الملحق الثقافي

الاتحاد

بلد بلا آيديولوجية.. هو الآيديولوجية

عن دار العربية للعلوم ناشرون صدر كتاب جديد بعنوان “أميركا ديمقراطية الاستبداد” للمؤلف د. سعود المولى الذي عرض كيف أن أميركا هي برأي أهلها “أول بلد تأسس من لا شيء” ويعبرون عن ذلك بعبارة “إنها أول أمة جديدة.. وينسى الأميركيون أن هناك شعباً أو شعوباً سكنت قبلهم تلك البلاد، فما يريدون تأكيده هو أمر صحيح. أنهم كمواطنين أميركيين، بيضاً أحراراً، لم يكن يجمع بينهم أي رابط من تاريخ، أو لغة، أو ماضٍ مشترك، أو حضارة أو تراث، أو حتى مصالح مشتركة وآمال وتطلعات واحدة، جاءوا من كل فج عميق، والسفن التي أبحرت بهم هرباً من الاضطهاد الديني في أوروبا عادت تروي قصصاً أغرب من الخيال وتنسج أساطير جرّت قوافل جديدة من المغامرين الباحثين عن الثروة...”هذا البلد ليس لديه آيديولوجية... أنه هو الايديولوجية”! هكذا اعلن المؤرخ ريتشارد هوفستادتر (1916 ـ 1970) واصفاً الأميركي بأنه لا يملك من الثقافة أو القيم سوى اعتقاده وشعوره بأن لديه رسالة في هذا العالم كنموذج يحتذى به وكمثال ديمقراطي رفيع.

الدستور المقدس
هذا البلد المولود من لاشيء، الخالي من الايديولوجية أو الشخصية الحضارية أو الهوية الثقافية، أعطى لنفسه هوية خاصة، وصار هو الهوية، وذلك من خلال مؤسسات تحولت إلى مقدسات ومحرمات لا تمس (تماماً كالكتاب المقدس).. ومن هنا القيمة العظمى للدستور وهو النص المكتوب الذي يتناول الشؤون السياسة والاجتماعية.. إنه “المرجع” الأعلى للمواطن الصالح. انه “الكتاب”. وفيه الحريات الفردية تحميها “شرعة حقوق الإنسان” التي تقول المحررة الرئيسية في “الواشنطن بوست” روث ماركوس إن 59% من الاميركيين لم يقرأوها أبداً كما أن أكثر من ثلاثة أرباع الأميركيين لا يعرفون هذه اللائحة ـ الشرعة ـ ليست سوى تعديلات أو إضافات على الدستور.
إن دستور 1787 هو الدين الوضعي للبلاد وان محوره (وسبب صياغة شرعة الحقوق 1791) ضمان الحقوق الفردية في وجه تعدي الدولة حدودها... وتقوم الايديولوجية الأميركية على التغني بهذا الإنجاز الخطير المعنون باسم الحريات الفردية... ويفوت عامة البشر أن يعرفوا أن هذا الدستور جعل المواطنة الاميركية حكراً على البيض ومنع الهنود الحمر من مجرد التفكير في المطالبة بنفس الوضعية فيما اعتبر السود من غير البشر (حسب نص الدستور فإن العبد الأسود يساوي 5/3 من الإنسان الأبيض: هكذا بالنص فاقرأوه)! ومن هنا كانت العنصرية جزءاً مكوناً في تركيبة العقل الأميركي والشخصية الأميركية اذ أنها مؤسسة في الدستور وفي النصوص الأساسية... ولم يحصل تعديل دستوري ينص على مساواة الأميركيين أمام القانون إلا في العام 1964. ومن المعروف اليوم أن بعض الولايات مازالت لها قوانينها الخاصة في التمييز العنصري بإزاء السود والهنود الحمر... كما أن هذا هو السبب المعلن لعدم توقيع أميركا على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة في 10/12/1948. وبالتالي فإن ما جرى من تحول تاريخي يوم انتخاب الرئيس أوباما لا يجوز أن يمر مرور الكرام على العقل العربي، بل هو يستدعي دراسة حقيقة التحولات التي أصابت المجتمع الاميركي خلال العشرين سنة الماضية.. ودراسة مدى تطور فكرة المساواة والعدالة...
ففي الروح الأميركية هناك تناقض وصراع بين فكرتي المساواة والحرية اذ لا يمكن التفكير بالجمع بينهما... وفي “شرعة الحقوق” لا وجود إطلاقاً لأي ذكر للمساواة انما فقط ضمان حماية الحريات... والدستور بحد ذاته هو وثيقة.. وفكرة المساواة لم ترد إلا في نص إعلان الاستقلال 1776 (الناس يولدون متساوين) ولكن ينبغي الانتباه إلى تحديد المقصود بكلمة الناس أو البشر: انهم الرجال البيض الأحرار من فئة المالكين.. ومع الاستبعاد الكلي للنساء وللعبيد، وللرجال البيض الأحرار من غير المالكين (اي الفقراء). وهنا ايضاً حصل تطور كبير في العقل الاميركي إلا انه قسم المجتمع بين محافظين وليبراليين...
فعن أي مثال أو نموذج يتكلم الأميركيون حين يقولون بالديمقراطية وبالمساواة وبالحرية؟ “إن الأميركي لديه الحق في أن يتصرف كما يحلو له وفي أن يفعل ما يريد”! هذا هو الانطباع الشعبي العام المتكون عن الأميركي في أي بلد تزوره ولكن هذا ليس فقط هو انطباعنا نحن عنهم، انه الحقيقة.. فالأميركي يؤمن بقوة بهذا الحق ويعتبره جزءاً من مفهوم الحرية الفردية حيث المواطن الفرد، عنده حقوقه، وهو حر.. والنظام الأميركي بكامله يقوم على مفهوم الحقوق دون الواجبات، وعلى المواطن الفرد دون المواطنة، وعلى الحماس الوطني دون الحس المدني... والأميركي ليس حذراً فقط تجاه الحكومة بل وانه وباسم تقليدي ثوري قديم يشكك في كل سلطة أو تسلسل هرمي... والشعور أو الحماس الوطني يتبلور في مفهوم الدفاع عن العلم، اما الحس الجماعي وروح المواطنة فهي أن وجدت تقتصر على الارتباط بالجماعة الصغيرة في القرية أو الحي أو المحلة ولا علاقة لها بالمواطنة أو بالروح الوطنية أو بالشخصية المدينة.

