالينجر الى مايكل ميتشيل، جاره السابق والفنان التشكيلي الذي صمم له الغلاف الأصلي لرواية “الحارس في حقل الشوفان”. وهي تحمل بشرى سارة لعشاق هذا الروائي الذي نشر آخر أعماله في 1965، إذ تكشف أنه اتبع، في سنوات عزلته، جدولا زمنيا صارما للانتاج الأدبي، أثمر قبل وفاته الشهر الماضي أعمالا يعتقد أن من بينها، على أقل تقدير، روايتان كاملتان.
وقد سارعت صحيفة “تايمز” البريطانية، التي أوردت الخبر، الى لقاء أمين المؤسسة، ديكلان كيلي، الذي قال: “تجد هذه الخطابات خصوصيتها في حقيقة أنها مكتوبة من وجهة نظر فنان كاتب إلى فنان مصوِّر. وعلى هذا النحو فهي تتحدث عن “السعي” لدي الفنان.. السعي الى الخلق والإبداع”.
حرر سالينجر أول تلك الرسائل في لندن بتاريخ 22 مايو 1951 مع بدء نشر “الحارس في حقل الشوفان” عندما كان في الثانية والثلاثين من عمره. ويتحدث في هذه الرسالة عن طواف الناشر البريطاني هميش هاملتون به على مكتبات نيويورك ومنتدياتها الأدبية بغرض الترويج للرواية الجديدة. وكتب سالينجر يصف هذا الناشر بأنه “مضيّف ممتاز. لكن مهنيته تتضح في قدرته على جمع مختلف الأطراف على طاولة واحدة”.
ويحكي سالينجر في خطاب آخر الى ميتشيل عن أنه توجه لرؤية لورانس اوليفييه وزوجته فيفيان لي في مسرحية جورج برنارد شو “قيصر وكليوباترا” في الويست إند اللندني. وقال إنه استجاب لدعوتهما اياه الى العشاء في منزلهما الفخم بحي تشيلسي الفاخر. ويمضي الى وصف تلك الأمسية بأنها كانت “صقيلة ولامعة”! لكنه، في خطاب آخر له في العام 1976، ينتقص من قدرات اوليفييه الفنية قائلا إنها لا تعادل المهارة التمثيلية التي أبداها جون وين، بطل أفلام رعاة البقر، في فيلم The Shootist.
ويذكر أن سالينجر بدأ انسحابه من الأضواء العامة في 1953 ليعتنق الهندوسية ويعيش في بيت وسط مزرعة ضخمة في كورنيش، نيوهامبشير، بشمال شرق الولايات المتحدة. وفي خطاب آخر كتبه لميتشيل في 30 ديسمبر 1983، يصب جام غضبه على “ذلك الحمار الانجليزي الذي كلفوه كتابة سيرة حياتي”. وكان يشير بهذا الى الكاتب إيان هاملتون الذي خاض ضده معركة قضائية طويلة.
وفي خطاب بتاريخ 6 أبريل (نيسان) 1985 يفتح سالينجر للمرة الأولى والأخيرة كوّة صغيرة الى حياته الخاصة فيكتب عنها إنها “ليست من النوع الذي يمكن وصفه على النحو الطبيعي.. ذلك النحو الذي يتيح للأصدقاء الحديث عن الكيفية التي تسير بها أمورهم”. وهذه الكوة، وإن كانت شبه معتمة، فهي تشي بأن سالينجر لم يكن راضيا عن نفسه وربما كان يعيش حياة معذبة. أما آخر سلسلة هذه الخطابات فقد جاء في شكل خطاب قصير في 1993 ويحمل رفضا قاطعا وحادا لرغبة ميتشيل نفسه في أن يوقع له سالينجر على نسخة من روايته “الحارس في حقل الشوفان”.
ويبدو أن ميتشيل باع مجموعة الرسائل هذه الى متعهد أدبي، باعها بدوره لشخص يدعى كارتر بيردين وهو جامع للقطع النادرة. وبعد وفاة هذا الأخير تبرعت بها أرملته لمكتبة “مورغان” التي احتفظت بها مغلّفة ومختومة بالشمع الأحمر إلى حين وفاة سالينجر الشهر الماضي.
بولندي نشأ في حواري «برونكس»

ولد جيروم ديفيد سالينجر في مطلع يناير 1919 في مانهاتن، نيويورك، لأبيه اليهودي البولندي سول سالينجر وأمه ماري جيليتش ذات الأصول الاسكتلندية والآيرلندية، وله شقيقة واحدة هي دوريس. ونشأ في حي برونكس بالمدينة نفسها وبدأ مشوار الكتابة الأدبية منذ المدرسة الثانوية.
نشر سالينجر العديد من أعماله الأدبية في أوائل الأربعينيات قبل أن يشارك في الحرب العالمية الثانية. وفي العام 1951 نشر “الحارس في حقل الشوفان” التي قذفت به الى أعلى مراتب النجومية في عالم الأدب الأميركي والعالمي. وقد كانت في شكلها الأصلي قصة بعنوان “عصيان ماديسون”، وتستمد موضوعها من تجربة هولدن كولفيلد، المراهق غير الآبه بما يحدث حوله، في نيويورك بعد طرده من مدرسته في مدينة متخيّلة اسمها ايدجرزتاون في بنسلفانيا. وقد أحالها هذا غير قابلة للنشر حتى 1946 خاصة تحت ضوء الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربور، باعتبار أن بطلها “سلبي وبالتالي فهو قدوة سيئة للمراهقين والشباب».وتتبع الرواية، المكتوبة على لسان المتكلم الحاضر، الأسلوب الأدبي المعروف باسم «تيار الوعي”.
في يونيو 1955 تزوج سالينجر، وهو في سن السادسة والثلاثين، من كلير دوغلاس التي درست الأدب في كلية رادكليف للبنات في كيمبريدج، وأنجبت له مارغريت (1955) وماثيو (1960). لكن ضغوط العزلة التي اختارها لنفسه ولأقرب أقربائه أدت في نهاية المطاف الى انفصالهما في العام 1966 قبل إكمال طلاقهما في اكتوبر 1967. وبعد عقود طويلة من تلك العزلة توفي سالينجر لأسباب طبيعية في 27 يناير 2010 وهو في الحادية والتسعين من العمر.
ورغم أن سالينجر كتب عدد ضخما من الأعمال الأدبية، خاصة في مجال القصة القصيرة، يذهب البعض للقول إن نجاح “الحارس في حقل الشوفان” المدوي حجب قدرة القراء والنقاد على رؤية الجمال في أعماله الأخرى. ويرجعون عزلة الكاتب الرهبانية الاختيارية الى هذا السبب تحديدا. وكان هذا ضمن ما ألمحت اليه مجلة “تايم” في عددها بتاريخ 15 سبتمبر 1961 حين خصصت مقالها الرئيسي له وغلافها لصورته تحت عنوان “حياة راهب معتزل”.
وأبرز أعماله الأدبية هي “الحارس في حقل الشوفان” (1951)، و”تسع قصص” (1953) كتبها في الفترة 1948 ـ 1953، و”فراني” (1955) و”زووي” (1957)، و”زووي وفراني” (1961)، و”ارفعوا عاليا عارضة السقف أيها النجارون” (1955)، و”سيمور: مقدمة” (1959). وهاتان الأخيرتان روايتان قصيرتان أعيد نشرهما في كتاب واحد في 1963 وقفز الى المرتبة الثالثة في أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة في ذلك العام نفسه.

اقرأ أيضا