الاتحاد

دنيا

إعدام أسرة!

أحمد محمد (القاهرة) - كان الرجل لا يثق بأحد ليشاركه أسرار تجارته المحرمة والممنوعة في المخدرات، وأيضاً حتى لا يعرفوا حجم مكاسبه الضخمة وإن لم يكن من التجار الكبار، يعقد صفقاته غالباً في الليل لكي يحيط خطته بالسرية، فيأتي لزوجته بملابس الرجال وترتديها وهي تحمل سلاحاً ثقيلاً اعتادت حمله، تسير خلفه تحمي ظهره، وكثيراً ما تلازمه عند كل عملية، وحتى لا ينكشف أمرها، فإنها لا تتفوّه بكلمة واحدة، فقط تنظر إليه بعينيها وتراقب وتفهم ما يريد وتلبي بلغة العيون، اعتقد الآخرون على مدى سنوات أنها رجل أخرس، وعندما سألوه هل هي كذلك رد بالإيجاب.
كادت المرأة تنسى أنها أنثى وتصدق أنها بالفعل رجل، فقد كانت تشاركه القرارات والعمليات وعندما تضطر في بعض المواقف للكلام، فإنها تتحدث بصوت أجش وقد أصبحت تلك طريقتها، من لا يراها يتأكد أنها رجل ولا يشك أنها امرأة، اعتادت ذلك حتى أصبح صوتها المعتاد «رجالياً»، لكن تلك الأجواء والأحوال التي يعيشها هؤلاء متقلبة مثل البحر بين هدوء حذر وموج مرتفع وعواصف، وفي كل الأحوال لا تستقر على حال، دائماً في ترقب وتوقع الأسوأ، هناك لا أمان ولا استقرار ولا ثقة، اللغة السائدة المعروفة هي الخيانة، فحياتهم كلها حرام في حرام وهم يعرفون ذلك لكنهم يتجاهلونه ويعتبرون أنفسهم يلعبون بالبيضة والحجر وأصحاب مهارات خاصة.
والعواصف عند هؤلاء ليست مجرد رياح وأمواج ولا برودة وتمر بعد فترة، بل هي دماء وعداوة، والعجيب أنهم يظهرون لبعضهم المودة ويدعون المحبة، وكانت ليلة سوداء في حياته عندما وقعت الخلافات بينه وبين من يتعامل معهم على أموال متأخرة وديون ومعاملات على صفقات متداخلة الحسابات، كانت نهايتها معركة بالرصاص في ليلة شتوية باردة، قتلوا فيها زوجته، حينها فقط كانت المفاجأة عندما اكتشفوا أنها امرأة، ضحكوا كثيراً وهم يضربون الأكف من تلك الخدعة الكبرى التي استمرت سنوات طويلة اعترفوا لأنفسهم بأنهم كانوا مغفلين، لم يكن هناك متهمون في الجريمة فلم يتهم الرجل أحداً ولم يبرر سبب مقتل زوجته ولم يستطع أن يقول لماذا جاءت إلى هذا المكان ولا لماذا ترتدي ملابس الرجال، فهذا كله يكشف كل الجرائم المخفية، عند الجهات الرسمية لم تتوصل التحقيقات ولا المعلومات إلى الحقيقة لأن الجميع صمتوا عن قول الحق، وأغلق ملف القضية وقيدت ضد مجهول رغم أن القتلة معروفون لبعضهم، اتخذ قراراه بينه وبين نفسه بأن ينتقم لها مهما كانت النتيجة فهي شريكة حياته في الحرام والحلال، وأعلنها لغرمائه صريحة بأنه سيثأر لزوجته مهما طال الزمان.