تقديس الاستقلال
ليس 4 يوليو عيداً للاستقلال الوطني أو القومي فحسب بل انه عيد الاستقلال بالمطلق، استقلال الفرد واستقلال الجماعة، استقلال الولايات المتحدة واستقلال السلطات.. انه عيد تقديس الاستقلال في وجه أي نزعة إلى الاتحاد أو الوحدة أو المركزة من فوق.. ففي عام 1776 صوتت المستعمرات المحاربة ضد بريطانيا لاستقلالها كولايات، أي كدول حرة ولم يكن الاتحاد الذي جرى بينهما سوى ضرورة لمواجهة الحرب. وللتذكير فإن الثورة وحرب الاستقلال اندلعت في الولايات أو المستعمرات الأميركية لبريطانيا بسبب الضرائب والاستبداد وليس كنزعة قومية.. ولم تكن حادثة بوسطن الشهيرة 1773 سوى الشرارة التي اطلقت الحرب (1775 ـ 1776) ودفعت بالمستعمرات إلى التنسيق في مؤتمر فيلادلفيا الذي انعقد في ربيع 1776 وطرح فيه بعض المندوبين فكرة الاستقلال.. وفي حزيران تم تشكيل لجنة ضمت بنيامين فرانكلين وجون آدامز وروبرت ليفينغستون وتوماس جيفرسون صاغت الاعلان الذي عرض على المؤتمر يوم 28 يونيو. وفي أول يوليو تم تبني اقتراح مندوب فيرجينيا وهو ينص على أن “المستعمرات المتحدة ينبغي لها أن تكون دولاً حرة ومستقلة... واعترض على النص نواب بنسلفينيا وكارولينا الجنوبية فيما تردد مندوب دبلاوير وامتنع عن التصويت.. وفي 2 يوليو جرى التصويت على صيغة واحدة قدمها جفرسون وولفق عليها الجميع باستثناء وفد نيويورك.ثم جرى يومي 3 و4 يوليو إدخال تعديلات على الصيغة التي اعتمدت يوم 4 يوليو كصيغة نهائية بموافقة جميع الوفود باستثناء وفد نيويورك، وكان جون هانكوك مندوب ماساشوستس يرأس الجلسة التاريخية التي صوتت على ما عرف باسم إعلان الاستقلال. وتلا ذلك اليوم إرسال نسخ من الإعلان إلى جميع المستعمرات والى الجنرال واشنطن الذي قرأه على الجبهة العسكرية. وما لبثت نيويورك أن انضمت إلى الإعلان... وحتى يوم 2 اغسطس كان قد وقعه 55 شخصية قيادية من المستعمرات الـ 13.

