الاتحاد

الملحق الثقافي

زمن البدايات الثقافي

كانت تشكل مكاناً سياحياً ومزاراً جذاباً لابد من زيارته في كل يوم جمعة
جولة في أسواق أبوظبي القديمة
مدينة أبوظبي في عام 1971، العام الذي وصلت فيه إليها، كانت كما أذكر جيدا مدينة صغيرة، أستطيع أن أرسم أحياءها القليلة على الورق بسهولة.
الشارع الرئيسي فيها هو شارع المطار الذي يبدأ من الكورنيش وينتهي عند جسر المقطع والذي كان الجسر الوحيد الواصل بين جزيرة أبوظبي والبر. وعندما يقترب شارع المطار من البحر يتفرع إلى شوارع عن يمينه ويساره.
كانت دار الإذاعة هي أول تفرع له ثم بعد ذلك شارع الدفاع ثم شارع الجوازات، ثم شارع الكترا ثم شارع حمدان وفيما بعد شارع خليفة.
الأحياء المعروفة كانت الخالدية أولا حيث أقمت أول ما وصلت في يناير 1971، ولم يكن في الخالدية عمارات بل فلل وبيوت شعبية بسيطة.

كذلك كان هناك البطين، وفيه أيضا بيوت شعبية بسيطة أما الشوارع المأهولة بالمحال التجارية والعمارات التي لا يزيد ارتفاعها عن خمسة أدوار فكانت شارع حمدان وشارع الكترا، هكذا كان يطلق عليه وما زال هذا الاسم معروفا حتى اليوم رغم أن الاسم الرسمي للشارع هو شارع زايد الثاني، شارع حمدان كان فيه عمارات قليلة لا يزيد ارتفاعها عن خمسة أدوار ومحال تجارية من دور واحد.
من العمارات التي ما زلت أذكرها جيدا، عمارة الشيخ سرور التي كان فيها تلفزيون أبوظبي، وعمارة درويش بن كرم التي سكنت فيها قبل هدمها وبناء سوق تجاري وعمارة ضخمة مكانها.
عندما يتقاطع شارع المطار مع شارع حمدان كان على اليمين بعد التقاطع سوق أبوظبي الوحيدة التي كنا جميعا نذهب إليها لشراء حاجاتنا من اللحوم والأسماك والخضار والفاكهة.
جميع الخضار التي تباع في تلك السوق مستوردة من لبنان وسوريا والأردن. وكانت تنقل في البداية في الطائرات ثم بعد أن تم تعبيد الطريق بين أبوظبي والسلع صارت تنقل بشاحنات مبردة.
ولأن عدد السكان كان قليلا فإن المترددين على تلك السوق كانوا معروفين لدى أصحاب الحوانيت، أنا شخصيا قامت بيني وبين الجزار الذي أشتري اللحم منه علاقة صداقة مثبتة، كان ذلك الجزار إيرانيا واسمه رضا. استمرت علاقة الصداقة سنوات طويلة وتطورت إلى زيارات عائلية.
كنا في ذلك الزمن الجميل نشكل عائلة كبيرة، حتى خلال وجودنا في تلك السوق لم يكن الأمر يخلو من التقائنا بالأصدقاء والسلام وفتح الحوارات والأحاديث على هامش التسوق الذي نقوم به.
كان يعجبني طريقة عرض الأسماك، والتي كانت تصل إلى السوق مباشرة بعد صيدها.
ورغم أنني أحيانا لا أكون محتاجا لشراء السمك ولكنني كنت أنجذب للاطلاع على أنواع الأسماك التي يزخر بها بحر الخليج مثل الهامور والجش والشـِّعري والصافي والجرجور.
كنت أعتقد أن سمك القرش (الجرجور) لا يؤكل ولكن بعد فترة قصيرة من تواجدي في الإمارات وجدت أن سمك القرش بالطريقة التي يتم فيها طهيه في الخليج يشكل أحد أشهى الأطباق المعروفة (الجشيد). والجشيد طبق هام ومعروف لدى جميع أبناء الإمارات وهو فعلا لذيذ ويقال إنه يمنح القوة والنشاط لمن يأكله، كذلك كنت أنجذب إلى الطريقة التي تباع فيها لحوم السلاحف البحرية الضخمة والتي تشبه إلى حد كبير لحوم البقر العادية.
كانت تلك السوق الجامعة الشاملة تشكل بالنسبة لي مكانا سياحيا ومزارا جذابا لابد لي في كل يوم جمعة (يوم العطلة في ذلك الزمن) أن أزوره مع أم العيال للتسوق والتزود بحاجتنا على مدى أسبوع كامل.
ثم بعد حوالي سنتين تم افتتاح السوق المركزية الجديدة والتي كانت لا يفصلها عن السوق القديمة التي ذكرتها إلا شارع هو شارع خليفة حاليا، وكانت تلك السوق التي سميناها (الجديدة) في ذلك الزمن تضم المحال التجارية المتنوعة وخاصة محال بيع الأقمشة والملابس.
كانت منظمة بطريقة جميلة وكانت في ذلك الوقت تعتبر متقدمة وحديثة جدا. الآن، لا السوق الأولى التي يباع فيها اللحم والسمك والخضار ظلت موجودة ولا السوق المركزية أيضا، بل بدأ قبل حوالي ثلاث سنوات مشروع بناء سوق كبيرة، حديثة فعلا وعلى مستوى القرن الحادي والعشرين وأعتقد أنه سيتم افتتاحها قريبا، وقد قامت بإنشائها شركة الدار بمواصفات عصرية غير مسبوقة.
