الاتحاد

الملحق الثقافي

من العنف إلى الديمقراطية

صدر مؤخرا ضمن السلسلة الفكرية لمنشورات مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية “مدى” في المغرب، كتاب قيّم للباحث نبيل فازيو تحت عنوان: “مفهوم السياسية عند حنا آرندت: من العنف إلى الديمقراطية”، ويقع الكتاب في 247 صفحة من الحجم المتوسط، بغلاف من تصميم كريم ثابت. ويهدي المؤلف هذا الكتاب إلى الأستاذ والمفكر محمد المصباحي.

إجابات للقارئ العربي
ويقدم هذا الكتاب الذي يلخّص أبرز الأفكار السياسية لحنا آرندت إجابات أساسية للقارئ العربي فيما يخص مسألتين على الأقل، لصيقتين بوجوده وبوعيه للعالم من حوله:
إشكالية المعنى الذي يمكن لمفهوم السياسة أن يستعيد به روح المبادرة، وأن يؤسس للقطيعة مع العنف والشمولية، بصفتهما تضييقا لدائرة الحقيقة، واجتثاثا لتعبيرات الاختلاف. حيث يرى الباحث أن المعنى اللصيق بالسياسة، حسب حنا آرندت ليس شيئا أخير غير الحرية، وهذا المعنى يحمل بدوره نزوعا عميقا نحو الفعل، وانفتاحا باتجاه الآخر. بهذه المواصفات لا يمكن أن تستقيم السياسة إلا في فضاء حر ومتعدد، يسود الاعتراف المتبادل بين مكوناته”. إن أهمية هذا الرصد تكمن كما يرى الدكتور المختار بنعبدلاوي في تقديمه لهذا الكتاب أنه يتعارض مع الرأي السائد حول السياسة اليوم، في عدد من الديمقراطيات العريقة، بأن السياسة فن الممكن الذي تتسع آفاقه باتساع حذق السياسيين وقدرتهم على تخطي العوارض والإكراهات، وقوة الآلة المالية أو الإعلامية التي تعزز نفوذهم... والذي يجعل منها مجرد أداة لتدبير الفضاء العمومي وليس قيمة القيم. إن عبور عتبة السياسة، بما هي احتفاء بالحرية، لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تحرر الإرادات، وهو ما يفتح نقاشا خلاقا من الفيلسوف وعالم السياسة حول العيش المشترك وحضور الغيرية بما هي شرط للسياسة.
في نقد الحداثة، هذا الباب يفتح الكتاب أمام العقل والوجدان السياسي العربيين فسحة لأن يقوما بالعملية ونقيضها في نفس الوقت، التأسيس لقيم الحداثة وتجاوز حالة “الهدر الإنساني” المترتبة حكما عليها، بصورة خاصة، اغتراب الإنسان عن “هويته السياسية” واستقالته حيال الفعل، ونكوصه عن رؤية العالم كمشروع مفتوح ومشترك”.
إن من بين مزايا هذا الكتاب هو أنه “يضع بين قوسين كل الأفكار المتداعية، التي تتواتر على أذهاننا كلما تعلق الأمر بالسياسة، حتى عندما تتداخل المفاهيم والتصورات في رؤية متشابكة، وفي تجربة فلسفية عميقة، كالتي نجدها عند حنا آرنت. وفي هذا السياق يأبى مؤلف الكتاب باستمرار إلا أن يقتفي خطى تلميذه هيدغر في رحلة استنبات البذور المؤسسة للفعل السياسي، في حقول العقل والتاريخ والفعل والحرية.. بصورة تنقلب معها الصورة المعهودة، لكي تصبح السياسة في خدمة الإنسان ولكي يرتقي الإنسان بدوره بأفق انتظاره السياسي”.
درب فكري
أما مؤلف الكتاب نبيل فازيو فيؤكد على أن كتابه هذا يحاول دعوة قارئه إلى السير في درب فكر الفيلسوفة الألمانية المعاصرة حنا آرنت، صادرا في ذلك عن قناعته بأن هذا الفكر يحوي في طياته شيئا من شأنه أن يفيدنا اليوم، ليس فقط فيما يتعلق برسم صورة جديدة عن معنى الفعل السياسي أو الفضاء العمومي وغيرهما من المفاهيم التي عملت آرنت على التفكير من خلالها في أزمة الأزمنة الحديثة، بل وكذلك فيما يخص جرنا للتفكير في ماهية الإنسان ذاته بكيفية مغايرة لما اعتدنا عليه حتى اللحظة. وبيان ذلك أنه لو حاولنا لملمة كل مجهودات آرنت الفكرية، لجاز لنا القول إنها تتلخص في نحت تصور جديد عن الإنسان وعن شروط تواجده في العالم، الأمر الذي يلقي بظلاله على تصورنا للعالم وللآخر كذلك. ههنا تطالعنا قراءة آرندت السياسية للإنسان، أو ما يمكن تسميته باكتشاف سياسي للإنسان لدى هذه الفيلسوفة.