الفردية والجماعية
إن الفردية هي حجر الزاوية في النظام الأميركي. ورغم الفردية المطلقة فإن غالبية الأميركيين تشعر وتعي بأنها تنتمي إلى جماعة أثنية معينة ( أبيض،أسود، ملون، ايرلندي، يهودي، كاثوليكي) وهذا الأمر تراث موروث من الماضي الجماعي للمهاجرين. وتتنازع الولايات المتحدة اليوم دعوتان أو اطروحتان: الفردية المطلقة من جهة، ومقولة التعددية الثقافية من جهة أخرى. ولقد بدأت المشكلة فعلياً مع انطلاق حركة المطالبة بالحقوق المدينة للسود في أواخر الخمسينيات. واليوم ينقسم الأميركيون حول سؤال ما إذا كان ينبغي إعطاء حقوق خاصة لأعضاء جماعة أثنية ما لأسباب تاريخية؟ وهل يحظى فرد ما برعاية ممتازة لسبب كونه ينتمي إلى جماعة كانت ضحية لتاريخ طويل من الاضطهاد؟ ولكن الشيء الغريب أن اليهود كأفراد وكجماعة هم خارج هذا السؤال. في حين ينشط دعاة الحقوق المدنية للسود وللملونين في طرح التعددية الثقافية كإطار حقوق وفي كون الثقافات المكونة للبلاد تشارك على قدم المساواة في تشكيل الثقافة المشتركة للوطن. وبإزاء ذلك ينتصب المحافظون الجدد لتمجيد الفردية المطلقة كفضيلة ويقترحون الفردية كجرعة علاج مضادة وضرورية للشفاء من سم المطالب الأثنية للجماعات المختلفة.
يكتب روجيه غارودي عن ثقافة اللامعنى هذه في كتابه “الهدامون”، باريس 1992: “إن دخول وسائط التلاعب الايديويلوجي بأنواعها المختلفة إلى السوق يجعل الثقافة مقتصرة على “توضيب” العقول وجعلها متماثلة وتحويلها إلى عامل مساعد على التملص والهرب واللهو. والتماثل والتهرب طريقان لإبعاد العقول عن كل إسهام مبدع في الحياة.
وهو يقول في مكان آخر: “إن الولايات المتحدة ليست إلا منظمة للإنتاج ناظمها الوحيد العقلانية التقنية والتجارية التي يشارك فيها الجميع بصفتهم منتجين أومستهلكين وغايتهم الوحيدة زيادة رفاههم زيادة كمية وتعتبر كل هوية شخصية أو ثقافية أو روحية أو دينية مسألة خاصة بصاحبها، وفردية بحتة لا تتدخل في عمل المنظومة ككل... وعند الأكثرية الكبيرة من الشعب الأميركي لا مكان لله، فالله قد مات في أنفسهم لأن الإنسان قد جرد من بعده الالهي، ألا وهو البحث عن المعنى. لذلك ينفسح المجال أمام تفاقم الوساوس والبدع وأمام الهروب إلى المخدرات والى التلفزيون...”.

اقرأ أيضا