ورغم جميع الأسواق والمولات التي تم إنشاؤها في حديقة أبوظبي، والتي لا يخلو منها حي من أحيائها، إلا أن الصورة المحفورة في الذاكرة لسوق أبوظبي القديمة والسوق المركزية ما زالت تطغى على جميع الصور الأخرى التي تزخر بها الحياة التجارية في عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة.
إن الأسواق الجديدة التي افتتحت في مدينة أبوظبي تضاهي بلا شك أفخم الأسواق الموجودة في أوروبا وأميركا.
أرافق أحيانا أم العيال إلى مول أبوظبي في النادي السياحي، أو المارينا مول على الكورنيش، وأقضي أكثر من ساعتين في تلك السوق، ولا أستطيع أن ألتقي على رغم مئات البشر الذين أراهم بصديق قديم أو واحد أعرفه. كثر السكان وغاب الأصدقاء القدامى في زحام البشر.
كان أكبر مول أو محل تجاري في ذلك الوقت هو ألبير أبيلا وكان في شارع الخالدية. وكان ذلك المكان مقتصرا على طبقة كبار الموظفين والأغنياء. ورغم أنني في ذلك الزمن كنت أعتبر من كبار الموظفين إلا أنني لم أكن أميل إلا إلى تلك السوق الشعبية التي تتوفر فيها السلع بأثمان أقل وجودة أفضل فقط في الأوقات التي أجد نفسي مضطرا كنت أزور مجمع أبيلا ثم مجمع سبنيز وكان في الشارع الذي هو امتداد لشارع الخليج العربي الآن والقريب جدا من الكورنيش.
في تلك المحال كنت تجد كل شيء حتى المواد الغذائية والخضرة والفاكهة كانت تباع فيها مستوردة من البلاد العربية وحتى من أوروبا.
الآن، وبعد النهضة الزراعية التي قادها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله أصبحت المنتجات الزراعية كالخضار والفاكهة تزيد عن حاجة الاستهلاك المحلي وتصدر إلى الخارج.
عندما أزور السوق هذه الأيام وأشاهد بكثير من الفرح تلك الخضراوات الطازجة بكل أنواعها وأشكالها لا أستطيع منع نفسي من العودة إلى الأيام الأولى التي كانت فيها تلك السلع تصل إلى الأسواق بعد رحلة طويلة في الشاحنات المبردة لتعرض على المتسوقين وهي في حالة أقرب إلى الذبول والنهاية ولكن مع ذلك نقبل عليها ولا نتردد بشرائها حيث لم نكن نملك الخيارات الكثيرة.
ولم يكن غريبا عند قضائنا للعطلة الصيفية في جمهورية مصر العربية أن نعود بعد العطلة وفي حقائبنا فاكهة المانجو أو الجبنة البيضاء.
تغيرت الصورة بعد سنوات وأصبحنا نحن الذين نحمل معنا إلى مصر بعض أنواع الفاكهة الآسيوية وأجبان الحلوم والعكاوي والفيتا وغيرها.
أما التمور فحدث ولا حرج، لقد أصبحت الإمارات من أغنى دول العالم بأشجار النخيل، والتي زادت عن خمسين مليون نخلة، وهذا ما جعلنا في رحلاتنا الحالية نحمل معنا أنواع التمور الجيدة كهدايا وكتموين أيضا.
تغيرت الأحوال كثيرا، لقد استطاعت الإمارات بقيادة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وخلفه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد وجميع حكام الإمارات أن تتحول من دولة تستورد كل شيء إلى دولة تصدر معظم ما كانت تستورده.
كانت الاستراتيجية التي وضعتها القيادة هي إشراك الشعب في التطوير، وزعت الأراضي الزراعية على المواطنين، شجعتهم على الإنتاج وقامت بشراء منتجاتهم الزراعية إلى أن أصبحت تلك المزارع من أهم مصادر الدخل لهم وللدولة.
في زمن البدايات، كان الأخ الصديق فهمي بيدس يقدم في التلفزيون برنامج أرضنا الخضراء، وكان يجد صعوبة في تصوير المناطق الزراعية نظرا لقلتها وبساطتها.
الآن لم يعد حتى الإعلام يخصص برنامجا للزراعة، لأنه لم يعد بوسع أحد أن يواكب تلك النهضة الزراعية التي قامت في الدولة ولونت رمال الصحراء باللون الأخضر الجميل.
لقد أصبح الأمر عاديا جدا لا يحتاج إلى التشجيع لسبب بسيط وهو أن الزراعة أصبحت مصدر دخل حقيقي وهذا وحده يكفي لتشجيع الجميع على الاهتمام بالزراعة وتطويرها والعائد هو الخير على الشعب كله وعلى اقتصاد الدولة.
في ذلك الزمن زمن البدايات كان اعتمادنا على عائدات النفط وحدها، اليوم لم تعد تلك العائدات إلا أقل من 30 % من الدخل القومي للدولة، وذلك على الرغم من ارتفاع الإنتاج والأسعار، لأنه هكذا خططت القيادة وهذا هو ما استطاعت أن تصل إليه.

اقرأ أيضا