الملحق الثقافي

الاتحاد

في عشق مونا ليزا!

كان وقتها كهلا في الرابعة والخمسين من عمره.. فنانا مفعما برقة الشعور ورهافة الرؤية والحس.. يمتلك أنامل ساحرة قادرة على استنطاق الوجود، ونقل أبعاده إلى لوحات ورسوم باحترافية بالغة وإتقان مدهش.. لكن رغم تلك الرهافة والرقة في الرؤية والإحساس يبدو أنه لم يشعر بعد بطعم الحب، ولا بخفقة الوجدان تجاه امرأة، على كثرة ما رأى من النساء! ثم لما وقعت عيناه على “مونا ليزا” قيل بأنه شغف بها، وذاب فيها صبابة وعشقا! ألا ما أقبح نظرك، وبئس ذوقك في الجمال يا دافنشي!
هل يحس أحدكم عندما يتأمل وجه السيدة مونا ليزا بأنها مثال للحسن، أو لها منه بعض مقدار يلفت النظر؟ لكن من أنا وأنت حتى نزعم الحق في تقويم ذوقه في الجمال؟!لنتأدب في حضرة الفنان.. ولنشك في قدرة إبصارنا وذوقنا نحن، لا في رؤيته وذوقه، ولنقل رغم أنفنا ـ أو بالأصح رغم عيوننا جميعا ـ إن السيدة موناليزا أجمل نساء الأرض!
ودعني أجرب قرض الشعر في مغازلتها قائلا:
“ما أجمل خصلات شعرك الباهتة!
وعينيك الغائرتين..
وأنفك المتدلي كليل الشتاء!
ما أشهى فمك المشطور نصفين..
حتى لا أدري هل يفتر عن بهجة وحبور، أم ينطق بِهَمٍّ كئيب؟!”
ولنسرد قصة عشق ليوناردو، وكيف سال في أنامله مدادا ولونا، فأصبح بعد استقراره على اللوح أشهر مشهد فني عرفه تاريخ الفن البشري على امتداده وكثرة نماذجه وتعدد رسومه.
تبدأ القصة بطلب بورتريه.. ففي أحد الأيام استدعى فرنشسكو ديل الجيوكندو، أحد نبلاء مدينة فلورنسا، الرسام دافنشي ليرسم لوحة لزوجته ليزا. وبمجرد ما رآها أصابه سهم كيوبيد، فأقبل على عمله بفرح وانتشاء.. كان يختلف كل صباح إلى القصر، لِيَقْبَعَ أمام السيدة ساعات طوالا متأملا تقاسيم وجهها.. مترسما ملامحها على لوحته.. وحرص خلال عمله على إحضار فرقة موسيقية لتعزف أعذب الألحان حتى لا يتسلل الملل إلى قلب السيدة “الجميلة”، وعسى أن تبقى تقاسيم وجهها متألقة بتلك البسمة الغامضة المحيرة..
ومرت أيام، بل شهور! والعجوز فرنشسكو يرى ليوناردو مسكونا بنشاط غريب، حيث لا يمل من الحضور كل يوم إلى القصر بأدوات رسمه بدعوى رسم وجه السيدة!
أيعقل أن يحتاج رسم بورتريه إلى كل هذا الوقت؟
هذا هو السؤال المقلق الذي أخذ يهجس بداخل فرنشسكو، حتى انتهى إلى الاعتقاد بأن الفنان يماطله في إنجاز اللوحة، ويُسَوِّفُ موعدَ إتمامها؛ فأمهله أياما معدودات للانتهاء من عمله...
فماذا يفعل الفنان العاشق ؟ هل يتم لوحته ويقبض أجره وينصرف؟
إنْ فَعَلَ فكيف يعوض تلك اللحظات المفعمة بالسعادة والحبور، وهو ينظر إلى عشقه ماثلا أمامه؟
كيف يطفئ نَائِرَةَ الشوق وحرارة الصَّبْوَةِ إن فقد مجالسة الموناليزا؟
فكر في الأمر مليا؛ فانتهى إلى الاحتفاظ باللوحة لنفسه. لكن كيف السبيل إلى إخراجها من القصر؟
استأذن دافنشي السيدَّ فرنشسكو بأن يأخذ اللوحة معه إلى بيته؛ بدعوى أنه يريد رسم خلفية طبيعية، واقتنع العجوز بطلبه؛ فأخذ الفنان صورة عشقه ليحتفظ بها في بيته خالصة له وحده.
بدأ دافنشي في ترسيم الخلفية، ولم يشأ أن يكرر نمط الترسيم السائد، بل أبدع تقنية جديدة في وضع الخلفية الطبيعية؛ حيث كانت خلفيات الصور في ما قبل الجيوكاندا تتمظهر بنفس مقاس البعد، لكن دافنشي استعمل أسلوب ضبابية اللون، فأعطى الناظر إحساسا بواقعية الخلفية، كأن لديها عمقا يجعلنا نحس باختلاف المسافة بين أول المنظر الطبيعي وآخره الذي يبدو بسبب بعده مندثرا في الضباب! وتقنية الإيحاء بالعمق والمسافة تقوم على اختلاف وضوح ملامح الترسيم، فالقريب يتم رسمه بوضوح، ثم كلما امتد بعيدا يقل وضوح الصورة، وهكذا نحصل على هذا الإيحاء الهندسي الجميل.
كما أبدع دافنشي في رسم الجسد، فلم يسلك في رسم الموناليزا الأسلوب المعهود في فن البورتريه، بل أبدع تقنية جديدة غير مسبوقة. حيث كانت رسوم الشخصيات قبله تنتهج إحدى الطريقتين التاليتين: إما ترسيم الجسد كاملا، من زاوية نظر أمامية؛ وإما ترسيمه من زاوية نظر ترتكز على تقنية الإسقاط الجانبي التي لا يكشف عن عمق الشكل الجسدي؛ لكن دافنشي أبدع أسلوب الإسقاط المتوسط، حيث زاوج بين الجانب والأمام.
وطال وقت اشتغال دافنشي في لوحته الفريدة هذه، وكان يرفض تسليمها لفرنشسكو متعللا كل مرة بكذبة؛ لأنه لا يستطيع أن ينطق بالحقيقة التي تختلج بداخل وجدانه:
“إني أعشق الموناليزا”.

اقرأ أيضا