لم يكن فقدها رادعا له ليتوقف عن السير في الطريق المعوج، فمثله لا يستطيع أن يفرق بين الخطأ والصواب وحتى لو علمه فإنه يختار الطريق الخاطئ عن عمد، وواصل تجارته المحرمة، ما زال عند فقد الثقة بالجميع، إنه مملوء بالشك في كل شيء لا يأمن لأحد مهما كان، لذلك لم يجد أمامه من يواصل معه مشوار الإجرام إلا ابنته، كانت في الرابعة عشرة من عمرها، فتاة مثل أمها تعلمت منها كل الحركات الجامدة والكلام الخشن والتعامل الجاف، اسمها «ياسمين»، ولولا هذا الاسم ولون عينيها الأزرق ما عرف أحد أنها أنثى، وكانت مع صغر سنها تعرف ما يفعله أبوها وأمها، لذا لم يكن صعبا عليها أن تحل محلها بسهولة وتقوم بدورها، لكن تلك الصغيرة لم تكن قادرة الآن على حمل السلاح، ولا يمكن للرجل أن يكرر نفس الحيلة بعد أن انكشف الملعوب الأول والذي عرفه الجميع وأصبحت حكاية «المرأة الرجل» على كل لسان يتناقلها الكبار والصغار كما لو كانت أسطورة قديمة.
مرّت ثلاث سنوات على مقتل المرأة لكن الرجل لم ينس ثأره ومازال يتربص بالقتلة ليل نهار، ولم يكن الثأر لها فقط وفاء لما قدمت له ولا من قبيل حبه لها، وإنما الأهم الانتقام لكرامته المهدرة واستعادة هيبته التي فقدها بين الناس، وأخيراً ظفر باثنين من غرمائه في وقت واحد أمطرهما بالرصاص، فأرداهما قتيلين، واستولى على ما بحوزتهما من مخدرات كانا في طريقهما لتوصيلها إلى أحد العملاء، ولم يخف جريمته، فلابد أن يعلم الجميع أنه القاتل كي يتحقق له ما أراد، فأعلن الخبر وأذاعه في كل مكان وعرف الجميع أنه وراء الجريمة، لكنه اختفى عن العيون تماماً ولا أحد يعرف أين ذهب، فرأسه مطلوب للعدالة، ومطلوب أيضاً لعائلة القتيلين، ومن يعثر عليه أولاً فسوف يقتص منه بالقانون إذا وقع في يد العدالة وبشريعة الغاب إذا سقط في أيدي الآخرين، أنه ميت في كل الأحوال.
رغم اختفائه في مكان غير معلوم، فإنه ما زال على اتصال بابنته التي أصبحت على مشارف العشرين من عمرها، يحثها على مواصلة مشواره الإجرامي الذي لا يريد أن يتوقف ولا لتجارته أن تتأثر، وهي ابنته الوحيدة ولا ولد له يمكن أن يتحمل هذه المسؤولية في هذه الظروف الصعبة، ولكنه سعيد لأنها ليست ذكرا وإلا لقتلوها أخذا بالثأر، لذلك كان سعيدا بأنها أنثى، وهي الأصلح في هذه الظروف والأنسب للاستمرار في المشوار، فواصلت وعملت لكن ليس كما كانت من قبل لأنها مكسورة الجناح ومحدودة الحركة وأصبحت معروفة بأنها تحمل مسؤولية تجارة أبيها منذ اختفائه، ومع ذلك استغلت إمكاناتها الأنثوية في التنقل هنا وهناك.
ورغم حيطته وحذره وابتعاده عن منطقته فقد سقط أخيراً في قبضة رجال الشرطة، ألقوا القبض عليه وهو يتخفى في ملابس نسائية وسط المدينة، فقد انقلبت الصورة، بينما كانت زوجته الراحلة ترتدي ملابس الرجال، فإنه الآن يرتدي ملابس النساء، والغريب أنه تم كشفه بالصدفة، فهو يخفي وجهه تماماً وأن كانت طريقة سيره تفضحه، لكن الرجال والنساء يعلقون عليها ولا يتعرضون له، بينما كان الحذاء هو الذي كشف عنه فقد كان من المقاس الكبير وواضح أنه لرجل، اقتادوه إلى حيث التحقيقات والمحاكمة وطالبت النيابة بإعدامه، لكن الإجراءات تستغرق وقتاً طويلاً لعدة أشهر وربما أعوام إلى أن يتم إصدار حكم نهائي، ويطمع أن يحصل على البراءة أو حكم مخفف لما يعتمد عليه المحامون من ثغرات في القانون والإجراءات.