تقليد دشنه نيتشه وأرسى دعائمه هيدغر ليعرف امتداداته فيما بعد عند ابرز الفلاسفة المعاصرين كهبرماس ودريدا وفوكو، يشير المؤلف إلى أن التفكير في أزمة الحداثة لم يكن عرضي عند حنا آٍرندت، بل إن ذلك كاد أن يكون “تقليدا تفتق وعيها عليه وهي تحضر محاضرات هسرل وهيدغر وياسبرز. “لذلك وجب التشديد على ضرورة قراءة تصورها للحداثة، لمقوماتها وأسسها، لمظاهر الأزمة التي باتت تنخر كيان الإنسان فيها، في ضوء تقليد دشنه نيتشه وأرسى دعائمه هيدغر ليعرف امتداداته فيما بعد عند ابرز الفلاسفة المعاصرون كهبرماس ودريدا وفوكو، تقليد مساءلة تاريخ الغرب عموما، وتاريخ الحداثة على وجه التحديد، باعتبارها منعطفا غير مسبوق في هذا التاريخ. وإذا كان هيدغر قد أبى إلا أن يقدم تاريخ الغرب، بما هو تاريخ للميتافيزيقا، في صورة قدر أونطولوجي نطق الفلاسفة والمفكرون الأساسيون بلسانه، مختزلا بذلك دور الإنسان في الاستجابة لنداء الانقلاب الذي يحدثه الوجود في مجرى الزمن” معتبرا أن الفيلسوفة حنا آرندت “شكلت بموقفها من الفعل الإنساني رفضا معلنا للقراءة الأنطولوجية للتاريخ. لذلك كان لجوءها إلى الأحداث الثلاثة المؤسسة للحداثة علامة دالة على امتعاضها من منطق المتعالي والمفارق، وكذا على رغبتها في إعادة التاريخ إلى مجراه الطبيعي، مجرى الفعل والنشاط الإنسانيين. لم تكن الحداثة صدفة خبأها القدر الوجودي للإنسان، بقدر ما كانت وليدة ثلاثة أحداث بسيطة وعادية جدا، لكن نتائجها بلغت من الأهمية وشابتها من المفارقة ما حمل فيلسوفتنا على اعتبارها منطلق الأزمنة الحديثة”.
لا يجب أن تنحصر في علاقة مدرسية أو أكاديمية فقط، بقدر ما هي علاقة مع المفاهيم السياسية التي بات الغرب يمطر بها الوعي العربي
كما يقر الباحث بأن السير “في درب آرنت يبقى أمرا غير هين، وما ذلك إلا لشساعة فكرها وتعدد المواضيع التي حصلت مناولتها من طرفها، إذ سرعان ما يدرك المرء أنه أمام متن فلسفي من الصعب ادعاء وضع اليد على خيط متين ينتظمه، لذلك كانت مواجهة هذه الصعوبة هي أول ما يجب البدء به، بذلك تضمن هذا البحث رهانا منهجيا من شأنه تمكين القارئ من التوفر على مدخل مناسب لفكر آرنت. بيد أن هذا الرهان لم يكن الوحيد عندنا، ولا أنكر أنه لم يكن الأهم كذلك، لذا لم يأت عنوان هذا العمل على شكل مدخل أو مقدمة لفكر آرنت، رغم قلة الأعمال التي اهتمت بفكر هذه الفيلسوفة، إذ أن الرهان الأهم ظل يكمن في حمل القارئ على إعادة التفكير في معنى الفعل السياسي في ضوء الظروف التي يعيشها العالم العربي اليوم، وذلك انطلاقا من رؤية آرنت السياسية”.كما يؤكد المؤلف في نهاية الكتاب على أن علاقتنا بآرنت “لا يجب أن تنحصر في علاقة مدرسية أو أكاديمية فقط، بقدر ما هي علاقة مع المفاهيم السياسية التي بات الغرب يمطر بها الوعي العربي منذ أن قدر على التاريخ أن يسير في اتجاه العالم الغربي، وقدر علينا أن نفكر بمفاهيم لسنا نحن من يصنعها. ولعله من الغني عن البيان القول أن سوء تفاهمنا مع الغرب إنما هو وليد سوء فهمنا لمثل هذه المفاهيم، التي لا تمثل فقط مدخلا لفهم الانقلاب الذي تحقق ذات يوم في تصور العقل الغربي للإنسان وللعالم والوجود، بل وتمثل لبنات ارتكز عليها كيان هذا العقل ذاته. مما يجعل من كل محاولة للتفكير في تحصيل أسباب التحديث السياسي عندنا رهينة بمدى قدرة عقلنا على تمثل مفهوم كالفضاء العمومي والسياسي والفعل السياسي، العالم، الآخر، ولعله قد اتضح لنا أن فكر آرنت، ورغم كونه عبر عن صيحة معلنة في وجه التصور الحداثي لهذه المفاهيم، من شأنه أن يعتبر مدخلا لفهم جديد لتلك المفاهيم. ولا يجد الباحث في شأن الفكر السياسي والفلسفي العربي إلا أن يستغرب من ندرة العناية بفكر آرنت من طرف الباحثين العرب اليوم، علما أن العالم العربي ما يزال يعيش على إيقاع أزمة سياسية كانت أبرز علاماتها الخلط الحاصل بين أبرز المفاهيم التي تنسج في تداخلها ما عرف عند آرنت بالشرط السياسي للإنسان.

اقرأ أيضا