قدمت «ياسمين» كل الأموال التي جمعتها هي وأبوها وأمها من قبل للمحامين وأنفقتها عن بكرة أبيها ولم يعد بين يديها أي شيء، ولابد أن تواصل تجارتها لكي تنفق على نفسها وعلى احتياجات أبيها في محبسه، وقد أصبحت الآن وحيدة في الدنيا، لكنها لا تشعر بالوحدة ولا بالنقص ولا بالحاجة لأحد فشخصيتها قوية، وقلبها قاس ولا تعرف الخوف وقد اعتادت المواقف الصعبة ولا تهزها النوازل ولم يكن مقتل أمها وحبس أبيها الذي ربما تكون نهايته الإعدام يحرك عندها ساكناً أو يثنيها عن السير في نفس الطريق، قررت أن تغير كل استراتيجية العمل والتحركات، فانتقلت من موطنها إلى مدينة ساحلية لا يعرفها فيها أحد وحتى تتحرك بحرية ولا تكون في مرمى الشكوك.
الآن يمكن أن تعتمد على طبيعتها الأنثوية، فالأمر الطبيعي أن كل امرأة تحمل حقيبة، وتتشح بعباءة فضفاضة، وهذا يتيح لها أن تحمل أي كمية من المخدرات من دون أن تجذب انتباه أحد، واستغلت بعض المعارف والعلاقات القديمة في تجارتها في المكان الجديد، استطاعت أن تعمل وهي في مأمن، لكنها أرادت أن تزيد من درجة الأمان وتقلل من تحركاتها، فلجأت إلى الجنس الناعم لمساعدتها، تعرفت على فتاتين على شاكلتها، وقررت أن تكونا ذراعيها في تجارتها، مستغلة نفس الأسباب بأنهما لن تكونا موضع شك، وهي تريد أن تبعد نفسها قليلاً عن عيون رجال البوليس فلا يمكن أن تبالغ في الأمان ولابد أن تتوقع الأسوأ مهما كانت الظروف، فهي في النهاية تلعب لعبة خطرة ولو كشفت شخصيتها فستسقط بكل سهولة.
اتسع نشاط ياسمين وتفوقت على أبيها، وانتشرت تجارتها في أماكن بعيدة، تعرفت على كبار التجار وأصبحت تعاملهم رأساً برأس ونداً بند، كثيرون أعجبتهم شخصيتها وتمنوها زوجة، وهي الآن في الخامسة والعشرين من عمرها، لكنها ترفض مبدأ الزواج لأنها لا تريد أن تكون تحت رجل تتلقى الأوامر ويسيطر عليها ويتحكم فيها، واستغلت عدداً كبيراً من الفتيات في عملها، وهي تعرف بنظرتها كيف توقعهن وتغريهن بالمال وتوهمهن بالأمان، أطلقوا عليها لقب الإمبراطورة رغم صغر سنها، وقد كانت تشعر بالزهو والفخر بهذا اللقب.
لم يكن الأمر، كما كانت تعتقد الإمبراطورة بأنها بعيدة عن عيون الشرطة، ولم تعرف أنها مراقبة والمسألة فقط مسألة وقت وإجراءات قانونية يجب أن تكون صحيحة لتنال عقابها الرادع، وسقطت هي وعصابتها النسائية وأفرادها، وفي نفس الشهر الذي صدر فيه حكم على أبيها بالإعدام كانت هي تنتظر حكما مماثلا فعقوبتها كذلك وجريمتها ثابته، وبالفعل بعد عدة أشهر صدر الحكم، لتنال الأسرة كلها عقابها وتكون نهايتها واحدة جزاء لما اقترفت أيديهم.

اقرأ أيضا